بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
اٰللـــٌٰـهٌمٓ صَلِّ عٓـلٰىٰ مُحَمَّدٍ وُاّلِ مُحَمَّدٍ
السَلآْمُ عَلْيُكّمٌ ورحَمُةّ الله وبُركآتُهْ
اٰللـــٌٰـهٌمٓ صَلِّ عٓـلٰىٰ مُحَمَّدٍ وُاّلِ مُحَمَّدٍ
السَلآْمُ عَلْيُكّمٌ ورحَمُةّ الله وبُركآتُهْ
قَالَ أميرُ المؤمنينَ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) يَصِفُ النَّبيَّ الأكرمَ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ( طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ )، نهجُ البلاغَةِ، خطبة رقم 108.
وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ :-
يكفي العلم جلالة وفخراً أنَّ الله سبحانه قد جعله السبب الكلي لخلق هذا العالم العلوي والسفلي ، قال الله تعالى في محكم الكتاب: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾، سُورَةُ الطَّلاقِ ، الآية 21.
وجعل سبحانه العلم أعلى شرف، وأول مِنَّةٍ إمتَنَّ بها على ابن آدم بعد خلقه وإبرازه من ظلمة العدم إلى ضياء الوجود، فقال سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيه محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾، سُورَةُ العَلقِ،الآيات 1-5.
فتأمل كيف افتتح كتابه الكريم بنعمة الإيجاد، ثم أردفها بنعمة العلم، فلو كانَ ثَمَّةُ مِنَّةً أو توجدُ نِعْمَةٍ بعدَ نِعْمَةِ الإيجادِ هي أعلى من العلم لما خصه الله تعالى بذلك، وصدّر به نور الهداية .
وقد ذكر الرازي في تفسيره في وجه التناسب بين الآية المذكورة في صدر هذه السورة التي قد اشتمل بعضها على خلق الإنسان من علق، وفي بعضها تعليمه ما لم يعلم، ليحصل النظم البديع في ترتيب آياته : إنَّهُ تعالى ذكر أول حال الإنسان، وهو كونه علقة، مع أنَّها أخس الأشياء، وآخرَ حالِه، فصرتَ في آخرِ حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف، وهذا، إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب، إذ لو كان غيره أشرف لكان ذكر ذلك الشيء في هذا المقام أولى، وحصر سبحانه الخشية في العلماء، فقال: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾، سُورَةُ فَاطرِ ، الآية 35. تفسير الرازي،ج2،ص186.
وَلِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾، سُورَةُ الزُّمَرِ ، الآية 9.
هُنَا القرآنُ الكريم يطرح قضية وجدانية يحكم فيها الوجدان وتحكم فيها الفطرة السليمة، هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ شيء طبيعي أن وجدان الإنسان وفطرته تقول بأنه لا، لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فإذا كان هناك طريق مظلم فيه متاهات وعثرات، ورجل يمشي في الطريق وبيده مشعل من نور، ورجل آخر يمشي في الطريق بلا نور وبلا شيء يدله ويهديه، فشيء طبيعي أن الذي يملك مشعلًا من نور سيتخطى الطريق بسلامة وبنجاة ويصل إلى غايته، وأما الذي يمشي في الطريق المظلم وفيه المتاهات والعثرات بلا نور وبلا دليل فسيتخبط بمتاهاته وعثراته دون أن يصل إلى غايته، إذن القضية قضية وجدانية يحكم فيها الوجدان، وعلى هذا سائر الآيات القرآنية التي تحدثت عن عظمة العلم، إنما تتحدث بأسلوب وجداني يحكم به كل إنسان، ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾، ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ ﴾ .
ونحن عندما نرى أن القرآن يثني على العلم وعلى العالمين ونعتبر أن العلم قضية ضرورية بالنسبة للإنسان، فنحن لا نرى العلم ولا نعتبر العلم كغاية، العلم ليس غاية، العلم وسيلة من الوسائل، العلم خير الوسائل الموصلة إلى الغاية، فأنت الإنسان عندما وجِدت في الحياة الدنيا فلك غاية، لا تريد أن تعيش في الحياة الدنيا كالبهيمة همها علفها، آكل وأشرب وأنام وقد أستمع للمأتم وقد لا أستمع، وهذه هي حياتي، هذا الشكل الروتيني الذي أقوم به كل يوم هذه هي حياتي وهذا كل ما عندي، لا
أنت لك طموح وهدف يعني أنت تتجاوز هذا العمر - منذ حين ولادتك إلى الموت - تريد أن تخلق شيئًا وتكون شيئًا وتصل إلى غاية وإلى هدف، والعلم خير الوسائل الموصلة إلى الهدف، أنت لديك هدف أن تعيش حياة سامية، حياة ترفعك عن مستوى الحيوانات وترفعك عن مستوى سائر الكائنات الحية، تعيش كإنسان يطلب الكمال ويطلب السمو، والعلم خير الوسائل الموصلة إلى تلك الغاية، طبعًا هناك وسائل أخرى، مثلًا الإنسان عنده وسيلة القوة، يقدر الإنسان بحكم أن البقاء للأقوى والبقاء للقوي، فبحكم هذا القانون يقدر أن يتسلط على الغير بحكم قوته وسلطنته، ويحقق الغاية التي يريدها، لكن هذه الوسيلة وسيلة القوة والهيمنة وسيلة سرعان ما تزول وسرعان ما تفنى، وإذا بهذا الحاكم المتسلط المهيمن سرعان ما تدور به الدنيا دوائرها وإذا هو أذل الناس وأحقر الناس، فوسيلة السلطة والقوة ليست وسيلة مضبوطة، وليست وسيلة بحيث يعتمد عليها الإنسان في الحصول على غايته دائمًا وأبدًا ، وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم :-
منها: دلالتها على أنَّ العلماء هم أهل الجنة، وذلك لأن العلماء من أهل الخشية، ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة، فبيان أنَّ العلماء من أهل الخشية قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾ ،
وبيان أنَّ أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ- إلى قوله تعالى- ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ﴾، سُورَةُ البَيِّنَةِ ، الآية 8.
