إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

شبهات مطروحة حول الموت والبرزخ

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • شبهات مطروحة حول الموت والبرزخ

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته

    كما وقفت على أنّ الصلة بين الدارين غير منقطعة، وأنّ هناك مبادلة كلام بكلام حتى إنّ البرزخيين يسمعون خفق نعال المشيِّعين.

    كما اتّضح أنّ المؤمنين ينتفعون بخير الأعمال التي يقوم بها أقرباؤهم وأصدقاؤهم.
    كلّ ذلك بفضل منه سبحانه على عباده حتى ينتفعوا، بما يُقدّم لهم إخوانُهم ـ بعد انتقالهم من الدنيا ـ من أدعية صالحة، وأعمال طيبة تهدى ثوابها إلى آبائهم وإخوانهم وأساتذتهم الذين وجبت حقوقهم عليهم.
    غير أنّ تبعية الأهواء ربما تصدّ الإنسان عن البخوع للحق، والخضوع أمام الحقيقة فيقدِّم رأيه الساقط على البراهين الواضحة، فتارة يُنكر الحياة البرزخية، وأُخرى يردّ الصلة بين الدارين، وثالثة يَجحد انتفاع البرزخيين بأعمال إخوانهم المؤمنين، كلّ ذلك في قوالب شبه ضئيلة نمّقته الأهواء والتقليد الأعمى ولا يقام له في سوق الإعتبار وزن ولا في مبوّأ الحق مقيل، «فظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر» وإليك تلكم الشبهات مع أجوبتها:
    الشبهة الأولى:
    إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله، فهي حياة مستقلّة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها.
    وإن بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتّصال فيما بينهم، وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم لا ذاتاً ولا صفاتاً، واللهُ سبحانه يقول: (ومِنْ ورائِهمْ بَرزخٌ إلى يومِ يُبعَثونَ)(1).
    الجواب: إنّ الحياة بمعناها الحقيقي مجهولة الكنه سواء أكانت دنيوية أم برزخية ولا يعلم حقيقتها إلاّ خالقها، لكن ذلك لا يمنع في التعرّف عليها بشيء من آثارها: الإدراك والشعور في نوع الحيوان، والتفكّر والتعقّل في نوع آخر كالإنسان، فالحياة بلا شعور ودرك نفي لواقع الحياة.
    على أنّه سبحانه بيّن بعض آثار الحياة البرزخية في الآيات النازلة في الشهداء، قال سبحانه: (بَلْ أحياءٌ عنَد ربِّهمْ يُرزقَونَ * فَرِحين بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضلِه ويستَبشِرونَ بالَّذينَ لَمْ يلحقُوا بِهمْ مِنْ خَلفِهِمْ ألاّ خوفٌ عَليهِمْ ولا همْ يَحزَنُونَ) (آل عمران/169،170)
    والإمعان فيما سبق من الروايات حول الحياة البرزخية يرفع الحجاب عن آثارها وظواهرها.
    ومع هذا التضافر والتنصيص فما معنى هذا التجاهل؟!
    وأمّا البرزخ فهو بمعنى الحاجز، وكونه حاجزاً لا يعني انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل البرزخ، بل يكون مانعاً من رجوع الناس إلى حياة الدنيا، لأنّ الحياتين قد قدّرتا على شكل خاص لا يختلط أحدهما بالآخر، فإنّ الحياة المادية القائمة على الكون والفساد والفعل والإنفعال تختلف عن الحياة البرزخية المبراة عن هذه الآثار، فبين الحياتين حاجز يمنع عن اختلاط إحداهما بالأُخرى، لا أنّ بينهما ستاراً حديدياً يمنع عن اللقاء أو عن السماع.
    أنّ قوله سبحانه: (ومِنْ ورائِهمْ بَرزخٌ إلى يوم يُبعثونَ) جاء جواباً لتمنّي الكافر وسؤاله الرجوع إلى الدنيا حيث يقول: (ربِّ ارجعونِ لَعلِّي أعمل صالحاً فِيما تركتُ) فردّ السؤال بقوله: (كلاّ إنّها كلمةٌ هو قائِلُها ومنْ ورائِهمْ بَرزخٌ إلى يومِ يُبعَثونَ)(المؤمنون/99،100).
