إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الحاكمية والعدل الإلهية / من خلال القصة في سورة الكهف

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الحاكمية والعدل الإلهية / من خلال القصة في سورة الكهف

    الحاكميّة والعدل الإلهي
    (بحثٌ قرآني حول دور العبد الصالح في سورة الكهف)

    سعد عطية الساعدي


    نشر في مجلة الاصلاح الحسيني / العتبة الحسينية / العدد الثالث عام 2013 النجف الاشرف
    المقدمة
    كثيراً ما يقع الخلط عند بعض الناس في مسألة الحاكميّة والعدل الإلهي، على الرغم ممّا في القضية من وضوحٍ كبير وأهمية فذائقة على المستوى العقدي، والذي يلقي بظلاله على السيرة العملية لحياة الانسان، ولكن مع ذلك قد نلتمس عذراً لهؤلاء الناس؛ بقدر ما ندرك من أنَّهم لا طاقة لهم على استيعاب ما هو أعظم من إدراك المخلوق، إلاّ ما جعل الله سبحانه إلى ذلك سبيلاً.
    ومسألتنا من قبيل المسائل المستصعبة؛ إذ تتميز هذه المسألة بأنها ليست مسألة امتدادية كيفيّة، تُباح فيها آراء وابتداعات المخلوق القاصر، أو فيها من الفراغ والهشاشة والعياذ بالله، ما يُجوّز للمخلوق أنْ يوسّع تلك أو يضيّق هذه، فيُحدث - دون أنْ يعلم- مخالفة عظمى فيما لا يجوز له، فيظمّنُ فكرهُ القاصر الظلم والشبهة والظلال في تلك المساحة التي مُلئتْ بالعلم الرباني المطلق، والحكمة، والهيمنة، والرقابة، واللطف، والعفو، والرحمة.
    وما دام الخالق سبحانه أعلم بالمخلوق من نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، فلم يجعل المواعظ والبيانات القرآنية غامضة، بل غُطّيت بعظيم الدلالات، التي سنتطرق إليها من خلال إحدى المسائل القرآنيّة بحسب حاجة السياق الموضوعي البحثي لها، وفي ضمن المبحثين التاليين:
    المبحث الأول: الحاكميّة المطلقة
    من فيض اللطف والرحمة، والهداية المحكمة، واتر الله تبارك وتعالى الرسالات والرسل؛ لأجل التبليغ وإقامة الحجج؛ حتى شملت كل الأُمم والأقوام، فكانت مساحة التبليغ لا فراغ فيها، بل بُيّنت مقاصد الرسالات، وكلُ ما يخص سعي المخلوق، والحساب والثواب بالحق والعدل، فأصبح الإنسان على اختلاف أجياله وعصوره، على علم ودراية؛ ما أوجب عليه إقرار العبودية لله وحده مع الإقرار بوحدانيّته إيماناً، وبحاكميّته للخلق من دون ظلم أو افتقار للعزة أو حاجة إلى الأدوات والكيفيات والأعوان.. ودون تسلّطٍ قاس - حاشا لله- فهي قاهرةٌ غير مقهورة، ومهيمنة غير ضعيفة، ومتمكّنة غير عاجزة عن كثرة وتنوّع الخلق، أو معرفة نواياهم أو الإحاطة بهم في السر والعلن، أو سدّ حاجات العباد، أو صدق الوفاء بعهود الخالق لهم إحساناً بهم، من دون وجود شرط لهم عليه سبحانه، كل ذلك بالعالميّة المطلقة، والرحمة الواسعة، والتدبير والتقدير المطلق.
    ونقول: قد ترابط الحكم بالعدل أكمل الترابط والتلاؤم، ولو طغت الحاكميّة على العدل، لأَفرغت العباد من خيار السعي، ولأَصبحوا مسيّرين في كل شيء، غير مخيّرين بحدود ما جعل الله سبحانه لهم من الخيرة، وبقدر إدراكهم واستطاعتهم، كما يقول المجبّرة.
