إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الفرق بين الدين والشريعة - اشكالية مهمة وحل جذري - الجزء الثاني

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الفرق بين الدين والشريعة - اشكالية مهمة وحل جذري - الجزء الثاني

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والسر في تعدد الشرائع هو بسبب اختلاف عاملين مهمين يؤثران تأثيراً مباشراً في الحكم الشرعي هما:


    1. الزمان والمكان.
    2. مستوى الوعي للمكلف.
    فبحسب هذان العاملان تختلف الأحكام من قوم الى قوم آخر، وفي هذا الصدد يقول صاحب الميزان (ره):
    قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ))[1] بيان لسبب اختلاف الشرائع، و ليس المراد بجعلهم أمة واحدة الجعل التكويني بمعنى النوعية الواحدة فإن الناس أفراد نوع واحد يعيشون على نسق واحد كما يدل عليه قوله تعالى: ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ))[2].
    بل المراد أخذهم بحسب الاعتبار أمة واحدة على مستوى واحد من الاستعداد و التهيؤ حتى تشرع لهم شريعة واحدة لتقارب درجاتهم الملحوظة فقوله: "و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" من قبيل وضع علة الشرط موضع الشرط ليتضح باستحضارها معنى الجزاء أعني قوله: "و لكن ليبلوكم فيما ءاتاكم" أي ليمتحنكم فيما أعطاكم و أنعم عليكم، و لا محالة هذه العطايا المشار إليها في الآية مختلفة في الأمم، و ليست هي الاختلافات بحسب المساكن و الألسنة و الألوان فإن الله لم يشرع شريعتين أو أكثر في زمان واحد قط بل هي الاختلافات بحسب مرور الزمان، و ارتقاء الإنسان في مدارج الاستعداد و التهيؤ و ليست التكاليف الإلهية و الأحكام المشرعة إلا امتحانا إلهيا للإنسان في مختلف مواقف الحياة و إن شئت فقل: إخراجا له من القوة إلى الفعل في جانبي السعادة و الشقاوة، و إن شئت فقل: تمييزا لحزب الرحمن و عباده من حزب الشيطان فقد اختلف التعبير عنه في الكتاب العزيز، و مآل الجميع إلى معنى واحد، قال تعالى جريا على مسلك الامتحان: ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ))[3]، إلى غير ذلك من الآيات.
    و قال جريا على المسلك الثاني: ((فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى))[4].
    و قال جريا على المسلك الثالث: ((إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً[5] - إلى أن قال - بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ))[6]، إلى غير ذلك من الآيات.
    و بالجملة لما كانت العطايا الإلهية لنوع الإنسان من الاستعداد و التهيؤ مختلفة باختلاف الأزمان، و كانت الشريعة و السنة الإلهية الواجب إجراؤها بينهم لتتميم سعادة حياتهم و هي الامتحانات الإلهية تختلف لا محالة باختلاف مراتب الاستعدادات و تنوعها أنتج ذلك لزوم اختلاف الشرائع، و لذلك علل تعالى ما ذكره من اختلاف الشرعة و المنهاج بأن إرادته تعلقت ببلائكم و امتحانكم فيما أنعم عليكم فقال: ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ))[7].
    فمعنى الآية - و الله أعلم -: لكل أمة جعلنا منكم جعلا تشريعيا شرعة و منهاجا و لو شاء الله لأخذكم أمة واحدة و شرع لكم شريعة واحدة، و لكن جعل لكم شرائع مختلفة ليمتحنكم فيما ءاتاكم من النعم المختلفة، و اختلاف النعم كان يستدعي اختلاف الامتحان الذي هو عنوان التكاليف و الأحكام المجعولة فلا محالة ألقي الاختلاف بين الشرائع.
    و هذه الأمم المختلفة هي أمم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى الله عليه و آله و عليهم كما يدل عليه ما يمتن الله به على هذه الأمة بقوله: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى: الشورى: 13[8].

    [1]المائدة: 48.

    [2]الزخرف: 33.

    [3]آل عمران: 140-142.

    [4]طه: 124.

    [5]الحجر: 28.

    [6]الحجر: 39-43.

    [7] المائدة: 48.

    [8]الميزان ج5 ص200.


المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X