إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الظواهرُ الاجتماعيّةُ في وقتِ الإمامِ زين العابدين - الأسبابُ والمُعالجاتُ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الظواهرُ الاجتماعيّةُ في وقتِ الإمامِ زين العابدين - الأسبابُ والمُعالجاتُ

    الظواهرُ الاجتماعيّةُ في وقتِ الإمامِ زين العابدين - الأسبابُ والمُعالجاتُ
    __________________________________


    لَقَد بيَّنَ الشَيخُ عبدُ المَهدي الكربلائي , خَطيبُ وإمامُ الجُمعةِ في الحَرمِ الحُسَيني الشَريفِ في الخُطبةِ الأولى , يومَ ,الجُمعةِ,

    الثالثِ والعشرين من مُحرّمِ الحَرامِ , 1437 هجري , الموافق , ل , السادسِ من تشرين الثاني ,2015م

    وبمناسبةِ قُربِ ذكرى شهادةِ الإمامِ عليِّ بن الحُسَين – زينِ العابدين – عليه السلام – في 25 – مُحرّمِ الحَرامِ - سنة 95 هجرية على روايةٍ .

    الظواهرَ الاجتماعيّةَ في وقتِ الإمامِ – عليه السلام – بعدَ حادثةِ الطفِ الفجيعةِ , وأسبابها ومُعالجاتها , والتي لعلَّ الكثيرَ منها مَوجودٌ في مُجتمعنا

    وفي أنفسنا , ونحنُ بأمسِّ الحاجةِ إلى الأخذِّ مما تركَ لنا الإمامُ عليُّ بن الحُسَين – عليه السلام – مَنهجَاً ربانيّاً مُتكاملاً , وليس هو مُجرّدَ استذكارٍ تاريخي نستحضره فحسب , بل هو ربطٌ للحاضر بالماضي رَبطاً وثيقاً وصَالحاً .

    ومِنْ أبرزُ هذه الظواهر النفسيّة والاجتماعية التي كانتْ سائدةً آنذاك ويُوجدُ ما يُماثلها في وقتنا, في مجتمعنا وأنفسنا .

    هي :

    1 – شدّةُ الاعتناءِ والاهتمامِ مِن الإنسانِ بالأمورِ الماديّةِ واعتبارها هي الأساسَ في تحقيقِ السعادةِ والرفاهيّةِ في المجتمعِ .

    2 – التطلّعُ إلى الأمور الماديةِ والانشغالُ بها عَمليّا وبذلُ الوقتِ والطاقاتِ مِن أجلها على حسابِ الأمور المعنوية .

    3 – غيابُ مَعاييرَ التقييم والتقديرِ للإنسانِ والمجتمعِ والبناءِ على الأسسِ الماديةِ المَحضةِ , بمعنى كلّما كانَ الإنسانُ أكثرَ مالاً وقدرةً كان أكثرَ قدراً وتنزيلا.

    4 – ظهورُ حالاتِ الإسرافِ والتبذيرِ والترفِ والبذخِ والتي تؤدي إلى انهيارِ منظومةِ المُجتمعِ أخلاقيّاً وتربويا .


    وهذه كعيّناتٍ مِن مُجمل ما عَرضَ للإنسانِ والمُجتمعِ آنذاك في عَصرِ الإمامِ زينِ العابدين -عليه السلام – عَصرٍ, تسنّمَ فيه بنو أميّة على رقابِ وثروةِ المُسلمين بالظلمِ والطغيانِ .


    ومن أهم أسبابِ حدوثِ مثل هكذا ظواهر:


    1 - هو تعلّقُ الإنسانِ بالدنيا تعلقاً مادياً وانفتاحه على ثقافاتٍ وقيّمٍ تعتني بالأمورِ الماديةِ أكثرَ مِن غيرها .

    وكذا يوجدُ ما يُشابهُ هذه الظواهر في وقتنا من خلالِ ظهورِ وسائلِ الاتصالِ الحديثةِ والسريعةِ والتي من خلالها ينفتحُ الإنسانُ على قيمِ وثقافاتِ غيره مِن الناسِ والدولِ .

    مما يتأثرُ بها لامحالةَ بنسبةٍ ما إيجاباً أو سلبا .

    2 – وجودُ مُجتمعاتٍ تعتبرُ التحصيلَ المادي هو الأساسَ لتقدّمِ المُجتمعِ وتحقيقِ سعادته دون التوجه إلى القيمِ الروحيّة والحياتيةِ الأخرى.

    3 – الابتعادُ عن اللهِ تعالى وعدمُ الاهتمامِ بالأبعادِ العباديةِ والمعرفيّةِ والروحيّةِ والعقيديةِ والفكريةِ والتي يمكنُ من خلالها تحصيلُ المناهجِ السليمةِ .