    ومحور هذا البحث (الحاكميّة والعدل الإلهي) وهو قضيّة قرآنيّة في غاية الأهميّة، سنبحثها في هذا الموضوع:
    الأَدّلة القرآنيّة
    هناك أدلّة قرآنية كثيرة تناولت موضوع الحاكمية والعدل وسبل التوفيق بينهما، ولكننا سنقتصر على بعض الشواهد القرآنيّة الآتية:
    1- قوله تعالى: {لو أردنا أنْ نتَّخذَ لهواً لاتخَّذناهُ منْ لدُنّا إنْ كُنَّا فعلينَ}( ).
    2- قوله تعالى: {أفحسبتمْ أنَّما خلقناكمْ عبثاً وأنَّكم إلينا لا تُرجَعُونَ}( ).
    3- قوله تعالى: {وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَاب ٌيَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}( ).
    إنَّ ظاهر الآية المباركة الأولى، يبيّن لنا بأنَّ الخلق ليس عبثاً ولا لهواً، و بيان الآية الثانية في المعنى نفسه والدلالة ذاتها، أما بيان الآية الثالثة، ففيه دلالة واضحة على الحاكميّة والعدل الإلهي بالكلفة على قدر سعة النَفْس وطاقتها، ونرى في الجانب الآخر من الآية، رجوع الخلق عموماً والإنسان خصوصاً إلى الله تعالى في الجزاء والثواب، وهذه الآية تنعكس ظاهراً على الآيتين الكريمتين، وهنّ جميعاً في صلب موضوع بحثنا هذا، والذي سنتعرض فيه أيضاً للحديث النبوي الشريف: >الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه< ، الذي سنتناوله بالتحليل من حيث ارتباطه بالعدل والحاكمية؛ لأنَّه قد يترك عند بعض الناس شبهةً كبيرةً وخطيرةً على تقسيم الناس بداءةً، وهم أجنّة في بطون أمهاتهم، إلى أشقياء وسعداء قبل السعي والعمل، فلا خيار لهم في السعادة أو الشقاء، وإنما هم مجبورون على ذلك.. هذه الشبهة مخالفة لحكمة الخلق وبعث الأنبياء والرسل من جهة، والحاكميّة والعدل الإلهي من جهة أخرى، وبناء على استحكام الشبهة فلا فضْل لفاعل الخير والمحسن, مادام هو مجبراً على فعل الخير دون إرادته واختياره وهو سعيد في بطن أمه، وكذلك لا ذنب للشقي حتى يعذّب في جهنم، وهو بريء ممّا عمل؛ طالما كتب عليه الشقاء في بطن أمه.
    وهنا يثار تساؤلاً مهماً: هل هذه الكتابة السابقة للعمل تُلغي عن الشقي كل مجالات التوبة والاستغفار؟ وتُبعد عن السعيد قبل العمل الميل إلى الشر وفعل السوء؟ وهذا التساؤل يفرض علينا بحثاً منطقياً في أمرين مهمّين:
    الأمر الأول: الإطلاق والشمولية في العلم الإلهي
    إنَّ علم الله تعالى مطلق قبل خلق الخلق وبعده، فهو أعلم بالمخلوق من حيث النشأة والمآل، والسعي والنوايا. وينشعب هذا الأمر إلى شقين:
    الشق الأول: الغاية من التكاليف وإرسال الرسل
    إنَّ الجنين إذا كان شقياً وكتب عليه الشقاء منذ البداية وحينما يخرج إلى الدنيا، فما هو أثر وفائدة الرسالات والأديان، ولماذا تقع عليه التكاليف العباديّة والعمليّة؟ وبما أنَّه كُتب عليه الشقاء؛ فأنَّه لن يلتزم بحدود تلك التكاليف وأحكامها، وعندها لا تنفعه الرسالات والأديان، فتكون تلك الرسالات فارغة من أساس هدفها ما دام أكثر الناس أو نصفهم مجبرين؛ لكونهم كتب عليهم الشقاء منذ هم أجنّة في بطون أمهاتهم، بل ستكون لغواً! والله تعالى منزّه عن اللغو. وبالمقابل فإن النصف الآخر الذين كتبوا سعداء، لا يحتاجون للرسالات وجهد الأنبياء؛ ما داموا على خير وصلاح بداءة، وسيكونون من أهل الخير والسعادة انتهاء، ولكن ليس بفضل إرادتهم واختيارهم، وانما لأنهم كتبوا سعداء منذ كانوا في بطون الأمهات.
