إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ماذا خسرت الأمة من غيبة الإمام المهدي عليه السلام

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ماذا خسرت الأمة من غيبة الإمام المهدي عليه السلام

    الحمد لله على حلمه بعد علمه، والحمد لله على عفوه بعد قدرته، والحمد لله على طول أناته في غضبه وهو قادر على ما يريد. نحمده ونستعينه ونستهديه، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.ونصلي على سيدنا وحبيب قلوبنا خاتم الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين المنتجبين.

    خسارة البشرية:
    اليوم يوم جمعة، ويوم الجمعة مما يختص بصاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه، اليوم المخصوص للمولى صاحب الزمان عليه السلام فلا بأس بالحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه ملخصاً.
    هذا الحديث في سؤالين، نطرح هذين السؤالين ونحاول أن نبين المطلب في ضمن الإجابة على هذين السؤالين.
    السؤال الأول: ما الذي فقدته البشرية من جراء غيبة هذا الإمام؟
    والسؤال الثاني: كيف يمكن لنا أن نتفادى القدر الممكن من الخسارة الناشئة من غيبة الإمام؟
    أما السؤال الأول: ما الذي خسرته البشرية على طول تأريخها من جرّاء هذه الغيبة؟

    الإمامة:
    لا يمكن أن نجيب عن هذا السؤال قبل أن نفهم ما معنى الإمامة.
    إذا علمنا وأحطنا فهماً بحقيقة الإمام، سندرك بعد ذلك فداحة الخسارة وعظم الخسارة بغيبته صلوات الله وسلامه عليه.
    الإمام نفهم مكانته من خلال معرفة مجموعة أمور:
    الأول: الإمام مصدر الأحكام
    الإمام هو مصدر الأحكام، أي أنّه المصدر الوحيد المخول في بيان أحكام الله تبارك وتعالى.
    فكما تعلمون أن الجهات الكبيرة، كالدول _ أياً كانت الجهة اعتبارية أو غير اعتبارية _ لا يصح أن تحمل موقفاً وأن ينسب لها شيء إلا أن يكون ذلك الموقف منسوباً لها بشكل علمي ودقيق، فالدول لها ناطق يتحدث باسمها، ولا يمكن أن نلزم الدول بموقف ما لم يتحدث ناطقها الرسمي بذلك، هذا هو المخول بالحديث عنها، فإذا قال هذا شيئاً فتعتبر هي التي قالته، أما إذا قال الغير فليس الأمر كذلك.
    وهكذا بقية الوجودات الاعتبارية في المجتمع، لابد لكل وجود اعتباري مهم أن يكون له ناطق يتحدث باسمه.
    والله تبارك وتعالى لم يجعل هذه الصلاحية _ أن يتحدث أحد عن دين الله وأن يتحدث أحد عن أحكام الله وعن إرادة الله في الأرض _ لم يجعل أحداً بهذه الصلاحية إلا حجته على خلقه، وهذا هو معنى الحجة.
    فالإمام إذن المعصوم _ أياً كان الإمام _ أولهم وآخرهم، كلهم حجج الله على البرية، فهم المخولون الوحيدون في التحدث عن القرآن وفي تفسير القرآن على وجهه الصحيح، وفي إبلاغ الناس أحكام الله تبارك وتعالى، ونقصد بالأحكام الأحكام الواقعية، الأحكام الصحيحة التي لا تحتمل الخطأ في أحكام الله تبارك وتعالى، لا الأحكام التي تحتمل الخطأ وتحتمل النسيان وتحتمل الاشتباه، لا احتمال في كلام المعصوم لذلك.
    فإذن النقطة الأولى في معرفة الإمام ينبغي أن نعلم أنه هو الجهة الوحيدة المخولة في بيان أحكام الله، وهو الجهة الوحيدة القادرة على إيصال حكم الله إلى الناس، لأنه المتصل بالله تبارك وتعالى والوارث لعلم جده النبي صلى الله عليه وآله(1).
    وعلى هذا يتضح في هذه النقطة أن فقدان هكذا وجود وأن غيبة هذه الجهة المخولة بالتحدث عن الله وعن الدين ماذا سينتج من أثر على المجتمعات.
    الله تبارك وتعالى جعل الشريعة لسعادة البشر، وأحكامه لتقنين حياة البشر ولتنظيم علاقات البشر فيما بين بعضهم البعض، كي يتجنبوا المشاكل ويتجنبوا الاحتكاك ويتجنبوا كل سوء في مسيرتهم الاجتماعية.
    فإذا غاب عنهم هذا القانون بشكل من الأشكال _ لانهائياً _ إذا غاب بنسبة معينة، قطعاً هذه النسبة الغائبة ستؤثر على حياة المجتمع، هذا الفراغ الحاصل في الأحكام الشرعية، هذا الفارغ الحاصل في درجة القطع بالأحكام الشرعية، سيؤثر بلا شك على الناس.