    ولو صحّ ما ذكره فما معنى تكلم النبي صالح وشعيب مع قومهما؟! وما معنى تكلّم النبّي الأكرم) صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج مع الأنبياء؟! وما معنى تمنّي حبيب النجار بعد موته بقوله: (ياليتَ قَومي يَعلَمونَ)؟!
    الشبهة الثانية:
    إنّ الله سبحانه يقول: (وأن ليسَ للإنسانِ إلاّ ما سَعَى) (النجم/39( فالآية تحصر الإنتفاع في العمل الذي سعى فيه الإنسان قبل موته، ومعه كيف ينتفع بعمل الغير الذي لم يسع فيه؟
    والجواب على هذه الشبهة من وجوه متعددة، ولكنّنا نذكر قبل الجواب ما يفيد القارىء في المقام، وهو: أنّه لو كان ظاهر الآية هو ما يرومه المستدل وهو: أنّ الغير لا ينتفع بعمل الغير ما لم يكن قد تسبب إليه في الحياة، لعارَض هذا ظاهر الآيات الأُخر والروايات المتضافرة في ذلك المجال، إذ لو كان كذلك فما معنى استغفار المؤمنين لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان؟ وما معنى استغفار حملة العرش ومن حوله لأهل الإيمان؟ وما معنى هذه الروايات الواردة في مجالات مختلفة، الدالة على انتفاع الميت بعمل الغير؟
    كل ذلك يعرب عن أن للآية مفاداً آخر وهو غير ما يرومه المستدل، وإليك تفسير الآية بالإمعان فيها، وذلك بوجوه:
    الوجه الأول: إنّ سياق الآيات المحيطة بهذه الآية سياق ذمّ وتنديد، وسياق إنذار وتهديد، فإنّ الله سبحانه يبدأ كلامه العزيز بقوله: (أفرأيت الذي تَولّى * وأعْطى قَليلا وأكدى * أعِندَهُ عِلمُ الغَيبِ فَهوَ يَرى * أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى * وإبراهيمَ الَّذِي وَفّى * ألاّ تَزِرُ وازِرةٌ وِزرَ أُخرى * وأنْ لَيسَ للإنسانِ إلاّ ماسَعى * وأنَّ سَعيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الجزاءَ الأوْفى * وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنتهى) (النجم/33-42(.
    فإنّك ترى أنّ الآيات الحاضرة مثل سبيكة واحدة صيغت لغرض الإنذار والتهديد، خصوصاً قوله: (وأنْ ليسَ للإنسان إلاّ ماسَعى) فإنّ هذه الآية وقعت بين آيتين صريحتين في التهديد المتقدمة قوله : (ألاّ تَزرُ وازرةٌ وِزرَ أُخرى(والمتأخّرة قوله وأَنّ سعيهُ سوفَ يُرى) ثم قوله: (وأنّ إلى ربِّكَ المُنتهى).
    فانّ كلّ ذلك يعطي أنّ موضوع هذه الآية والآيات السابقة واللاحقة هو العقاب لا الثواب، والسيئة لا الحسنة، فالآية تصرّح بأنّ كل إنسان يحمل وزر نفسه ويعاقب بالعمل السيّئ الذي سعى فيه، وأمّا العمل السيّئ الذي اقترفه الغير ولم يكن للإنسان سعي فيه فلا يؤخذ به ولا يعاقب عليه.
    وعلى ذلك فاللام في قوله: «للإنسان» ليس للإنتفاع بل اللام لبيان الإستحقاق، وهو أحد معانيها(2) مثل قوله: (وَيلٌ لِلمُطفّفينَ) وقوله: (لَهُمْ في الدُّنيا خِزيٌ ولَهمْ في الآخرةِ عذابٌ عَظيمٌ) (البقرة/114 وقوله (صلى الله عليه وآله): (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
    وعلى ذلك فالموضوع الذي تركّز عليه الآيات هو العقاب لا الثواب، ولهذا تكون الآية خارجة عن مصبّ البحث، وهذا ظاهر لمن أمعن النظر.
    الوجه الثاني: لو فرضنا أنّ محور البحث في هذه الآيات هو الأعم من الثواب والعقاب، وأنّ اللاّم في الآية للإنتفاف ولكن الآية مع ذلك لا تنفي انتفاع الإنسان بعمل غيره إذا كان للإنسان المنتفع سعي فيه ولو بإيجاد أرضية صالحة للإنتفاع به في ذاته، في قبال من لا توجد في نفسه وذاته مثل هذه الأرضية والإستعداد والقابلية والمقتضى.