    الشق الثاني: الشقاء والسعادة في علم الله وبإرادة الإنسان
    إنَّ الله سبحانه أكمل للشقي كل موجبات الهداية والرحمة، مع باب التوبة والمغفرة الواسع المفتوح لكل العباد، إلاّ أنَّ نَفْسَهُ تولجهُ وباختياره في العصيان وعمل الشر والسوء والحرام، كما كان الطواغيت والفاسدون يعملون في الدنيا، فمعنى الحديث النبوي الشريف أن الشقي شقي في بطن أمه؛ لأنَّ الله تعالى يعلم ما يرومه هذا الشقي في سعيه الدنيوي بمحض إرادته، وكذلك السعيد.
    الأمر الثاني: الأشقياء والسعداء في الوعد الإلهي
    إنَّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء بما قَدّر للحياة الدنيا، حيث جعل سعي العباد اختياريّاً، ومن ثم الموت والبعث والحساب وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، وقد وعد سبحانه بأنْ يملأ الجحيم من الجنّة والناس، ووعده حق لا خلف له. وعليه كان لا بدّ من وجود الأشقياء والتعساء؛ حتى يتحقق ذلك الوعد الإلهي، والحديث في هذا الأمر ينقسم أيضاً إلى شقين:
    الشق الأول: لماذا السيئة بواحدة والحسنة بعشر أمثالها؟
    قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَه) فلو كانت الغاية هي امتلاء جهنم؛ من أجلِ تعذيب المخلوقين، دون إرادتهم واختيارهم، فلماذا جعل الله تعالى السيئة بواحدة والحسنة بعشر أمثالها ويزيد تفضلاً وإحساناً بغير حساب؟!
    الشق الثاني: ما هو دور الشفاعة؟
    لو كان الوعد الإلهي هو أنْ تُملأ جهنّم بالأشقياء، فما هو نفع الشفاعة؟ مع أنها من الثوابت الدينية كتاباً وسنة كما في نص قوله تعالى: {َمن ذَا الَّذِي يشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}.
    النص والحدث (قصة العبد الصالح)
    إن المسألة (موضوع البحث) التي نستخلصها من بعض النصوص القرآنيّة، من خلال ما أورد في القصص القرآني من سورة الكهف، هي ما فعله العبد الصالح، الذي آتاه الله العلم، وقد جاء في الأخبار أنَّ ذلك العبد الصالح - صاحب العلم اللدنّي- هو الخضر×.
    قال تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا}( ). والغلام في بعض الأقوال دون سن البلوغ، فيبيّن النص القرآني أنَّ الخضر× قتل الغلام وهو غير مُكلّف بعد ولم يقم بأي جريرة أو عمل شرير، وكذلك برّأ النص القرآني في سورة الكهف العبد الصالح× من أي جريرة أو مسؤولية على قتل هذا الغلام في قوله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَان َأَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}( )، وقوله تعالى: {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}( )، فالحاكميّة الإلهيّة تأمر العبد الصالح بقتل الغلام غير المكلّف بعد، ودون جريرة اقترفها، ممّا يدل على أنَّ الله سبحانه أعلم بعباده وخلقه من أنفسهم.