وقرن سبحانه أولي العلم بنفسه وملائكته، فقال: ﴿ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ ﴾، سُورَةُ آلِ عِمرانَ ، الآية 18.
وزاد في إكرامهم على ذلك مع الاقتران المذكور، بقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم ﴾، سُورَةُ آلِ عِمرانَ ، الآية 7.
وبقوله تعالى: ﴿ قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾، سُورَةُ الرَّعدِ الآية 43.
وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات ﴾، سُورَةُ المُجَادِلَةِ ، الآية 11.
وقال تعالى مخاطبا لنبيه آمراً له مع ما آتاه من العلم والحكمة: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾، سُورَةُ طَه ، الآية 114.
فهذه نبذة من فضائله التي نبّه الله عليها في كتابه الكريم .
أمَّا في الأحَاديثِ النَّبَويَّةِ الشَّريفَةِ :-
قَالَ اَلنَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : ( مَنْ طَلَبَ عِلْماً فَأَدْرَكَهُ كَتَبَ اَللَّهُ لَهُ كِفْلَيْنِ مِنَ اَلْأَجْرِ وَ مَنْ طَلَبَ عِلْماً فَلَمْ يُدْرِكْهُ كَتَبَ اَللَّهُ لَهُ كِفْلاً مِنَ اَلْأَجْرِ )، بحار الأنوار، ج1، ص 184.
وَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عُتَقَاءِ اَللَّهِ مِنَ اَلنَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى اَلْمُتَعَلِّمِينَ فَوَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إِلَى بَابِ اَلْعَالِمِ إِلاَّ كَتَبَ اَللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبَادَةَ سَنَةٍ وَ بَنَى اَللَّهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً فِي اَلْجَنَّةِ وَ يَمْشِي عَلَى اَلْأَرْضِ وَ هِيَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ وَ يُمْسِي وَ يُصْبِحُ مَغْفُوراً لَهُ وَ شَهِدَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ أَنَّهُمْ عُتَقَاءُ اَللَّهِ مِنَ اَلنَّارِ )، مُنیةُ المُریدِ ، ج1، ص100.
وَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : ( مَنْ طَلَبَ اَلْعِلْمَ فَهُوَ كَالصَّائِمِ نَهَارَهُ اَلْقَائِمِ لَيْلَهُ وَ إِنَّ بَاباً مِنَ اَلْعِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ اَلرَّجُلُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبُو قُبَيْسٍ ذَهَباً فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ )، بحار الأنوار، ج1، ص 184.
قَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : ( مَنْ جَاءَهُ اَلْمَوْتُ وَ هُوَ يَطْلُبُ اَلْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ اَلْإِسْلاَمَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي اَلْجَنَّةِ )، بحار الأنوار، ج1، ص 184.
وَ قَوْلُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : ( مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ اَلْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ )، مُنیةُ المُریدِ ، ج1، ص100.
فالحديثُ عنْ العلمِ عنْدَ العربِ في الجَاهليَّةِ جَسَّدَهُ البَاري عَزَّ وَ جَلَّ في كِتَابِهِ العَزيزِ مِنْ خِلالِ هذهِ الآيةِ المُبَارَكَةِ بِكَلِمَاتٍ مُعَبِرَةٍ عَنْ واقِعِهمْ في تِلكَ الفَترَةِ فَقَالَ:
﴿ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴾، سُورَةُ آلِ عِمرانَ الآية 164.
و قولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ التزكية تفعيل من الزكاة بمعنى النمو الصالح الذي يلازم الخير و البركة فتزكيته لهم تنميته لهم نماء صالحا بتعويدهم الأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة فيكملون بذلك في إنسانيتهم فيستقيم حالهم في دنياهم و آخرتهم يعيشون سعداء و يموتون سعداء .