    فمثلا الإنسان ينتفع بشفاعة النبّي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة باتفاق جميع المسلمين حتى الوهابيين، ولكن انتفاعه هذا ناشىء من أنّه سعى لهذا الإنتفاع حيث دخل في حظيرة الإيمان بالله وآياته.
    وكذلك الأمر في استغفار المؤمنين للمؤمن بعد موته، وكذا الأعمال الصالحة التي يهدى ثوابها إلى أحد وتكون على وجه يرتبط بسعيه في الدخول في زمرة المؤمنين.
    ولذلك لو كان مشركاً أو ممّن تحبط أعماله، لا يصل إليه ذلك الثواب ولا ينتفع بعمل الغير.
    وقد تفطّن لهذا الجواب بعض أئمة أهل السنّة.
    قال أبو الوفاء بن عقيل: إنّ الإنسان بسعيه وحسن معاشرته اكتسب الأصدقاء وأولد الأولاد وتزوّج وأسدى الخير وتودّد للناس، فنشأ عن ذلك أنّهم ترحّموا عليه وأهدوا له العبادات، وقد كان ذلك من آثار سعيه كما قال (صلى الله عليه وآله): (إنّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه) ويدل على ذلك الحديث الآخر: (وإذا مات العبد انقطع عمله إلاّ من ثلاث ..).
    وقال الشيخ الفقي: (هذا جواب يحتاج إلى إتمام، فإنّ العبد بإيمانه وطاعته لله ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإنّ المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإنّ كلّ واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبع وعشرين ضعفاً لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سبباً لزيادة أجره، كما أنّ عمله كان سبباً لزيادة أجر الآخر.
    أضف إلى ذلك أنّ القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنّما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين فرق كبير، فأخبر تعالى أنّه لا يملك إلاّ سعيه، فإن شاء أن يبدله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، فهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلاّ بما سعى(3).
    الوجة الثالث: إنّ الآية بصدد بيان أنّ عمل كل إنسان راجع إليه دون غيره، وأين هذا من عدم انتفاع الإنسان بعمل الغير؟ فإنّه غير داخل في منطوق الآية ولا في مفهومها، ولا الآية ناظرة إلى نفيه





    وإن شئت قلت: إنّ الآية بصدد بيان أنّ كلّ إنسان رهن عمله، فإن عمل شراً فلا يتحمّله غيره )ولا تَزرُ وازرةٌ وِزرَ أُخرى)، وإن عمل خيراً فيسعد به ويرى عمله وسعيه فــالناس مجزيّون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر و (مَنْ عَملَ صالحاً فلنفسِهِ ومَنْ أساءَ فَعَلَيها)(الجاثية/15(، )فَمَنْ يَعملْ مِثقالَ ذرَّة خيراً يَرهُ * ومَن يعمَلْ مِثقالَ ذرَّة شرّاً يَرَهُ)(الزلزلة/7-8)، وهذه هي الضابطة الأصلية في حياة الإنسان عاجلا وآجلا، وليس لأحد رفضها والإعتماد على غيرها، ولكنّه لا ينافي جواز أن يهدي العامل ثواب عمله إلى غيره ويسعد الغير به فهو خارج عن مفاد الآية إيجاباً وسلباً.

    وهذا مثل قول الوالد لولده: إنّما تنتفع بتجارتك وسعيك، وإنّ سعي كلّ إنسان له نفسه لا للغير، وهذا لا ينافي أن ينتفع هذا الولد بعمل غيره إذا أهدى إليه ذلك الغير شيئاً من الطعام والفواكه والألبسة بنيات مختلفة، فليس للولد حينئذ أن يعترض على والده ويقول: إنّك قلت إنّك تنتفع بسعيك مع أنّني انتفعت بسعي الغير، إذ للوالد أن يقول: إنّ كلامي في نفس العمل الصادر منك ومن غيرك، فكلّ يملك عمل نفسه ولا يتجاوزه، ولكن كلامي هذا ليس ناظر إلى ما لو وهب أحد حصيلة سعيه إليك بطيبة نفسه.
    وكيف يمكن أن نقول بما يقوله هذا الوهابي ونظراؤه وقد تضافرت الآيات والأحاديث ـ كما مر عليك بعضها ـ بانتفاع الإنسان بعمل الغير في ظروف معيّنه، وتحت شرائط خاصة وإن لم يكن له أدنى سعي فيها.