    والآيات المباركات التي ذكرناها قد بيّنت لنا مسألة القتل وأسبابها، ولكن من أجل استبيان التفاصيل ونقاش المسألة نقاشاً علمياً، ومن خلال بيانات النصوص القرآنيّة الكريمة؛ نرى أنَّ محور البحث يقع في أمرين:
    الأمر الأول: العوض
    العوض: هو الرحمة من عند الله تعالى، بعد أنْ تبيّن من خلال النصوص القرآنيّة بأنَّ الغلام المقتول سيرهق والديه طغياناً وكفراً، فتكون هذه الرحمة العوضية للوالدين خيراً لهم، وسابقة على أذى الغلام لهما، وهذه الرحمة عين اللطف والحكمة الإلهيّة.
    الأمر الثاني: الرحمة
    الرحمة: وهي من أجل حماية الإنسان من شر نفسه، بمعنى أنه إنْ عاش سيدخل جهنّم لا محالة، طالما أن الإنسان مخيّر في سعيه، وما دام الموت نهاية كل مخلوق، فكان القتل منقذاً للغلام؛ حتى لا يكون من أهل السوء والفساد، ولا يأتي بما يرهق الأبوين.
    وطالما أن الافعال التي قام بها العبد الصالح×، هي من عند الله تعالى؛ فهي كلُّها خير ورحمة في كل النتائج المنبثقة عن تلك الأفعال، بما فيها قتل الغلام، لصالح أهله ومنفعتهم، لا لمصلحة العبد الصالح، ونستخلص من ذلك أوجهاً عدّة:
    1- كانت الأفعال كلُّها بلا مصلحة أو منفعة للعبد الصالح، بل كلُّها خير وصالح ورحمة لأصحابها.
    2- دلّت النصوص - بما حملت من مضامين وإشارات مجتمعة- على أن ما وقع من أفعال، لا يحمل إلا الخير والعدل {قُل لَّن يصِيبَنَا إِلاّ َمَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}( )، فالإصابة التي يكتبها الله تعالى خارجة عن تكليف الإنسان وسعيه، وضمن كلفة النَفْس وسعتها، وهي خير للناس، وهم غير مسؤولين عن نتائجها؛ ما دامت من عند الله تعالى، وممّا يجب الانتباه إليه أنَّ إرادة الله تعالى لا تلغي كلياً إرادة الناس واختيارهم وسعيهم، وأما الإصابة هنا فهي فيما كان فوق إرادتهم ومعرفتهم وقدراتهم، فتكون صالحاً وخيراً لهم، بدليل ما قام به العبد الصالح من أفعال. وكما يقول أهل التحقيق: >إنَّ القضاء والقدر في مجال أفعال الإنسان لا ينافيان اختياره وما يوصف به حرّيّة الإرادة قط..؛ لأنَّ التقدير الإلهي في مجال الإنسان هو فاعليته الخاصة، وهو كونه فاعلاً مختاراً مريداً، وأنْ يكون فعله وتركه لأي عمل تحت اختياره وبإرادته، أنَّ القضاء الإلهي في مجال فعل الإنسان، هو حتميّته وتحققه القطعي بعد اختيار الإنسان له بإرادته، وبعبارة أخرى أنَّ الإنسان مجبول على الاختيار ومزيجة بحرّيّة الإرادة ومقدرة بذلك، وأنَّ القضاء الإلهي ليس إلا هذا، وهو أنَّ الإنسان متى ما أوجد أسباب وقوع فعل ما، تم التنفيذ الإلهي من هذا الطريق<( ).
    3- أكدّت النصوص القرآنية والمسألة المستخلصة منها، على أنَّ علم الله سبحانه بناتج الأفعال التي أمر بها عبده (الخضر×)، إيضاحاً للطف والحكمة الإلهيّة، هي الخير واليسر الذي يحبه الله تعالى لعباده وخلقه؛ لأنَّهم يجهلون مصالحهم ومنافعهم الحقيقيّة العظيمة.