    4- عدم الشعور النفسي بأهميّةِ الجوانبِ التربويةِ والأخلاقيةِ في حَراكِ أغلبِ الناسِ مما يؤدي بهم إلى التعاطي مع الأمورِ الماديةِ فحسب .


    ومِن أهَمِ المُعالجاتِ لتلكَ الظواهرِ والتي تبناها الإمامُ المعصومُ عليُّ بن الحُسَين – زينُ العابدين – عليه السلام –

    1 – أنْ نشعرَ ونُقدِّرَ أهميّةَ الجوانبِ الروحيّةِ والثقافيةِ والمعرفيةِ والموازنةَ مع الجوانبِ الماديةِ .

    2 – ممارسةُ المُعالجةِ العمليّةِ المُنتِجةِ والصالحةِ كما صنعَ الإمامُ – عليه السلام - من خلالِ تبنيه الدعاءَ المُفعمَ بالجواهرِ والقيّمِ الحقّةِ والحلولِ والوظائفِ والثقافاتِ والعقائدِ والأخلاقِ بصورةٍ هادفةٍ ومرتبةٍ .

    كما في الصحيفةِ السجّاديةِ القيّمةِ والتي تُمثّلُ خزائنَ علِمِ ومعرفةِ وأخلاقِ المعصومِ واقعاً , ولو اُستثمرتْ , فعلاً , لكان حالنا في أفضلِ مما نحن عليه , ولكنّا غفلنا عنها كثيراً .


    3 – تبيّينُ الإمامِ المعصومِ - زينِ العابدين - عليه السلام – لمُنتّظمِ القيّم والحقوق في رسالةِ الحقوقِ, هو سنخُ مُعالجةٍ حقيقيةٍ لكلِّ الظواهرِ السلبيةِ آنذاك والتي تحصلُ في وقتنا من خلالِ خَرمِ وهَتكِ القيّمِ والحقوقِ .

    و لابدَّ مِن التوجه إلى دراستها والتأملِ فيها تنظيراً وتطبيقاً ,

    والصحيفةُ السجاديّةُ كما مرّ ذكرها ليستْ هي مُجردَ دعاءٍ فحسب ,

    وإنْ كانَ الدعاءُ , هو إقرارٌ من الإنسانِ بربوبية اللهِ تعالى وقدرته وقضائه ولطفه.

    والدعاءُ واقعاً هو إقرارُ نفسي وبُنيوي من الإنسانِ بفَقْرهِ وحاجتهِ إلى خالقهِ ومُدبّره وهو اللهُ تعالى , وهو مَظهرٌ من مَظاهرَ العبوديةِ للهِ تعالى .


    (( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ))(77) الفرقان .

    4 – إنّ الاهتمامَ بالأمورِ المعنويةِ والروحيّةِ والعباديةِ تمنحُ الإنسانَ المَعني بها القدرةَ على مواجهةِ التحدياتِ والأزماتِ , ومِن خلالها يُربي نفسه ومجتمعه .

    فلو تابعنا حَراكِ الإمامِ زينِ العابدين - عليه السلام - في معالجاته لتلك الظواهرِ من خلال الدعاءِ المُستبطِنِ لكنوزِ الأخلاقِ ومَرضي الأعمالِ وخاصةً في دعائه في مَكارمِ الأخلاقِ القيّم والثري مَعرفةً ومَنهجاً وسلوكا في الصحيفة السجادية .

    وكان - عليه السلام - يبتدأ الدعاءَ بالصلاةِ على محمدٍ وآلِ محمد , لمزيدِ خصوصيّةٍ ولِما وقعَ عليهم مِن ظلمٍ مِن قِبَلِ الأعداءِ في واقعةِ الطفِ الأليمةِ .

    والتي لم يٌراعى فيها حقهم العظيم وحُرمَتهم الكبيرة والتي حفظها اللهُ تعالى لهم قدراً وتشريعاً .

