إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

فن التعامل مع الآخر (11)

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • فن التعامل مع الآخر (11)

    فن التعامل مع الآخر (11)
    هل التوبة مدعاة لارتكاب المعاصيأم لإصلاح النفوس؟

    حسن الهاشمي

    قال رجل للنبي (ص): يا رسول الله إني أذنبت،فقال: استغفر الله، فقال: إني أتوب ثم أعود، فقال: كلما أذنبت استغفر الله، فقالإذن تكثر ذنوبي، فقال: عفو الله أكثر، فلا تزال تتوب حتى يكون الشيطان هو المدحور.(ارشاد القلوب للديلمي ج1 ص46).
    هذا الصراع بين الانسان وشهواته، هو الذي يحددمصيره إلى الحسنى والنجاة فيما إذا قرر التوبة والندامة على ما ارتكب من معاصيوآثام، أما اذا ما بقي في شراك النفس الأمارة بالسوء ووقع في مهاوي الشيطان إلىآخر حياته دون أن يتدارك نفسه بالتوبة والاستغفار كان مصيره الهلاك والخسرانالمبين.
    ومن الحديث السابق يتصور بعض الناس أن تشريع التوبةوالدعوة إليها إغراءً بارتكاب المعاصي، وتحريضاً على ترك الطاعة، ولكن هذا التوهم باطل،فإنه لو كان باب التوبة موصداً في وجه العصاة، واعتقد المجرم بأن العصيان لمرة واحدةيدخله في عذاب الله، فلا شك في أنه سيتمادى في اقتراف السيئات وارتكاب الذنوب، معتقداًبأنه لو غيّر حاله إلى الأحسن لما كان له تأثير في تغيير مصيره، فلأي وجه يترك لذاتالمحرمات فيما يأتي من أيام عمره؟ وهذا بخلاف ما لو اعتقد بأن الطريق مفتوح والمنافذمُشرعة، وأنه لو تاب توبة نصوحاً ينقذ نفسه من عذابه سبحانه، فهذا الاعتقاد يعطيه الأملبرحمة الله تعالى، ويترك العصيان في مستقبل أيامه، فكم وكم من الشباب عادوا إلى الصلاحبعد الفساد في ظل الاعتقاد بالتوبة، فإنهم لولا ذلك الاعتقاد لأمضوا لياليهم في المعاصيبدل الطاعات، فنرى مثلاً في التشريعات الجنائية الوضعية، قوانين للعفو عن السجناء المحكومينبالسجن المؤبد إذا ظهرت منهم الندامة والتوبة وتغيير السلوك، فتشريع هذا القانون سيكونموجباً لإصلاح السجناء، لا تقوية روح الطغيان فيهم، فالإنسان حيٌّ برجائه، ولو اكتنفهاليأس من عفو الله ورحمته لزاد في طغيانه ما بقي من عمره.
    فالتوبة هي الرجوع من الذنب بالقلب واللسان والجوارح،وترك المعاصي في الحال، والعزم على عدم المعاودة في المستقبل، وتدارك ما يمكن تداركه.
    والتوبة واجبة على الإنسان فوراً عقلاً وشرعاً،فالعقل يحكم بوجوب الاحتراز عن الذنوب التي تدخل العبد في المهالك، وتضيع عليه ثوابالآخرة، أما شرعاً فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِوَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُون﴾. (الشورى: 25). التوبة هيالرجوع عن الذنب الذي يقع فيه الإنسان جراء تسويفات الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء،بعد أن يدرك أنه بفعل هذا الذنب قد أبعد نفسه عن رضوان الله تعالى، وحتى لا يصاب عبادالله تعالى باليأس، ويلاحقوا بعذاب الضمير إلى يوم القيامة، فتح الله برحمته باب التوبةليعود من خلاله الإنسان إلى نعيم الرضوان الإلهي، بعد أن أخرج نفسه طوعا منه، وهناتتجلى الرحمة الإلهية لأهل الدنيا: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾.(الزمر: 53).