    إن هذه المسألة - فضلاً عمّا ذكرناه- قد نبّهت الناس في سياق الوعظ القرآني، إلى أمرين مهمين:
    الأول: إنَّ أمر الكائنات بما فيها الناس ليس سدىً، بل مثلما تكفّل الله بها وأفاض عليها النعم، فهي تحت رقابة حاكميّته ورحمته، وأنَّ الله تعالى حاكم الدنيا والآخرة، والأدلّة على ذلك كثيرة، منها هذه الأفعال، لا كما يظن البعض أنَّ حكمه وحسابه سبحانه يكون في الآخرة فقط.
    الثاني: لا جريرة في تلك الأفعال الثلاثة، كما جاء في سورة الكهف، وخصوصاً قتل الغلام من قبل العبد الصالح؛ لأنَّ فعله هذا طاعة لأمر الله تعالى، ونستخلص من هذا الأمر أنَّ المعصومين^، وأهل التكاليف الربّانيّة الخاصة، لا يفعلون الجرائم والمنكرات والفواحش والمخالفات المؤذية للآخرين، وهذا توكيد قرآني على نهجهم وأفعالهم.
    ونذكر وجهين آخرين في نقاش المسألة موضوعة البحث، وهذان الوجهان يلغيان الجبر والتفويض في المسألة، وضمن الأدلة العقلية المستنبطة من النصوص القرآنيّة ذاتها:
    الوجه الأول: لو كان عمل العباد تفويضاً لهم من عند الله سبحانه كيف ما يشاؤون؛ لما فعل العبد الصالح تلك الأفعال الثلاثة، وأشدّها قتل الغلام؛ لأنَّه سيحسبها جريرة عليه، وهو لا يفعل الشر ولا يقتل بلا ذنب، حتى وإنْ كان مفوضاً فيما يفعل كيفما يشاء، وهذا الوجه يلغي ما ذهب إليه البعض من (التفويض) فأفعال العبد الصالح كلُّها تدلّ على نفي التفويض، وأنَّ الحاكميّة الإلهية تفعل ما يكون صالحاً ونافعاً للعباد، حتى لو تطلّب ذلك القتل.
    الوجه الثاني: لو كان العباد مجبورين في كل أفعالهم وأعمالهم، ولا إرادة لهم فيما يفعلون؛ لما أمر الله سبحانه عبده الصالح بقتل الغلام، حتى وإنْ كانت أفعاله ضارة وسيّئة، ما دام مسيّراً وليس مخيّراً، ويفعل ويعمل بدون إرادته؛ فهو غير مسؤول عمّا يفعل.
    إن هذين الوجهين يدلان على حكمة الله سبحانه في جعل الناس مختارين في أفعالهم تحت حاكميّته وإرادته وعلمه، من دون ظلم أو عبث، ولا جزاء على عمل يزيد على الخيار، كما في هذه الأفعال محلّ البحث.
    قال العلامة الطباطبائي: >إثبات صفة الحكمة لله تعالى، بهذا المعنى بنحو الحزم، من أهم المسائل الكلاميّة والعقائدية؛ لما يترتب على إنكارها أو الإجمال في ثبوتها له من النتائج الخطيرة لما سيظهر لك، فإثبات الحكمة بهذا المعنى لله تعالى، يثبت تنزيهه عن كل قبيح، ومن ثم يثبت عدله سبحانه في التكوين والتشريع والجزاء، وبها يتنزه فعله تعالى عن العبث، فيكون للخلق غاية، فيثبت لزوم التكليف وإرسال الأنبياء، وبها تنحل مسألة الشرور والكوارث في الكون، ومسألة الهداية والضلالة، وبها يثبت كون الإنسان مختاراً في أفعال نفسه غير مجبوراً فيها، وبها نثق بوعده تعالى ووعيده، اللّذَين وردا في كتابه الحكيم إلى غير النتائج الهامة<( ).
    المبحث الثاني: العدل الإلهي
    {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ}( ).
    {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}( ).
    {إِنَّ اللَّهَ لا َيَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا}( ).
