إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سياسة الدولة في نهج البلاغة الجزء الاول

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سياسة الدولة في نهج البلاغة الجزء الاول

    إن للإمام آراء قيمة محكمة في طبيعة الحكم، وسياسته، ومهمة الحكم، وكيفية انتقاء القضاة، وتقسيم العمل، ومهمة العلماء إلى غير ذلك، وقد جمعت رسالته إلى الأشتر النخعي كثيراً من الأمور، ولكنها ليست الوعاء الوحيد الذي ننشد فيه ذلك الحكم فنقصر بحثنا علىها.
    (1) قال: ((لا بدَّ للناس من أمير برٍ أو فاجر يعمل في أمرته المغ†من، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتغ†من به السبل ويغ†خذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر» وهذا كما نري رأي يعاكسه الفوضويون إلىوم وقد عاكسه الخوارج بالأمس، ولكن ما كان لعلى الحكيم الذي اعتنق دين النظام صبياً أن يدعو بدعوتهم لقد عرف أن النظام هو كفيل النجاح، وتألم وشكا قومه لأن المعروف عندهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كأن كل امريء منهم إمام نفسه قد أخذ منها فيما يري بعري ثقات وأسباب محكمات)) .
    (2) وإذا كان قد مقت الخروج عما يمكن أن نسميه «الشرعية» فإنه كذلك قد مقت أيضاً الاختلاف بين الفقهاء والمفسرين في الفتيا قائلاً: ((ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي ستقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد)) .
    وليس يصعب علىنا أن نلمح أن الذي استفزه إلى هذا الانتقاد هو رغبته في النظام وفي توحيد القضاء.
    (3) وإذا كان قد دعا إلى «الشرعية(( وعدم تشعب الآراء واستقلال كل برأيه، فليس معنى هذا أنه دعا إلى الاستبداد والحكم المطلق، بل على العكس لا نزال نسمعه يلح بالدعوة إلى الشورى)) .
    فيقول لنا: من استبدَّ برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها» ويكرر ذلك في أماكن أخرى وبألفاظ كثيرة.
    وقال في كتاب لأحد ولاته: ((وإن ظنت الرعية بك حيفاً فاصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بأصحارك فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك وأعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق)) .
    وهذه الكلمات كبيرة حكيمة، فيها نوع من المسغ†ولية الوزارية كما نعرفها ونسميها وفيها أيضاً بيان لحكمتها فهي تزيل شكوك الرعية ثم هي رياضة للنفس على تقبل النقد وعدم الإزورار منه، وعلى التدقيق في الأعمال علماً بأن هناك من سيحاسب عنها.
    إن النزعة الديمقراطية في نهج البلاغة أبين من أن تحتاج إلى بيان فها هو يأمر الوالي بأن يجلس لذوي الحاجات دون جند أو حرس لكيلا يتعتعوا في توضيح مسائلهم.
    بل قد فضل العامة على الخاصة وإن سخط الخاصة فقال: ((إن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس أحد من أثقل على الوالي الرعية مغ†ونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً على الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأمة فليكن صغوك لهم وميلك معهم)) .
    وهذا كلام صريح في تفضيلهم والاعتماد علىهم، وأنا شخصياً أميل إلى الظن بأن هذا الكلام كان له تأثير في سلوك بعض زعمائنا الذين عرفوا بميلهم إلى الإمام علي والتشبه بكلامه في أكثر من موضع.
    ولن أطيل في تفصيل هذه الديمقراطية، ولنردد في سرور قول الإمام الجامع: ((إن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة)) وقوله الذي يذكرنا بالقول السائر: صوت الشعب من صوت الله ((إنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده)).(4)
    وإذا كان الإمام قد أخذ بالديمقراطية كما وضح فمن الطبيعي أن نراه نصير الحرية يهيب بابنه (ولا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً) وأن نراه رفع لواء المساواة لا يزال يذكرها ويوصي بها ويقول لمن يوليه «وآس ـ وساو ـ بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك علىهم).
    ويقول في موضع آخر: إن المال لو كان ماله لساوي بين الناس فكيف والمال مال الأمة؟.
    (5) ولكن للجمهور سيئاته كما أن له حسناته فلنسمع كلمة الإمام في الغوغاء.
    قال: ((الناس ثلاثة فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق)).
    ووصف الغوغاء في موضع آخر من أنهم من إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا نفعوا لأن كل صانع ينصرف إلى عمله فيحصل النفع، وقد وضع الإمام اصبعه على آفة وطبيعة من آفات وطبائع الجماهير هي سرعة التقلب، تلك الخاصة الجماهيرية التي وضحها شكسبير أبلغ إيضاح في (يوليوس قيصر) وكذلك أصاب في أن اجتماعها غلبة وتفرقها ضياء وفي أن اجتماعها قد يكون في بعض الأحايين مجلبة للضرر، كما أن تفرقها مجلبة للنفع لانصراف كل عامل إلى عمله، وهذه النظرة إلى الجماهير قد تبدو متعارضة بعض التعارض مع ما سبق من رأيه فيهم ولكن بيان نقص الغوغاء لا يستلزم استبعاد رأيهم.
    (6) وتكلم الإمام في رسالته إلى الأشتر عن القضاة كلاماً قال عنه الأستاذ العشماري أستاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة أن كلاماً غيره في أي دستور من دساتير العالم لم يفصل مهمة القضاة وطرق اختيارهم مثل ما فعل.
    قال الإمام: ((ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدني فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وأصرحهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس، واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك)) وهذا دستور حكيم بل هو أحكم ما نعرفه وحسبه أنه انتبه إلى وجوب إجزال العطاء المالي للقضاة ليستغنوا بذلك عن الارتشاء وأنه شدد في إعطائهم منزلة قريبة من الوالي ليقطع بذلك الطريق على الوشاة وليعمل القضاة في جو هاديء.
    وفي غير هذه الرسالة ذم من يتصدى للحكم وليس أهلاً له قائلاً: ((جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع به، جاهل خباط جهالات عاش ركاب عشوات تصرخ من جور قضائه الدماء وتعج منه المواريث إلى الله)) ،
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X