ليس للصدفة موقع في قاموس حياتي فكل شيء يحدث بقدر وحكمة. قبل عشرة أعوام عزمت أن أذهب بمفردي هكذا أفضل الطريق آمن وإن احتجت أحداً فالكثير من الناس سيساعدونني.
طلبت من أختي أن تضع كل ما احتاجه في حقيبتي.
_ هل هذا كل شيء؟
_ لقد جهزت كل ما أوصيتني به.
_ حسناً بقي أمر مهم.
_ ما هو؟
_ أريد الصحيفة السجادية.
_ لكن ما حاجتك بها..
_ أرجوكِ هاتها.
"اللهم يا من خص محمداً وآله بالكرامة، وحباهم بالرسالة، وخصهم بالوسيلة، وجعلهم ورثة الأنبياء، وختم بهم الأوصياء والأئمة وعلمهم علم ما كان وعلم ما بقي وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم فصل على محمد وآله الطاهرين، وافعل بنا ما أنت أهله في الدين والدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير"
_ هل حفظته الآن؟
_ أعيديه مرة أخرى كي لا أنساه.
خرجت من البيت وأنا أحمل معي عمرا أثقلته الأيام بالحسرة والحرمان من نعمة النظر، أفسح الطريق بعصا رافقتني منذ كنت في السادسة من عمري، لقد ألتهم الحزن طفولتي وصرت أتخيل كل ما أسمعه وأحاول أن أحفظ في ذهني الصور التي رأيتها سابقا، وجه أمي وأبي، أختي الوحيدة، وملامحي، الأماكن التي زرتها سابقاً، الحيوانات التي شاهدتها من قبل وكل شيء أخاف من الظلام ومن الضوء أيضاً، لأن آخر ما رأيته قبل فقدان بصري هو ضوء ساطع قوي، كان يخترق أحلامي بأكملها، دمر كل شيء وانطفأ. أن يكون المرء على هذه الشاكلة من الحزن مهما كان عرقه فلابد أن يكون أعظم ما خلق الله.
ما يؤلمني حقا أن لي أخاً لم أره قط، ألتمس وجهه لعلي أكون في مخيلتي صورة له، مثل أي أعمى يقف أمام المرآة ليرى لكن دون جدوى.
شعرت وأنا أقطع طريق المشاة كأنني أشاهد كل ما أمر به، لم أتضايق من زحمة المكان ولم أخشى التعثر، حركة الهواء تجذبني ليس نحو الأمام فقط، بل صرت أفهم كيف يحلق الطائر في السماء.
هنا فقط لا أحتاج إلى من يقودني، كانت الرؤية واضحة للأصوات، تذكرت كيف كنت أركض في طفولتي مع القمر الذي أشاهده يركض معي بالاتجاه الذي أريده.
أتوقف ويتوقف معي كنا منسجمين جداً، يفكر كما أفكر ويغيب كما أغيب أنا عن أفراد عائلتي بالرغم من أني معهم.
أحمل رايتي على كتفي، أصوات الزائرين تجعلني أمضي أكثر، لا أستطيع أن أصف طعم تلك الأيام وأنا أمضي نحو الحسين، كانت نحو السماء، نحو عوالم لم أعرفها من قبل.
الحب أن تولد وتموت في آن واحد ثم تقطع مسافات لا تعرفها حتى تصير رماداً كتعبير عن الشوق.
بقيت ساعة واحدة فقط وندخل أرض كربلاء، توفقت برهة، فتحت حقيبتي لأخرج الصحيفة السجادية، وضعتها على صدري وأغمضت عيني ورحت أردد الدعاء الذي حفظته مع أختي، شعرت ببرودة الهواء، تداخلت الأصوات كلها إلى مسامعي حتى كأنني سمعت بكائي وأنا طفل رضيع، صرخة أبي عندما أخبره الطبيب أن ابنك فقد بصره، للمرة الأولى تكونت صورة أخي في ذهني، سقطت العصا من يدي، تذكرت عندما سقطت على وجهي لأني كرهت أن أقاد وأنا أمشي، صرت أبكي وقتها بصوت عال فأخذتني أمي إلى حجرها وهي تحاول أن تهون علي الموقف وتقول "سوف يرجع إليك بصرك يا ولدي صدقني"
أمسكني أحدهم من كتفي حمل عني الراية وأخذ يسرع في خطواته، فتحت عيني فشاهدت هالة من النور، ثم شيئاً فشيئاً اتضحت الرؤية لقد كان أول ما شاهدته ذلك الطفل الذي يعترض طريق الزائزين ليدعوهم للراحة، كان يشبهني كثيراً حتى تلك العينين المغمضتين توجه نحوي والفرحة تعتلي ملامحه وهو يقول أنا مثلك "احنه غير حسين ما عدنا وسيلة"