    إنَّ مسألة عدل الله سبحانه من المسائل الإيمانيّة الحتميّة التي أكدتها كل الصفات الثبوتيّة والفعليّة لله جل وعلا، وأقرّها العقل الإنساني بداءةً بالفطرة، ولا تحتاج من الإسهاب في الشرح والأدلّة، إلاّ بما يقتضيه البحث وبحدود الضرورة، والآيات التي ذكرناها هنا للتذكير فحسب، لأن من أوّل البديهيات والمسلّمات >أن العقل ـ مضافاً إلى الآيات ـ يحكم بوضوح بالعدل الإلهي؛ لأنَّ العدل صفة كمال والظلم صفة نقصٍ، والعقل يحكم بأنَّ الله تعالى مستجمع لجميع صفات الكمال، منزّه عن كل عيب ونقص في مقام الذات والفعل، والظلم أساساً نابع من أحد عوامل ثلاثة:
    1ـ جهل الفاعل بقبح الظلم.
    2ـ احتياج الفاعل إلى الظلم، مع علمه بقبحه أو عجزه عن القيام بالعدل.
    3ـ كون فاعل الظلم سفيهاً غير حكيم؛ فهو لا يبالي بإتيان الأفعال الظالمة رغم علمه بقبحها ورغم قدرته على القيام بالعدل.
    ومن البديهي أنَّه لا سبيل لأي واحدٍ من هذه العوامل إلى الذات الإلهية المقدّسة، فهو تعالى منزّه عن الجهل والعجز وعن الاحتياج والسفه؛ ولهذا فأنَّ جميع أفعاله تتسم بالعدل والحكمة<( )، فالعدل لزومه بديهي بالعقل، انطلاقاً من مبدأ أسس الحكمة ومقتضياتها؛ والظلم والجور والإكراه قبحه مدرك ببداهة العقل، فبدء الخلق كله بالحق والعدل والحكمة، ومن يداخله الشك والظن السيء، وتأخذه الشبهات في حكمة وعدل ومشيئة الله تعالى وإرادته، فينسب إليه العبث أو الظلم، فقد كفر وسفه نفسه وعقله وفطرته، وأنكر آلاء الخالق الحق الكريم.
    ومن عدل الله تعالى العملي، جعل القدرة الفعليّة العمليّة والاختياريّة الإراديّة للإنسان وكل مخلوق ساع في الحياة، وهيّأ كل حاجيات وضروريات سعيه الحياتي الدنيوي، والإنسان بما أنَّه مكلّف ومسؤول، فهو أكثر المخلوقات قدرةً واختياراً بما يتناسب ودوره الدنيوي، وهو مسؤول عن ذلك ومحاسب على ما يفعل ويختار، ولا جبر ولا تفويض ولا إكراه مادام الحساب من وراء ذلك. والدليل على أنَّه لا يقع منه عز وجل الظلم ولا يفعله، أنَّه قد ثبت كونه تعالى قديم غني عالم لا يجهل، والظلم لا يقع إلاّ من جاهل بقبحه، أو محتاج إلى فعله( )، >واستغناؤه وعلمه يدلان على انتفاء القبح عن أفعاله تعالى<( )، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}( )، فالسؤال إنما يكون لتمييز جهة المصلحة في الفعل، والله حكيم لا يفعل فعلاً إلاّ لمصلحة مرجّحة، فلا معنى للسؤال، أما غيره تعالى فمن الممكن أنْ يفعل الباطل، فلذا يُسألون عن فعلهم؛ حتى يؤاخذوا بالذم العقلي، أو العقاب المولوي إنْ لم يقارن الفعل المصلحة، والأوجه أنْ يقال: >أنَّ الله حكيم مالك للكل، والكل مملوك له، ومقتضى ذلك أنْ يفعل ما يشاء وليس لغيره ذلك، فمن براهين ربوبيته أنَّه لا يُسئل وأنَّه مالك لهم، كما أنَّ برهان عدم ربوبيتهم أنَّهم مسؤولون ومملوكون؛ لأنَّ الذي يُسئل هو من لا يملك الفعل ـ إلاّ لمصلحة لازمة ـ فالله هو رب العرش العظيم، وهم مربوبون داخرون<( ).