    كم هذه الآية فيها من اللطف الإلهي حيال عباده،وكم هي تفصح عن رحمة ورأفة الله تعالى بعباده، وكم تفتح من أبواب الأمل أمامالعباد المذنبين الذين أسرفوا في ذنوبهم وأثقلت تلك الذنوب كواهلهم، فجاءت الآية بلسمالجراحات ضمائرهم، وملائكة رحمة تخفف عنهم وطأ الذنوب والمعاصي وتفتح أمامهم أبوابالرحمة الإلهية التي تبقى مفتوحة أبدا تنادي بأصحاب الموبقات هل من نادم، وهل منتائب، وهل من راجع إلى فطرته وربه خاليا من تداعيات الذنوب ومخاطر الشرور؟! إنهاالرحمة الإلهية قلما تجد لها نظيرا في العالم، بل إنها محصورة بذاته المقدسة، لأنهأرأف بالعباد من الأم بأطفالها، وهو الذي سبقت رحمته غضبه، لا يزال يهتف بالعبد أنمجال التوبة مفتوح لك ما دمت على قيد الحياة، فاليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولاعمل، وعليه فإنه لا يقنط ولا ييأس من رحمة الله إلا القوم الظالمين.
    وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "التائبحبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له" وأما في وجوب التوبة على الفور فلاشك فيه، لأن ضرر الذنوب يجب دفعه على الفور فلا مجال للتسويف والتأخير، وعن أمير المؤمنين(عليهالسلام) في أحد كتبه إلى بعض أصحابه: "فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل غداً أوبعد غد، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف، حتى أتاهم أمر اللهبغتة وهم غافلون".
    وطالما أن سيوف الأجل مشرعة على الرقاب ولامناص ولا خلاص منها طال الأمد أم قصر، ليجعل كل واحد منا شعار "لا للتسويفنعم للتوبة المبكرة" نصب عينيه، وليعمل جاهدا لتدارك الأمر وتصليح ما خرب منبنيان قبل فوات الأوان، حقا أن من يؤخر التوبة فإنه مغرور لا محالة، وهذا الغرورسيرميه في متاهات الحيرة والضياع، فأنه وكما جاء في الحديث الشريف" اغتنمواالفرص فإنها تمر مر السحاب" لعل الفرصة التي تمر عليك اليوم لا تمر عليك غدا،فالعاقل الحصيف هو من يستغل فرص الخير بأكمل وجه ويسخرها في خدمته وخدمةالانسانية، ليقطف الجميع منها منابت النعمة والبركة الوارفة الظلال والموفورة الحالوالذليلة المنال، نعم أن طول التسويف هو من ايحاءات الشيطان الذي يلقي في اوساطأقرانه هذه الخصلة المدمرة معتبرا اياها نزهة ولكنها غصة وحيرة، توقع صاحبها فيالمهالك ولا طريق وقتئذ للرجوع إلى جادة الصواب وهو الهلاك بعينه، أما الذي يتداركالأمر ويقف عند ذنبه موقفا صارما بمجرد صدوره منه، فأنه قد لبى نداء ربه فيالإنابة والرجوع إليه كلما وقع في وعثاء طريق أو طمس في رمضاء سفر، ويكون حينئذكمن ولدته أمه لا ذنب يثقل كاهله ولا تبعات تنغص عليه ولا هم يحزنون، بل هم التائبونالمنعمون بنعمة ربهم وهم الوافدون على الجليل بدون زاد إلا من خصال رحمته وجليلكرمه وعفوه وصفحه عن المذنبين التائبين الأوابين.
    لقد دعانا الله إلى التوبة جميعا من ذنوبنا، ووعدنابأن يقبل توبتنا ـ مع تحقق شروطها ـ ووعدُ الله حق ولا يخلف الله ما وعد به عباده حيثقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.(النور: 31 ) وكذلك حثنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عليها كما روي عنه:"توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في كل يوم مئة مرة" (ميزان الحكمة، الحديث2131) وهذا تعليم من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لنا أن نكون في حالة التوبةإلى الله دائما وحتى لو لم نرتكب الذنوب، فإن الإنسان مهما علا شأنه يظلّ مقصرا أمامربّه عن أداء شكر النعم التي أنعم بها عليه، فليستغفرِ الله عن التقصير في أداء شكرهاراجيا منه العون والتوفيق.