    نعم، الآن نتمتع بوجود الفقهاء في زمن الغيبة والمخولون ببيان الأحكام، وهذه من نعم الله تبارك وتعالى علينا ومن بركات صاحب الأمر صلوات الله عليه، فإنه هو الذي عيّن هؤلاء الفقهاء الجامعين للشرائط في زمن الغيبة، عينهم مصدراً للفتوى لشيعتهم، وهذه نعمة عظيمة، وهذا يعني أن الأحكام الشرعية ليست غائبة مائة بالمائة عنا، ولسنا منقطعين عن سنة النبي صلى الله عليه وآله بل نحن الوحيدون الذين نستطيع أن نأتي بسند متصل ذهبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، هذا أمر واضح ومنتشر في الكتب والمصادر.
    لكن حديثنا عن تلك الدرجة التي لو كان الإمام موجوداً لحصلنا عليها، تلك الدرجة من القطع والوضوح في الأحكام الشرعية، هذه فقدناها بفقدان ظهور الإمام عجل الله فرجه.
    الثاني: الرعاية الأبوية:
    الإمام أب رحيم للأمة، لا فقط مصدر أحكام، لا أنه شخص يفتي فقط ويسأل فيجيب، فالإمام أب رحيم للأمة، أب لجميع المؤمنين والمسلمين.
    وهذا ما ينعكس في بعض كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في يوم من أيام الجمعة في موقف كهذا الموقف، فقد وقف يخطب في يوم الجمعة فرأى شخصاً فيما بين الناس يتلوى، وبعد أن أنهى خطبته ونزل سأل هذا الرجل: ما بالك تتلوى أأنت موعوك؟ قال: نعم يا مولاي منذ الليلة الماضية أصابني شيء، قال: أحسبت أني لا أعلم؟ أما أني توعكت لوعكتك وتألمت لألمك(2)، فالأمير صلوات الله عليه في تلك الليلة يعلم بأن فلان موعوك ويعلم بأنه مريض ومتألم، ويتألم لألمه، هذا هو شعور الأب تجاه أبنائه.
    الأئمة صلوات الله عليهم آباء لهذه الأمة، الأب الرحيم يحيط أبناءه بالعطف والرعاية والمتابعة والتربية، الرعاية من كل جوانبها، الرعاية النفسية، الرعاية الروحية، الرعاية الإيمانية، الرعاية الاجتماعية، الرعاية حتى العقلية والفكرية.. أب يحرص على أولاده ويريد أن يرتقي بهم إلى مدارج الكمال.
    الإمام هو الأب الحقيقي لنا، ولا تظن أنه غائب وأنه يخلو من هذا الشعور، غيبته وظهوره لا تختلف في هذا الشعور، عند الإمام شعور بأبوته لنا، وواقع أبوته لنا أمر حاصل وتام.
    إلا أن المسألة بالنسبة لنا تختلف، فالإمام أب روحي وحقيقي للناس وللمؤمنين، حريص عليهم، متابع لمصالحهم، يدعو الله في صلاحهم، يباشر ويعمل ليل نهار لصلاح المسلمين، وإن كنا لا نرى عمله، لأنه غائب عنا، لكن هذه الغيبة من جهتنا، وعدم نظرنا إليه وعدم وجوده فيما بين أظهرنا بشكل واضح هذا يؤثر علينا بشكل من الأشكال كما سأبين.
    غيبة الإمام فيما بين أظهر الناس تجعل الناس معرضين للغفلة، يغفلون عنه وينسون ذكره وينسون أنه شخص يعيش فيما بين أظهرهم ويعيش كل الأحداث بكل تفاصيلها وبكل جدية يعيش الحياة بكل مستوياتها، لكن باعتبار أننا لا نراه والإنسان المادي يتعلق بالحس ولا يعرف شيئاً من الحياة سوى ما يرى ويسمع ويلمس، هذا الإنسان ينسى، وهذا بالتجربة موجود، فلو أنّ صديقاً من أصدقائك _ فليكن أفضل صديق وأحب صديق إليك _ إذا فارقته سنين طويلة، لا تراه ولا تسمع صوته لا تستقبل منه رسالة فإنك سوف تنساه، هذه الحالة هي التي يتخوف منها علينا، حالة الغفلة عن الإمام ونسيان الإمام بسبب غيبته.
    فمن الخسائر الفادحة التي تترتب على الغيبة غفلة الناس، ولذلك فيما يأتي من شق آخر من الحديث سأذكر كيفية الحل لهذه المشكلة؟
    الثالث: القدوة:
    الإمام من خصائصه أيضاً أنّه هو القدوة التامة للناس، فالإمام قدوة نصبه الله تبارك وتعالى للناس كي يحتذوا مثاله، فإنّ الدين أفكار ومبادئ وأخلاق مسجلة في القرآن الكريم والسنة النبوية، لكن هذا لا يكفي لتقويم الناس، لا بمعنى أنها شريعة ناقصة والعياذ بالله، ولا بمعنى أن هذه التعاليم غير مؤثرة، فالله تبارك وتعالى يعلم أن هذه التعاليم لا ينبغي أن تبقى حبراً على ورق، بل ينبغي أن يجعل معها قرين وهو الإنسان الكامل المجسد لهذه التعاليم، فلذا ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».(3)
    فإن اقتران الكتاب والسنة الشريفة، اقتران هذين الأمرين بمعصوم هو قدوة للناس ترى فيه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله، وترى فيه صدق الإسلام، وترى فيه حقيقة العبودية لله تبارك وتعالى أمام أعين الناس، هذا أمر يؤثر في هداية الناس.
    ولذا تعيين قدوة من قبل الله تبارك وتعالى للناس هو تتميم للطف الله عز وجل بالناس، هذا فيما يتعلق بهذه النعمة.
    كيف إذا غاب هذا الوجود عن الأنظار؟! بلا شك أن جانب القدوة الذي نتطلع إليه والذي نحتذي مثاله والذي نتتبع آثاره وخطواته هذا سيغيب، لكن هناك حل أذكره في الجواب.

