إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

احتِضَانُ الإِمَامَةِ فِي عُمرِ الطُّفُولَة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • احتِضَانُ الإِمَامَةِ فِي عُمرِ الطُّفُولَة


    تميّز العصر الذي عاشه الإمام محمد الجواد عليه السلام بأنه من أروع العصور الإسلامية على امتداد التاريخ؛

    وذلك لانتشار الحضارة في أغلب الأقاليم الإسلامية، حيث تطورت العلوم والمعارف، وانتشرت المكتبات،

    وازدهرت حركة الترجمة من اللّغتين الفارسية واليونانية إلى اللغة العربية، وأصبحت بغداد حاضنة للعلماء والمفكرين.


    فبرز الإمام محمد الجواد عليه السلام في معجزة التاريخ وهو يتولّى زعامة الطائفة الشيعية روحياً ودينياً وفكرياً

    عن عمر لا يتجاوز سبع سنين (عمر الطفولة)، وهذه الظاهرة الأولى التي حدثت في حياة الأئمة عليهم السلام ،

    وتمثلت بالإمام الجواد عليه السلام ، ولكنها لم تكن الأولى في العالم على مستوى حركة الأنبياء والرسل، فكان

    النبي عيسى عليه السلام خير دليل على ذلك، حيث أتاه الله الحكمة وهو في المهد، وفي الصبا ( وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا )/ (مريم:12)

    وقد أوضح الإمام الرضا عليه السلام ذلك عندما سأله أحدهم: يا سيّدي، إن كان كون فإلى مَن؟

    قال عليه السلام: "إلى أبي جعفر ابني" فكأن القائل استصغر سنّ الإمام محمد الجواد عليه السلام الملقب

    بأبي جعفر، فقال الإمام الرضا عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبياً، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر عليه السلام "
    (1)،

    وهذا دليل على أنّ مقام الإمامة منصب إلهي. وذاع صيت الإمام
    عليه السلام في جميع الأقاليم الإسلامية، وكان

    متضلعاً من علم الفلسفة والكلام فضلاً عن العلوم الأُخر، فكان خير مَن يدفع الشّبهات عن الإسلام، ويدرأ محاولة

    الأعداء تشويه مبدأ الدين؛ وذلك للانفتاح الكبير الذي حقّقه المسلمون على دول العالم الأُخر، فحاول المأمون

    العباسيّ المعروف بمكره أن يحدّ من شخصية الإمام الجواد
    عليه السلام؛ خوفاً على ملكه باعتبار الإمام عليه

    السلام
    أولى بالخلافة، وهو الامتداد الطبيعي للرسول صلى الله عليه واله؛ لذلك سعى إلى تزويج ابنته أم الفضل

    من الإمام
    عليه السلام لأسباب عديدة منها:
    • تبرئة ساحة المأمون من دم الإمام الرضا عليه السلام.


    • ليشيع المأمون في الأقاليم الإسلامية أنه محافظ على صلة الرحم مع العلويين، وبذلك يحدّ من سخط الشيعة.


    • وضع الإمام عليه السلام بحكم المصاهرة تحت أعين السلطة الحاكمة، ورصد جميع تحركاته.


    • محاولة المأمون توهين منصب الإمامة، وذلك باعتقاده السخيف بأنه قادر على جرّ الإمام إلى ميادين اللهو واللعب المنتشرة في قصور العباسيين.


    فصُعق المأمون بحقيقة الإمام عليه السلام وبأنه من أتقى الناس، وهو القريب من مجالس اللهو واللعب التي كانت

    تعبث في قصور بني العباس، ويذكر التاريخ أنّ المأمون قد حاول بكلّ الوسائل أن يغويه ولكنه فشل، فسمع بذلك

    الأمر رجل اسمه مخارق، وهو صاحب صوت وعود، وكان طويل اللحية، فدعاه المأمون، فقال: يا أمير

    المؤمنين، إن كان شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره فقعد بين يدي أبي جعفر
    عليه السلام فشهق مخارق شهقة

    اجتمع عليه أهل الدار، وجعل يضرب بعوده ويغنّي، فلما فعل ذلك ساعة وإذا أبو جعفر
    عليه السلام لا يلتفت

    يميناً ولا شمالاً، ثم رفع رأسه وقال: "اتقِ الله يا ذا العثنون
    (2)"(3) فسقط المضراب من يده والعود، فلم ينتفع

    بيديه إلى أن مات، فسأله المأمون عن حاله، قال: لمّا صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا أفيق منها أبداً، وكلما

    حاول المأمون إغواء الإمام إلى متع الدنيا فشل بذلك، فلقّبه أعداؤه قبل شيعته ومحبيه بالتقيّ، ولم يستطع أحدٌ من

    العباسيين وغيرهم من أعداء أهل البيت
    عليهم السلام أن يحطوا من منصب الإمامة، وعبارة الإمام المشهورة

    "
    الفرج بعد المأمون بثلاثين شهراً"(4) تدلّ على ما كان يعانيه عليه السلام من غَصص العيش، بحيث إنه يرى

    الموت هو الفرج من معاناته مع ناسٍ نسوا الله فأنساهم ذكره، السلام على المسموم في ريعان شبابه، المحروم من

    أبيه في الصغر والكبر، وعلى مَن بابه غيثٌ للسائل والمحتاج.

    ............................

    1. الإمام محمد الجواد سيرة وتاريخ: ص29.
    2. العثنون: طويل اللحية.
    3. الإمام محمد الجواد سيرة وتاريخ: ص49.
    4. موسوعة الإمام الجواد: ج1، ص293.


    وفاء حسن المسعودي

    تم نشره في المجلةالعدد86

يعمل...
X