    فرق بين من يعمل السوء بجهالة وبين من يعملالسوء بترصد وسبق اصرار، كما هو الفرق بين قتل الخطأ وقتل العمد، إذ أن الأول يمكنتداركه بالدية والاسترضاء والثاني لا يمكن تداركه إلا بالقصاص والانتقام من الجانيللإصلاح والقضاء على بؤر الفساد في المجتمع لا للتشفي والانتقام، لذلك عبر القرآنالكريم بالقصاص أنه الحياة بعينها ولولاه لما استقام نظام ولا عرف للقسط والعدلوالحق طعم ولا مذاق، وهكذا فإن الشهوات والنفس الأمارة بالسوء ووساوس الشيطان ربماتجر الإنسان إلى الخطيئة والذنب والهفوات، ولكنه سرعانما يتدارك نفسه وتتغلب جنبةالتقوى فيه على جنبة الفجور، فيرجح ومن خلال التوبة كفة التقوى والايمان نادما علىما بدر منه من خطايا وذنوب سواء كانت بينه وبين ربه أو انتهاكات بينه وبين العباد،فيقرر مادام هو في الدنيا من تصفية حساباته مع ربه بالعبادة والاستغفار ومع الناسبإيفائهم حقوقهم المادية والمعنوية، فمن حكمة الله تعالى وجزيل كرمه ولطفه بالعبادأنه يتقبل التوبة من هكذا تائب نادم راجع إلى ربه من قريب، وهذا بخلاف من أمضىحياته بالهتك والمعاصي والتطاول على حقوق الآخرين والتمادي على الحرمات والتراخيإزاء العبادات والمعتقدات، فإنه وبأعماله المشينة تلك لا يؤمن بوجود الله تعالىوحتى إذا كان مؤمنا فإن إيمانه لا يعدو لقلقة لسان ليس إلا، إذ أن مظهره المتهتكيدل على مخبره المتمرد، ولو كان لديه شيء من الإيمان لبان إلى الوجود، والحال أنهخال الوفاض من مقومات الهداية والتوبة والانكسار، ومثل هكذا انسان الذي جرد نفسهمن القيم والأخلاق كيف يرجو النجاة بأمور هو لا يعتقد بها أصلا إلا بعد أن تداهمهالمنية؟! وهذا اعتقاد مصلحة وليس اعتقاد ضمير، وهو مرفوض من سائر الناس فضلا عنالخالق المتعال الذي هو أقرب للنوايا وما تبطن النفوس من حبل الوريد بالنسبة إلى الإنسان؟!.
    والتوبة الحقيقية لا تقع من العبد عن الذنب بمجردالاستغفار ولقلقة اللسان، وإلا فكل الناس تلجأ إلى المعاصي ليل نهار ثم تقول عقب كلذنب أستغفر الله وأتوب إليه وتنتهي المسألة، وحينئذ تنعدم الفائدة من التشريع، ويصبحالإسلام نموذجاً فاشلاً عن تحقيق السعادة للإنسان، بل لا بد لقبول التوبة من شروط قداختصرها الحديث عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حينما سمع رجلا يقولأستغفر الله فقال له: "ثكلتك أمك أو هكذا الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليينوهو اسم واقع على ستة معان:
    أولها: الندم على ما مضى.
    والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً.
    والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقىالله سبحانه أملس ليس عليك تبعة.
    الرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤديحقها.
    الخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي تنبّت على السحتفتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
    السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوةالمعصية". (الكافي، ج2، ص431).
    المعاني الستة المذكورة آنفا تنبأ عن أن المذنبقد ندم فعلا عما اقترفه من منكرات ومعاصي حيال الله تعالى والنفس والعباد والبلاد،وكما هو واضح أن الإنسان يأتي في هذه الدنيا وصحيفته بيضاء ناصعة تتلألأ بالعقلالباطني وما يحمله من فكر وتعقل وحكمة وهي واقعة تحت فيوضات ومصابيح الدجى منأنوار الهداية في العقل الظاهري المتمثلة بالكتاب العزيز والرسول الأعظم والعترةالطاهرة، بيد أن الكثير منا يلوث هذه الصحيفة بقاذورات الذنوب حتى يصيرها شيئافشيئا سوداء كالحة، ولكي ترجع إلى بارئها لابد من غسلها وتطهيرها حتى تتسامى إلىسطوعها الأول، وهذه المعاني الست بمثابة الحمام الذي يجلي قلوب البشر الصائغةويجعلها بأداء حقوق الله تعالى وحقوق الناس وحقوق النفس سائغة لامعة.