    العقل الكامل:
    من خصائص الإمام أنه العقل الكامل، الذي لا نقص فيه، ولا شائبة فيه، ولا نسيان يشوبه، ولا شبهة تعتريه، الإمام عقل كامل، من شأن العقل الكامل أنه إذا كان في مجتمع ما يرتقي بعقول الناس إلى مدارج الكمال.


    وأما إذا غاب هذا العقل الكامل عن الناس فسوف يتخبط الناس في متاهات الضلال.
    ولذلك ترى في روايات الظهور أن الإمام صلوات الله عليه إذا ظهر كمل عقل الناس، أنه يمر يده على رؤوس الناس فتكتمل عقولهم..(4) لا أتصور أن المراد بالحديث أنه يقف الإمام في مكان والناس تمر ويمر الإمام بيده على رؤوسهم، بل أظن أن المراد _ كما هي لغة العرب، هكذا يفهمون _ أنه يشمل الناس برعايته وتعليمه، يمر يده على رؤوس الناس أي يشمل الناس برعايته وتعليمه وإرشاده حتى تكتمل عقول الناس، لأنه هو العقل الكامل القادر على إيصال الناس إلى الكمال.
    فانظر بعد هذا، فقدان أو غياب هكذا وجود، غياب العقل الكامل إلى ماذا سوف يؤدي؟ سيؤدي إلى ما ترى في هذا اليوم، البشرية الناقصة الضالة المتحيرة في مصيرها المتقاتلة فيما بينها، ترى ما ترى بسبب نقص العقل.
    فغياب الإمام غياب للعقل الكامل، وعدم ظهوره _ في الواقع _ يحول بيننا وبين الكمال بسبب هذا الحاجب.