    ( اللّهُمَّ صلِّ على مُحمدٍ وآله ,وبلّغ بإيماني أكملَ الإيمانِ , واجعل يقيني أفضلَ اليقينِ , وانتهِ بنيتي إلى أحسنِ النياتِ ,وبعملي إلى أحسنِ الأعمالِ ,

    اللّهُمَّ وَفِّرْ بلطفكَ نيتي ,واستصلحْ بقدرتكَ ما فَسَدَ مني , اللّهُمَّ صلِّ على مُحمدٍ وآله , واكفني ما يشغلني الاهتمامَ بكَ ,واستعملني بما تسألني غداً عنه ,واستفرغْ أيامي فيما خلقتني له , وأغنني وأوسعْ عليّ في رزقكَ ,

    و لا تفتّني بالنظَرِ , و أعزّني ولا تبتلني بالكِبَرِ , وعبّدْني لكَ , ولا تُفسِدْ عبادتي بالعُجُبٍ , وأجرِ للناسِ على يديَّ الخيرَ , ولا تُمحقه بالمَنِّ , وهَبْ لي مَعاليَ الأخلاقِ واعصمني من الفخرِ , ........إلخ )


    فما مِن ظاهرةِ سيئة كانتْ إلاّ وكانَ لها علاجها , حيثما طبقه الإنسانُ المُسلّمُ فعلاً .

    لذا كان الإمامُ زينُ العابدين لم يقتصر في معالجاته على أنْ يبثها في الدعاءِ فحسب , بل كانَ يُطبقها بنفسهِ وأمامَ أصحابه وعامة الناسِ , كي يحوّلها سلوكاً ومنهاجا .


    وفي صفة العفو عَمَّنْ يتجاوزُ حتى مع الأعداءِ نجدُ الإمامَ – عليه السلام – يُجِسدُ ذلك عَملياً .

    وقد وردَ هذا المعنى القيّم في رواية مُعتبرةٍ عن الإمام محمد الباقر –عليه السلام -

    ( الراوي , حدثني مُحمد بن جعفر – الباقر – عليه السلام - وغيره قالوا : وقفَ على عليِّ بن الحُسَين - عليهما السلام - , رجلٌ من أهل بيته فأسمعه وشتمه ،

    فلم يكلمه ، فلما انصرفَ ,
    قال – عليه السلام - لجلسائهِ : قد سمعتم ما قالَ هذا الرجلُ ، وأنا أحبُّ أنْ تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا ردِّي عليه ,

    قال : فقالوا له : نفعلُ ، ولقد كنا نحبُّ أنْ تقولَ له ونقولُ ، قال : فأخذَ نعليه ومشى وهو يقول : ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) (134) , آل عمران .

    فعلمنا أنه لا يقولُ له شيئاً ، قال : فخرجَ حتى أتى منزلَ الرجلِ فصرخَ به , فقال : قولوا له : هذا عليُّ بن الحُسَين

    قال : فخرجَ إلينا متوثباً للشرِ ، وهو لا يشكُ أنه إنّما جاءَه مُكافئاً له على بعضِ ما كان منه ، فقال له عليُّ بن الحُسَين - عليهما السلام -:

    يا أخي إنّكَ كُنتَ قد وقفتَ عليَّ آنفا فقلتَ وقلتُ ، فإنْ كنتَ قُلتَ ما في فأستغفرُ اللهَ منه ، وإنْ كنتَ قُلتَ ما ليس فيَّ فغفرَ اللهُ لكَ

    قال : فقبَّلَ الرجلُ ما بين عينيه وقال : بل قُلتُ فيكَ ما ليس فيكَ , وأنا أحقُّ به )

    : الإرشادُ , المُفيدُ , ج2, ص146.


    والإمامُ هنا لم يُقابل الإساءةَ بالإساءةِ , ولم يُقابلها بالسكوتِ , ولم يُقابلها بالسكوتِ والعفوِ , بل قابلها بالإحسانِ إلى المُسيءِ والعفو عنه,

    وذلك هو خيرٌ الدنيا والآخرةِ .

    وعلى أساسِ ما تقدّم ينبغي بنا أنْ نطّلعَ على الصحيفةِ السجادية اطّلاعاً فاعلاً في منهج العبادةِ والسلوك في هذه الحياة الدنيا , ولا أقلّ مِن أنْ ننهَلَ منها معرفةً وثقافةً ومنهاجاً وعلاجاً .

    وكذا رسالة الحقوقِ القيّمة والتي تُنظّمُ علاقة الإنسانِ مع نفسه , ومع ربه ومع أهله ومع مجتمعه ومع مُعلّمه ومُرشده ومع كلِّ شيءٍ يتعاطى معه حياتيا .

    ولنتجنّبَ الغفلةَ عن تلكَ الكنوزِ العظيمةِ كنوزِ المعرفةِ والعلمِ والعبادةِ والحلّ والسلوكِ والثقافةِ الحقّةِ , وأنْ نهتمَ بها كثيرا .



    __________________________________________________


    تدوينُ - مرتضى علي الحلِّي - النجفُ الأشرفُ -

    __________________________________________________

    - وقعَ هذا التدوينُ فَحوىً و بتصرفٍ واجتزاءٍ مني مع حفظِ المضمونِ -

    __________________________________________________
يعمل...
X