    أليس الأجدر بالإنسان الحر الغيور أن يصفيحساباته بينه وبين نفسه وبينه وبين ربه وبينه وبين العباد في هذه الدنيا قبل أنتخرج روحه من جسده؟! أليس الأجدر بالإنسان العاقل الحكيم أن يجعل من الدنيا قنطرةللآخرة يعبر من خلالها بكل أمان وسلام واطمئنان؟! أليس الأجدى بالإنسان الناجح أنيأخذ من الدنيا بمقدار ما يعيش فيها ويأخذ من الآخرة بمقدار ما سيعيش فيها، وأن لاتلهيه الدنيا الفانية عن الآخرة الباقية؟! أليس الأفضل والأنجع أن يرتقي الإنسان سلمالمجد في الدنيا إلى جنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين؟! هذه الأسئلة وغيرهاتبحث عن إجابة دقيقة ولا يمكن العثور عليها إلا في دهاليز التوبة والرجوع إلىالخالق الحنان المنان، الذي بحنانه يحتضن التائبون وبمنه وفضله وكرمه يستقبلالهائمون، ومن يستقبل المذنبون غيره تعالى؟! ومن للعاصين غير رحمته ورأفته وفضلهوكرمه؟! قد يقول قائل إن هذه الشروط الستة التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام ثقيلةعلى الانسان لا يقدر على أدائها؟! والحال أنها تتقاطع مع ميوله وشهواته وربماتطلعاته الدنيوية المتشعبة المنال والنوال! وطالما توعز له النفس الأمارة بالسوءبالتسويف وتزرع في مخيلته آمال وآمال.
    ولكن الإرادة الصلبة التي بين جنبيه يمكن لهاأن تقطع دابر التسويفات والأخذ بمبادرة العمل الجاد قبل فوات الأوان، وهذا القرارلا يمكن لأي أحد أن يأخذه إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان فوجده عند الشدائدصابرا وعند المحن والبلاءات محتسبا وعند الملمات حاضرا، وقليل هم أولئك النفر منالناس الذين يكون عندهم تلك الجرأة والصراحة بالاعتراف بالذنب واستيفاء الحقوق الماديةوالمعنوية التي في ذمته حيال الله تعالى وسائر الناس، وهذه الوقفة مهما تكتنفها منصعوبات بيد أنها أهون عليه من أهوال وتبعات الذنوب في الآخرة، وطالما غفل معظمالناس عن هذه الحقيقة أن الدنيا وما يلفها من صعوبات ومتاعب لا شيء أمام أهوال يومالقيامة! وهذا ما أشار إليه الإمام الكاظم عليه السلام عندما وقف على قبر وقال:"إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن شيئا هذا أوله لحقيق أن يخافمن آخره". (معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص343).

    والتوبة الرجوع الى الدوحة المباركة دوحةالطهارة والبركة والرحمة والمغفرة والرضوان الإلهي، يا لها من دوحة خضرة نضرةباصرة ناضرة، تصرخ فينا هل من مدلف إلى روابيها العطرة ومروجها العابقة ودهاليزهاالمزهوة أريجا وعطرا ونسيما عليلا، تسكن إليه النفس المثخنة بالجراح، جراح الماضيالأسيف الذي لف الإنسان على حين غفلة من أمره، ولكنها الرحمة الإلهية هي دومابانتظار النادم المسكين الذي يجد فيها للأمل معنى خاصا وللإنابة طعما فريدا يرفلفيها مسرورا جذلا، تغمره رحمة لا يزال يتفيأ بنسائمها ويتضوع بأريجها ما دام هو فيفلكها يسبح وفي أمصارها يدور وفي أرجائها يتجدد ويتمدد ويسود.
    كيف لا وهو قد شد الرحال إلى بارئه ومصورهوخالقه، شد الرحال إلى من هو ألطف به من نفسه عليه، إنها فعلا رحلة جديرةبالاقتفاء، لأنها رحلة العمر البهية تمر مر السحاب، فعلى العاقل اقتناصها وإلا فإنالندم سيلفه لفا ولا يستطيع الخروج من شراكها، ووقتئذ لا ينفع معها ندم نادم ولانصيحة ناصح ولا شماتة شامت، وبعد أن يحقق الإنسان التوبة بشروطها الآنفة الذكر، فإنالله تعالى سيقبلها منه وتترتب على ذلك الآثار التالية:
    1- تطهير القلب.
    2- نزول الرحمة الإلهية.
    3- ستر الله على التائب.
    4- تبديل السيئات حسنات.
    5- محبة الله.
    6ـ غفران الذنوب.