    الخسران:
    فإذن الجواب ملخصاً على السؤال الأول، وهو ماذا خسرت البشرية بغياب الإمام عليه السلام؟ الجواب: إن ما خسرته البشرية عظيم جداً.
    ينبغي أن نستحضر الخسارة دائماً ونفكر فيها ونفكر في عظم حجمها كي نحاول تدارك ذلك، نحن لا نفكر بالخسارة كي نستسلم لتلك الخسارة أو كي نستسلم للضعف واليأس، إنما نفكر في هذا الفراغ كي نملأه بمقدار الإمكان، وهذا هو ما يتكفل به السؤال الثاني وجوابه.
    التدارك:
    جواب السؤال الثاني الذي يتحدث عن كيفية تدارك هذه الخسارة، أي كيف نتدارك غيبة مولانا وحبيب قلوبنا وأبينا الشفيق الرحيم الحجة من الله علينا؟
    أما فيما يتعلق بالنقص الفقهي _ أي على الصعيد الفقهي _ فقد سبق أن قلنا: إننا نعاني من نقص في اليقين، لأن الأحكام الموجودة التي هي أحكام الفقهاء وفتاوى الفقهاء حجة علينا تماماً، لكن هي في الواقع محتملة للاشتباه، لأن الفقيه ليس معصوماً، لكن فقهاءنا رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين سلكوا مسلك الورع والتقوى في الاحتياط، بحيث يقل ويندر أن يوقعوا الناس في مشكلة، لكن هذا النقص في اليقين كيف يحل؟!
    الإمام صلوات الله وسلامه عليه قبل أن يدخل في غيبته الكبرى، فكما تعلمون غيبة الإمام على قسمين _ على فترتين _ الفترة الأولى هي الغيبة الصغرى وطالت ما يقرب من سبعين سنة، والفترة الأخرى للغيبة هي هذه الفترة، الغيبة الكبرى التي نعيش فيها فعلاً.
    قبل أن يدخل الإمام في غيبته الكبرى عالج هذا الموضوع وأوكل الناس وأرجعهم إلى فقهاء الشيعة المتدينين الورعين الأتقياء الذين درسوا فقه آل محمد صلى الله عليه وآله وتمرّسوا في هذا الفقه، تمرس تخصص، وهنا ملاحظة لابدّ من الإشارة إليها، وهي أنه لا ينبغي التعامل مع الفقه تعاملاً سطحياً، لا ينبغي الاستهانة بالفقه، فإن الفقه تخصص كبقية التخصصات، إن لم يكن أعقد، وإن لم يكن أصعب، فالطبيب إذا اشتبه يشتبه في إعطاء حبة أو إعطاء حقنة، وغاية ما يفعل قد يؤدي بحياة إنسان واحد أو عشرة، أما الفتوى الخاطئة فقد تؤدي بدين الناس، وهو الأهم من كل حياة الناس فإن الدين هو المهم، لذلك الفقه تخصص لايستهان به، له دراسات وله مقدمات وله تفاصيل وله أبعاد وعمق لا يمكن للإنسان العادي أن يصل إليه، ولا يمكن لكل أحد أن يدعيه، إنما ينبغي أن يكرّس سنين حياته كي يحصل على ذلك، وهو بعد موهبة من الله تبارك وتعالى.
    على أي حال الإمام صلوات الله عليه عالج هذا الأمر بجعل الفقهاء في زمن الغيبة مسؤولين عن الفتوى، وأرجع الناس إليهم، وقال: أيها الناس هؤلاء (حجتي عليكم)(5) أطيعوهم، فالفراغ الفقهي يسد إذن.
    وأما احتمال الاشتباه، فكما أنّ فقهاءنا يبتعدون عن هذا الاحتمال بقدر الإمكان، ويكاد هذا الاحتمال يغلق بالاحتياط، فيمكن ملاحظة أن عندنا الفتاوى الاحتياطية كثيرة، فنجد أنّ الفقهاء يذكرون في رسائلهم العملية عبارات: الأحوط كذا، والاحتياط لا يترك، وإلى غيره.