    هذه الآية تشير إلى نكتة وهي: أنّه يجب على الإنسان الاعتماد على السعي والعمل لا على الحسب والنسب، وإلاّ يكون المسلم مثل اليهود الذين كانوا يتمنّون تمنّي الحمقى إذ كانوا يعتمدون على صلتهم وانتمائهم إلى الأنبياء بقولهم: (نَحنُ أبناءُ اللهِ وأحبّاؤهُ) (المائدة/18) أو قولهم: (لَنْ تَمسَّنا النّار إلاّ أيّاماً مَعدودَة) (البقرة/80).
    نعم، هذه ـ كما قلنا ـ ليست ضابطة أصلية في سعادة الإنسان في دنياه وأُخراه، وليس له أن يعتمد عليها ويتخّذها سنداً، وإن كان أمراً صحيحاً في نفسه، وليس كل أمر صحيح يصح أن يعتمد عليه الإنسان ويعيش عليه كشفاعات الأنبياء والأولياء، فلا يجوز ترك العمل بحجة أنّهم يشفعون.
    الشبهة الثالثة:
    امتناع إسماع الموتى، دلّت بعض الآيات على إمتناع إسماع الموتى كقوله سبحانه: (فإنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتى ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا وَلَّوْا مُدبِرينَ) (الروم/52).
    وقوله: (وما يَستوي الأحياءُ ولا الأمواتُ إنَّ اللهَ يُسمِعُ مَنْ يَشاءُ وما أنتَ بِمُسمِع مَنْ في القُبورِ) (فاطر/22(.
    ولكن الإجابة واضحة بوجهين:
    الأول: إنّ هاتين الآيتين ناظرتان إلى الأجساد الموجودة في القبور، فإنّها هي التي لا تسمع ولا تعي، والاتصال لا يكون بيننا وبين هذه الأجساد، بل يتحقق بيننا وبين الأرواح الطاهرة والنفوس الزكية الباقية الخالدة، وإن تبعثر الجسد وتناثرت أجزاؤه فالأرواح هي التي يُسلّم ويُصلّى عليها وهي التي تسمع وترد.
    وأمّا الحضور عند المراقد التي تضمّ الأجساد والأبدان فلأجل أنّه يبعث على التوجّه إلى صاحب تلك الأجساد ويكون أدعى إلى تذكّر خصاله وصفاته، وإلاّ فإنّ الارتباط بهم والسلام عليهم يمكن حتى ولو من مكان ناء وبلد بعيد، كما تصرح بعض أحاديث الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله).
    الثاني: إنّ المراد نفي الإنتفاف وإنّ نفي السماع كناية عنه، بمعنى أنّ هؤلاء يسمعون منك في الواقع ولكنّهم لا ينتفعون من قولك، كما أنّ أهل القبور يسمعون ولكنّهم لا ينتفعون به لفوات أوان السماع والعمل.
    أو المراد نفي سماع القبول والإستفادة لا نفي أصل السماع(4).
    انّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً، والسنّة الشريفة تزيل الإبهامات الطارئة على آيات الكتاب العزيز الذي نزل من عند الله الحكيم العليم.
    قال ابن القيم: أما قوله تعالى: (وما أنتَ بِمُسمِع مَنْ فِي القُبور) فسياق الآية يدل على المراد منها أنّ الكافر الميت القلب، لا تقدر على إسماعه إسماعاً ينتفع به، كما أنّ من في القبور لا تقدر على إسماعه
    إسماعاً ينتفعون به، ولم يرد سبحانه أنّ أصحاب القبور لا يسمعون شيئاً البته، كيف وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) أنّهم يسمعون خفق نعال المشيّعين، وأخبر أنّ قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه، وشرع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمف وأخبر أنّ من سلّم على أخيه المؤمن ردّ عليه السلام.
    وقال أيضاً: هذه الآية نظير قوله: ( إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوتى ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدبِرينَ) وقد يقال: نفي إسماع الصم، مع نفي إسماع الموتى، يدل على أنّ المراد عدم أهلية كل منهما للسماف وأنّ قلوب هؤلاء لما كانت ميتة صماً، كان إسماعها ممتنعاً وبمنزلة خطاب الميت والأصم، وهذا حقّ، ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت، إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلّقها بالأبدان في وقت مّا، فهذا غير الإسماع المنفي(5).