    7ـ نزول الرحمة على التائب.
    8ـ طهارة القلب.
    مرة قال طبيب لمريض كلمة رائعة, قال له: معك مشكلةفي القلب، إن تلافيتها فهي صغيرة، وإن أهملتها فهي كبيرة، كلام جميل، والذنب أحياناً:إن أردت أن تتوب منه, فالقضية سهلة جداً، وإن أهملته, فهذا الذنب قد ينقلب إلى عادة،ومن أصعب الأشياء: أن يتخلى الإنسان عن عاداته، أنت تتدرج فتبدأ بخاطرة، بفكرة، بهمٍّ،بإرادة، بفعل، بعادة، هذا الذي قاله الله عز وجل: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْقُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. (الحديد: 16).
    من هنا: أدق معنى نحتاجه في هذا الدرس قوله تعالى:﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. (النساء: 17). لا تجعل مسافة طويلة بين ارتكاب الذنب -لا سمح الله- وبين التوبة منه، هذه المسافةالطويلة تجعلك تألف الذنب، وهذه المسافة الطويلة تجعلك تظن أنه ليس بذنب، لأنك ألفته.
    تراكم الذنوب يؤدي لا محالة إلى قسوة القلوبوهو بدوره يجر إلى ساحات الظلم والبغي والعدوان والفسق والفجور والعصيان، وهذا هوحال الظلمة والطواغيت والجبابرة، فإنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الظلم والبغيوالتعدي إنما بارتكاب الذنب واستسهاله والتطبع عليه وزادهم في ذلك خوف الناس عادةمن الوقوف أمام الظالمين لتبيين مثالبهم وتزييف شرورهم وتعرية ما يقومون به منباطل، ولهذا السبب جاء في الحديث الشريف عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله):"أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" فالجهاد على أنواع منه: مقاتلةالأعداء في ساحات الوغى، طلب العلم والمعرفة، الكد على الأهل والعيال، الأمربالمعروف والنهي عن المنكر، الإتقان في العمل والاخلاص فيه، وكل ما يبذل فيه جهدوتعب ونصب في سبيل الحق والعدل، فهو جهاد في سبيل الله.
    ولكن حسبما جاء في الحديث الشريف أعظم الجهادهو قول كلمة كلا أمام الحاكم الظالم، كلا للظلم والاستبداد، كلا للقهر والكبت وسلبالحريات، كلا لنهب ثروات البلاد، كلا لانتشار الفسق والفجور والموبقات، كلالمحاربة الدين وأهل الدين، لماذا هذه المواقف تعدو من أعظم أنواع الجهاد، لأنهاتعرّض صاحبها إلى المخاطر وربما تودي به إلى السجن والتعذيب والموت صابرا محتسباإلى الله تعالى من ظلم الظالمين وجور الفاسقين، وإنما حصل هذا المؤمن المعارضللظالم على هذا الوسام العظيم، لأنه لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يخشى من أجهزةالنظام القمعية، ولا يهاب من بطش وترهيب، ولا يطمع في إطراء وترغيب، بل إنه قد وضعالله تعالى نصب عينيه وتوكل عليه، وهو كله ثقة بأنه لو كبر الخالق في عينه لصغر مادونه أمامه، فإيمانه يجره إلى تلك المواقف النبيلة والشجاعة، فيقوم بواجبه منالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام.
    وإذا ما حذي الآخرين حذوه من خطباء وعلماءوصحافة وفضائيات وانترنيت وصحف ومجلات لألّبوا الرأي العام ضد الطغاة، ما يؤدي إلىردعهم عن ارتكاب الذنوب والمعاصي والشرور والانتهاكات، وهي رسالة إلى الحكام بأنهمإذا ما حادوا عن طريق الهدى والصواب كان المؤمنون لهم بالمرصاد، فيحجموا عن الظلموالعدوان خوفا من تأليب الرأي العام ضدهم، ومن هنا جاء أهمية ما يقوم به المؤمنالمجاهد من الوقوف بوجه الظالم وردعه عن الظلم، وقد يكون سببا في توبته وإنابتهوهدايته إلى الله تعالى، إذا ما قورن بالمؤمن المنكفئ على نفسه وهو يتعبد فيصومعته، فإنه قد يكون سببا في تمادي الطغاة بطغيانهم وما يجره على الشعوب من محنوويلات ومظالم ومآثم، إذن فالجهاد بوجه الطغاة تبعاته حلوة وإن كانت مقدماتهقاسية، والتقاعس حيالهم تبعاته مرة وإن كانت مقدماته مريحة، وشتان ما بين الموقفين؟!.