    هذا الاحتياط يسد هذا الفراغ تقريباً ويحاول أن يجنب المؤمنين الوقوع في خلاف الواقع، فعلى سبيل المثال مادة (الاسبرتو) هل هي نجسة أم طاهرة؟ مسألة وقع فيها الخلاف، فلو كان الإمام المعصوم حاضراً لأعطانا حكم الله عز وجل بلا تردد، واضح جداً لأنه هو مصدر الشريعة، لكنه غائب فوقع الكلام بين الفقهاء هل الاسبرتو طاهر أم نجس، بعضهم ينجسه ويقول لك: إذا وضعت على ثيابك شيئاً منه ينبغي أن تطهره قبل أن تصلي، وبعضهم يطهره، وبعضهم يحتاط، حتى من يطهر السبرتو يحتاط أيضاً استحباباً في المسألة، إذن يوجد مجال للتحفظ من الوقوع في الخطأ.
    وهناك طرق بيّنها الأئمة صلوات الله عليهم لفقهائنا، في الواقع هي طرق نافعة جداً في إبعادنا عن احتمال الخطأ بقدر الإمكان، هذا على الصعيد الفقهي. إذن علاج النقص الفقهي تم بهذا الشكل.
    أما الجانب الثاني، أي الجانب الروحي والعلاقة بالإمام والاستفادة من علم الإمام مباشرة ومجالسة الإمام وطلب الدعاء منه وطلب التوبة من الله عز وجل ببركة دعائه، وهذا أمر طبيعي جداً (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً).(6) الله عزوجل يعلّم الخلق ويعلّم المؤمنين إذا أرادوا أن يتوبوا ويرجعوا إليه ليأتوا الرسول، تعال إلى حجة الله تعال إلى باب الله الذي من أراده يأتيه منه، فإنهم هم أبواب الله.
    إذن هذا الجانب كيف نسده؟ الإمام ليس بين ظهرانينا ولا نستطيع أن نراه ولا نستطيع أن نتحدث إليه ولا نستطيع أن نفرغ همومنا لمولانا وقائدنا، لا نستطيع أن نجالس هذا القائد بشكل طبيعي، إذن كيف يسد هذا النقص الحاصل على هذا الصعيد؟ نقص العقل.
    ليس هناك من يكمل هذا النقص في الروحيات والقضايا الإيمانية، النقص في الرعاية الأبوية التي يلقاها الناس حال ظهور الإمام.
    الإمام صلوات الله عليه علمنا كيف نسد هذا النقص، فالواقع أن الغيبة حصلت لا بسبب الإمام، بل بسبب البشر، لأن البشر هم الذين حالوا بينهم وبين الإمام بمعاصي وظلم لا يحتمل.
    الله تبارك وتعالى رأى أن الخلق بهذا الشكل لا يستحقون ظهور الإمام، وهناك روايات عن الأئمة عليهم السلام تنص على أن الله إذا كره مقامنا في ظهراني قوم أخذنا _ سلبنا _ منهم(7).
    فإذن ما هناك من الغيبة وما هناك من الحجب بسببنا نحن، بسبب الذنوب وبسبب الأعمال وبسبب الغفلة والنسيان، وأما إذا سلك الإنسان سلوكاً بحسب توجيهاتهم يضمن له خطاب المعصوم كما لو كان يخاطب حياً يراه ويسمعه، لو التزم الإنسان ببرنامج روحي إنساني يجعله قريباً من الإمام قلباً وروحاً لخفت آثار تلك الغيبة كثيراً.