    الشهبة الرابعة:
    دلّت السنّة على أنّ الإنسان ينقطع عملُه بعد موتهِ إلاّ عن أُمور ثلاثة: إذ يقول (صلى الله عليه وآله):
    (إذا ماتَ الإنسان انقطع عملُه إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وليس عمل الغير أحد هذهِ الأمور الثلاثة، فلا ينتفع به.
    يلاحظ عليه:
    إن الحديث يدل على أنّ عمل الإنسان ينقطع بموته إلاّ عن ثلاثة، ولا يدل على أنه لا ينتفع بشيء من غير هذه الثلاثة، وكم فرق بين القول بالانقطاع وعدم الانتفاع فإن الأوّل ناظر إلى الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حال حياته، فإنها تنقطع بالموت بالضرورة إلاّ ما كان له وجود استمراري كالأمور الثلاثة، وأما الثاني فهو تعبير أعمّ مّما يقوم به الإنسان بنفسه، أو يقوم به الغير، فلا ينفي الحديث انتفاع الإنسان بعمل قام به الغير وأهدى ثوابَه إليه.
    بعبارة أُخرى: الموضوع في الحديث هو الأعمال التي للإنسان فيها دور مباشر، أو تسبيباً كالولد، وأَمّا الأعمال الخارجة عن هذا الإطار، التي ليست للإنسان فيها أية مدخلية إلاّ بايجاد الأرضية الصالحة فهي خارجه عن موضوع الحديث.
    الشبهه الخامسة:
    الحوالة إنما تكون بحق لازم، وهي تتحقق في حوالة المخلوق على المخلوق، وإما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر، لا يصح قياسه على حوالة العبيد بعضهم على بعض.
    الجواب: إن هذا الموقف وهذا الكلام اجتهاد في مقابل النص، فقد تضافرت الأدلة على أنّ الميت ينتفع بعمل الحي، وقد عرفت نصوصه كتاباً وسنة، وبعد هذا فما معنى هذا الاستدلال؟
    أضف إليه أنه ليس هناك حوالة مخلوق على الخالق، وإنما هو امتثال لأمره سبحانه بأن نستغفر للمؤمنين ونصوم ونصلي عنهم ونحجّ وننحر عنهم، وإنا لو فعلنا ذلك لانتفع الأموات، ونحن نقوم بذلك حَسب أمر النبي، وليس هناك حوالة مخلوق على الله.
    هَبْ أنّ الثواب على العمل تفضلي لا استحقاقي وله سبحانه أن لا يعطي شيئاً للعامل، ولكنه سبحانه تفضّل وجعل ثواباً على العّمل ثم رخص في أن يؤتى العمل بنية الميت ومن جانبه وإنه سيصل إليه الثواب، بل وتبرأ ذمته، فلا يصح لنا اللجاج والعناد في مقابل النصوص تعصباً للمنهج.
    الشهبة السادسة:
    إنّ العبادات على قسمين: قسم يمكن فيه النيابة كالصدقة والحج، وقسم لا يمكن فيه النيابة كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام، فهذا النوع يختصّ ثوابه بفاعله لا يتعداه ولا ينتقل عنه لغيره.
    والجواب: إن هذا أيضاً اجتهاد في مقابل النص، فما الدّليل على هذه التفرقة وقد شرّع النبي الصومَ عن الميتِ مع أَنّ الصوم لا تدخله النيابة، والله الذي وعد الثواب للحج والصدقة والعتق يتفضّل بايصال ثوابَ الصيام والصلاة والقراءة وغيرها مما يصح أن يفعله الغير تبرعاً إلى الميت.
    وماذا تقولون في قوله (صلى الله عليه وآله(: (من مات وعليه صيام صام عنه أبيه( وهو حديث صحيح.
    وقال البيهقي: قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، عن ابن عباس، وفي رواية بعضهم: (صومي عن أُمّك).
    وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله إنّ أُمّي ماتت، وعليها صيام شهر أفَأَقْضِي عنها؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه عنها؟) قال: نعم، قال: (فدين الله أحق أنْ يُقضى).
    وأخرج أصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في (الشعب) والإمام أحمد عنه (صلى الله عليه وآله): (يس قلب القرآن ولا يقرأُها رجل يريد الله والدار الآخرة إلاّ غفر له واقرأوها عند موتاكم).
    وروى البيهقي: أنّ ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها.









المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X