    إن الله تعالى يمتحن كل عبد من عباده حينماتهجم عليه الذنوب والشهوات والرغبات، ولكن تبقى في داخل الانسان طاقات أقوى وأعظممن طاقات الشمس والذرة أو أية قوة كونية أخرى، يعني الانسان قادر على أن يقف بالضدمن شهواته ونزواته وشيطانه إذا ما عزم وصمم على ذلك وباستطاعته أن ينتصر عليها فينهاية المطاف.
    والحقيقة التي لا مناص منها إن إبليس ليس لهسلطان قهري على الانسان، وعمله يكمن فقط في تزيين الذنوب والمعاصي، والانسان عندهطاقة الارادة، وإذا ما اراد فعل شيء فالبشرية اذا اجتمعت كلها ليست بقادرة على أنتثنيه عن ذلك العمل، وهذا الكلام يجري في الطاعة والمعصية على حد سواء.
    بابان مفتوحان، باب الحق وباب الباطل، ومهماكانت المغريات فإن المعصية غير قادرة على أن تهزم ارادة الانسان المصمم على فعلالخير، كما الانسان يقف ازاء شهوات الاكل والشرب والجنس في نهار رمضان بمحض ارادته،استجابة لأمر الله تعالى، فإنه قادر أيضا على أن يكبح جماح وشرور نفسه في بقيةأيام السنة، لماذا الامتناع عن المباحات في نهار رمضان؟ لأن الانسان قرر ذلك، ونحندائما عندنا مشكلة في القرار، فإذا قرر الانسان، لا ابليس ولا الشهوات قادرة علىأن تفرض عليه خلاف ما قرر، وأما ابليس فإنه يغوي الانسان المتردد في اتخاذ القرار،أعمل العمل الفلاني أم لا؟ أما اذا كان حازما منذ البداية على عدم الارتكاب، فإنهيوصد الباب أمام ابليس وغيره، لأن القوة التي اودعها الله تعالى داخل الانسانباستطاعتها التغلب على كل المؤثرات الخارجية، وفي الحديث الشريف: "المؤمنأقوى من الجبل، لأن الجبل يستقل منه والمؤمن لا يستقل من ايمانه شيء" فالتوبةهي نفسها تلك الارادة الصلدة والصلبة التي تخرج من اعماق الغافل الذي وقع في حبائلالشيطان في حين غفلة من أمره، وتقول بمليء فيها كلا للسفاسف نعم للكمالات.
    وفي هذا المضمار يقول الفاضل النراقي في معراجالسعادة: إن امرأة غير ملتزمة تمر مع مجموعة من امائها من بيت في زقاق يعلو منهبكاء ونحيب، تتعجب من هذا الأمر، فترسل واحدة من امائها لتحري الخبر ولكنها تبقىفي ذلك البيت، وبعد استبطائها ترسل أمة ثانية لتقفي الخبر فإنها فعلت ما فعلتالأولى، وعندما ارسلت الثالثة أوصتها بالرجوع بسرعة واخبارها عما يحدث في البيت،الثالثة تذهب وتأتي اليها قائلة: سيدتي هذا المكان ليس مأتما للأموات وإنما مأتمالذوي الصحائف السود! ما حدى بتلك المرأة الدخول في البيت بنفسها واذا بها ترىالخطيب وهو على المنبر يقرأ قوله تعالى: (إِذَارَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا). (الفرقان/12)تتأثر من كلمات الخطيب وعندما ينزل من على المنبر تلتفت اليه قائلة: انني واحدة منأصحاب الصحائف السود فهل لي من توبة؟! قال لها الشيخ نعم يتوب الله عليك وإن كانتذنوبك مثل ذنوب "شعوانه"! وهي معروفة في ذلك البلد بارتكابها جميع أنواعالمعاصي والفجور، فتقول له يا شيخ أنا "شعوانة"! هل لي من توبة؟! يقوللها الشيخ نعم إذا تبت وعملت بشرائط التوبة يتوب الله تعالى عليك، فتقرر التوبةعلى يد الشيخ، يقول الشيخ النراقي: إنها تحولت من امرأة فاسقة إلى ولية من أولياءالله.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X