    في الاستئذان الذي نقرؤه عادة على أبواب الأئمة، مثلاً الموجود على باب رواق الإمام الرضا عليه السلام: ( و أعلم أن رسولك وخلفاءك عليهم السلام أحياء عندك يرزقون يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردّون سلامي وأنك حجبت عن سمعي كلامهم _ الشاهد هنا _ وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم) لا نريد، ولا نتوقع أن نسمع جواب الإمام بهذه الأذن المادية، هذا خلاف الغيبة وخلاف سنة الله فعلاً، إنما نحاول أن نفتح طريقاً آخر لفهم الإمام وللخطاب مع الإمام، طريق القلب والروح «وأنك حجبت عن سمعي كلامهم وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم» لذيذ المناجاة.
    من استطاع أن يسلك هذا الطريق الروحي ويستشعر وجود الإمام أمامه فيزوره كل يوم ويدعو له دائماً ويتحرق على لقائه ويتحرق على ظهوره سيجد أنه يقترب يوماً بعد يوم حتى يشعر بهذا الشعور، حتى يرى قلبه انفتح لهذا الإمام، وحتى يشعر بأن كلامه مسموع من قبل الإمام وسلامه مردود، يرد عليه السلام.
    هذا ما نريد أن نسعى إليه، وهذا ما ينبغي التأكيد عليه في زمن الغيبة، كما قال الإمام عليه السلام: «أكثروا من الدعاء بالفرج فإنه فرجكم».(8)
    الدعاء بالفرج معناه أن تكون مع الإمام دائماً، تدعو له في الصلاة وبعد كل صلاة، ألم يرد في الروايات أن للإنسان بعد كل صلاة دعوة مستجابة؟ أليس من الأحرى بنا أيها المؤمنون أن نجعل هذه الدعوة المستجابة في حق مولانا وإمامنا صاحب الزمان عليه السلام؟
    فلتكن أول دعوة ندعوها بعد كل فريضة: «اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً» هذا الدعاء المعروف، فإن في ذلك فرجنا «أكثروا من الدعاء لفرجه فإنه فرجكم» إذا كنت في ضيق، وإذا كان المجتمع في ضيق وإذا كانت الأمة في بلية، فهذا هو فرجها «أكثروا من الدعاء».
    والإكثار من الدعاء ليس أمراً مجرداً كما تعلمون، هو أمر يستبطن كل ما قلنا، إذا أكثرت من الدعاء فتحت مشاعر قلبك لفهم الحقائق واقتربت من حقيقة الإمام واقتربت من فهم الإمام، فتجد جوابه مفهوماً عندك في قلبك، وتجد آثار مناجاته في حياتك، جرِّب.. توسّل بالإمام عليه السلام وواظب على زيارته تجد الآثار واضحة في حياتك.
    فإذن الآثار والنقص الحاصل من غيبة الإمام وفقدان رؤيته نستطيع تداركه بترقية إيماننا وتهذيب نفوسنا وترك المعاصي والمواظبة على زيارة الأئمة عليهم السلام وقضاء حوائج المؤمنين وامتثال ما يريده الإمام منا في زمن الغيبة وزيارته والدعاء له وخدمة مواليه وشيعته..
    إذا فعلنا كل ذلك ستجد أن الأمر سيتغير ولن تشعر بتلك الفداحة والخسارة، سترى أنك قريب وأنك غير محروم بذلك الشكل الذي بيناه في بداية الحديث.
    نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا ودّه ودعاءه، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه والذابين عنه والمستشهدين بين يديه والذاكرين له.
    اللهم أرضه عنا ووفقنا لرضاه وطاعته والاستشهاد بين يديه.
    والحمد لله ربّ العالمين