و تعليم الكتاب بيان ألفاظ آياته وتفسير ما أشكل من ذلك، ويقابله تعليم الحكمة وهي المعارف الحقيقية التي يتضمنها القرآن، والتعبير عن القرآن تارة بالآيات وتارة بالكتاب للدلالة على أنه بكل من هذه العناوين نعمة يمتن بها - كما قيل
وقد قدم التزكية هاهنا على تعليم الكتاب والحكمة بخلافِ ما في دعوة إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لأنَّ هذهِ الآية تصف تربيته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لمؤمني أمته، والتزكية مقدمة في مقام التربية على تعليم العلوم الحقة والمعارف الحقيقية وأما ما في دعوة إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فإنَّها دعاء وسؤال أن يتحقق في ذريته هذه الزكاة والعلم بالكتاب والحكمة، والعلوم والمعارف أقدم مرتبة وأرفع درجة في مرحلة التحقق والاتصاف من الزكاة الراجعة إلى الأعمال والأخلاق ، وقوله تَعَالَى: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة و المراد أنهم كانوا من قبل بعثة الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) في ضلال مبين، و الآية تحميد بعد تسبيح و مسوقة للامتنان ، فلا بدّ من تعليم النّاس وتزكيتهم أيضاً، كي يتسنّى لهذا المجتمع البشري الكبير الذي يقطن هذه المعمورة أن يطوي طريق الكمال كأسرة متوحّدة سليمة، ويتنعّم بما في هذا العالم من خيرات ، ومعنى ” يُزَكِّيهِمْ “ أنّ الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كان يعمل على تربية وتزكية القلوب قلباً بقلب ، كما كان يبثّ الحكمة والعلم والمعرفة في العقول والأذهان ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ والحكمة أعلى درجة ومكانة، فلم يكن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يعلّمهم القوانين والأحكام فحسب، بل كان يعلّمهم الحكمة أيضا، وكان يفتح عيونهم على حقائق الوجود وهكذا سار النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فيهم لمدة عشر سنوات ، فمن ناحية كان اهتمامه منصّباً على السياسة وإدارة الحكومة والدفاع عن كيان المجتمع الإسلامي ونشر الإسلام وفتح المجال أمام الآخرين لكي يتّجهوا صوب المدينة ويدخلوا الإسلام ويتعلّموا المعارف الإسلامية، ومن ناحية أخرى كان يعمل على تربية أفراد المجتمع.
وهذا هو الهدف من بعث الأنبياء؛ فكلّ من بُعث منهم (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ) أنجز هذه المهمّة العظمى في التربية والتعليم بما كانت تسمح به الإمكانيّات المتوفّرة في زمانهم، وكان على الدين الخاتم والنبيّ الخاتم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أن يضفي على هذا التحرّك الإلهيّ العملاق طابع الأبديّة، فليس هنالك من نبيّ يأتي بعده حتّى تحطّ البشريّة رحالها عند المحطّة الأخيرة من حياتها في هذا العالم -حيث يُفترض أن تتّسم حياة البشريّة على هذه الكرة الأرضيّة بالوئام والعدل والسلام، ويغمرها بخيرات هذا العالم -وتنتقل إلى العالم الآخر، فأنّى يتسنّى السير بالبشريّة نحة تلك المحطّة؟ يتحقّق ذلك عندما تتواصل عمليّة التربية إلى جانب التعليم المتواصل الذي تمارسه الحكومة والنظام السياسي الذي يشبه تربية الرسول الأكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) -وهو المعصوم- حيث يقود المجتمع البشري ويتولّى تربيته وتهذيبه من العوالق الذميمة كي تبلغ البشرية تلك المحطة التي تمثّل منطلقاً للحياة السعيدة التي تحلم بها الإنسانيّة، وذاك ما نعبّر نحن عنه بعهد صاحب العصر والزمان (أرواحنا فداه)
لقد سجل التاريخ عن سُكّان شبه الجزيرة العربية طائفة هائلة وكبيرة من الاوهام والخرافات ، الّتي كانت تملأ العقل العربي الجاهل آنذاك وتعشعش في نفوسهم وقد كانت هذه السلسلة الرهيبة من الأوهام هي السبب في تخلّف هذا الشعب عن بقية الشعوب والاُمم الأخرى ، ولقد كانت هذه الخرافات من أكبر السدود في طريق تقدم الدعوة الإسلامية ولهذا أجتهد النبيُّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بكل طاقاته في محو وازالة آثار الجاهلية الّتي لم تكن سوى تلك الأوهام والاساطير والخرافات ، فعندما وجَّه معاذ بن جبل إلى اليمن أوصاه بقوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): ( وامِتْ أمرَ الجاهِليَّة إلاّ ما سنَّهُ الإسلامُ وَأظهِرْ أمرَ الأسلام كلّه صغيرهُ وكبيرهُ )، تُحَفُ العُقولِ ، ص 25.
لقد وقف رسولُ اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أمام جماهير كبيرة من العرب الذين كانت عقولُهم ترزح تحت الافكار والمعتقدات الخرافية ردحاً طويلا من الزَمن يعلن عن نهاية عهد الأفكار والاوهام الجاهليَّة إذ قال : ( كُلُّ مأثرة فيْ الجاهِليَّة تحتَ قَدَميّ )، السِّيرة النبوية لإبنِ هِشام ، ج 3 ، ص 412.
تعليق