    الهوامش

    (1) دلّ على ذلك ما استفاض عنهم عليهم السلام من الروايات في تفسير قوله تعإلى في سورة النحل، الآية: 43: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ...)، راجع الكافي للكليني، ج1: 210 باب (أن أهل الذكر... هم الأئمة عليهم السلام)، أيضاً البحار للمجلسي، ج 23: 171 باب (أنهم عليهم السلام الذكر،: أهل الذكر، وأنهم المسؤولون).

    (2) راجع بصائر الدرجات للصفار: 279، الهداية الكبرى للخصيبي: 157.

    (3) راجع سنن الترمذي، ج 5: 329، مسند أحمد، ج 5: 180.

    (4) راجع الكافي، ج1: 25، ح: 21، ولفظ الحديث: عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم».

    (5) راجع توقيع الناحية المقدسة إلى العمري في الاحتجاج للطبرسي، ج2: 281، ولفظه: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله..).

    (6) سورة النساء، الآية: 64.

    (7) راجع علل الشرائع للصدوق، ج1: 244، ولفظه: عن مروان الانباري قال: خرج من أبي جعفر عليه السلام: (أن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم).

    (8) راجع كمال الدين للصدوق: 485، ح4، الغيبة للطوسي: 389، ح: 247، وفيه: (وأكثروا من الدعاء لتعجيل الفرج فان ذلك فرجكم).

    قاسوك ابا حسن بسواك
    وهل بالطود يقاس الذر أنىّ ساووك بمن ناووك وهل ساووا نعلي قنبر

  • #2
    الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمدا كثير
    احسنتم سيدي الفاضل في كل ما طرزتموه فانها كلمات حقا لو تطرز
    بالذهب لما وفي حقها سلم الله اناملكم واعطاكم مرادكم وقر عينكم وايانا برؤية الامام المتتظر
    سلام الله عليه استمتعنا جدا بقرأته اسعدكم الله في الدنيا والاخرة
    بوركتم
    التعديل الأخير تم بواسطة لوعة فاطمة الزهراء (ع); الساعة 23-07-2015, 01:31 PM.

    تعليق


    • #3
      [quote=لوعة فاطمة الزهراء (ع);472223]
      الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمدا كثير
      احسنتم سيدي الفاضل في كل ما طرزتموه فانها كلمات حقا لو تطرز
      بالذهب لما وفي حقها سلم الله اناملكم واعطاكم مرادكم وقر عينكم وايانا برؤية الامام المتتظر
      سلام الله عليه استمتعنا جدا بقرأته اسعدكم الله في الدنيا والاخرة
      بوركتم
      [/quote
      لوعه فاطمه الزهراء عليها السلام حياكم الله اسعدني تواجدكم الكريم وشكرا لمروركم الذي يعجز اللسان عن وصفه
      اسأل الله لكم التوفيق وقضاء الحوائج ببركه صاحب المنتدى ابي الفضل العباس عليه السلام وان يوفقكم لكل خير وكذلك التوفيق والسداد لباقي اعضاء المنتدى الكرام المحترمين
      تحياتي
      قاسوك ابا حسن بسواك
      وهل بالطود يقاس الذر أنىّ ساووك بمن ناووك وهل ساووا نعلي قنبر

      تعليق

      المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
      حفظ-تلقائي
      Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
      x
      إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
      x
      يعمل...
      X