    فالعدل الإلهي مُستشعر به في الحياة الدنيا بوضوح، من خلال أساسيات وضروريات واقع الحياة الدنيا، ونحن اتخذنا بعضاً منها كأدلّة على تلك الأسس العدليّة دونما تحديد؛ لأنها فوق حدّ الإحصاء:
    1- التكفّل بشؤون العباد والخلق في مسببات الحياة وضرورياتها؛ من أجل الاستمرار والحركة، وأول هذه الضروريات الرزق، فهو سبحانه يرزق مخلوقاته أينما كانوا، في البطون أجنّة، أو في ظلمات البحار، أو في باطن الأرض، ولم يفرّق سبحانه بعدله بين المؤمن الشاكر والكافر الجاحد، فالكل يرزقهم دون سهو أو إهمال، وما زاد على ضروريات الرزق فإما فضل أو استدراج.
    2- لم يفرّق الله سبحانه بالموت بين خلقه كافة، فالكل ميّتون من دون استثناء، فالرسول وهو النبي المكرّم يموت، والكافر الظالم يموت، لكن مع فرق الكرامات والمنازل، وحيثيات دقائق كيفيات الموت، ولكن الناتج هو خروج الجميع من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.
    3- الرسل والرسالات، وما جاءت به من حجج ومواعظ وبيانات وأحكام وأوامر ونواهي؛ كلُّها من أسس وأركان العدل ما دام هناك حساب وجزاء، وكانت قبله الحجج والبلاغات.
    4- خيار السعي، وهذا من أهم الأسس والأركان، فالبريء من الذنوب بخيار عمله الخيّر لا يعاقب بل يثاب، والمذنب والمسيء يعاقب؛ ما دام فعله وخياره عن وعي وإدراك، والمجبور بلا خيار لا تبعية على فعله وسلوكه، والمجنون قد رفعت عنه التكاليف، على وفق قاعدة: المعذور لا يحاسب والبريء لا يعاقب.
    5- حفظ الأعمال دون تفريط أو تفريق بين العباد، من قِبلَ الكاتبَينِ الموكلَينِ من عند الله تعالى، والشاهدَينِ مع الجوارح، ومن ورائهم الله سبحانه شاهد ورقيب.
    6- الحساب وما يترتب عليه من (جزاء وثواب وعقاب) فيثاب المحسن ويعاقب المسيء.
    7- الكلفة على سعة النَفْس وقدرتها، رعاية وتكريماً من الله سبحانه للإنسان.
    العدل ومسألة البحث
    إنَّ الله سبحانه قد أقام العدل ومنع الظلم في مسألة أفعال (الخضر×) التي قام بها، فكل فعل من أفعاله كان العدل فيه واضحاً بيّناً، وإليك أدلة وشواهد ذلك:
    1- إعابة السفينة في الفعل الأول؛ من أجل أنْ لا يُقتل أصحابها، وتؤخذ السفينة غصباً من قِبَل قراصنة البحر ظلماً وعدواناً.
    2- قتل الغلام في الفعل الثاني من أفعال (الخضر×)؛ من أجل إيقاف ظلم إيذاء الغلام لوالديه، وكذلك إيقاف ظلمه لنفسه، فكان الفعل لطف وعدل إلهي، وإنقاذ للغلام ولوالديه.
    3- إقامة الجدار في الفعل الثالث (للخضر×)؛ لكي يحفظ كنز الأطفال الأيتام قبل أنْ يسقط الجدار المائل وينكشف الكنز، فيكون الظلم حينها كبيراً في حق الأيتام ومستقبلهم المعاشي، فكان فعلاً عادلاً من عند الله سبحانه.
    4- العدل الإلهي في أفعال (الخضر×)، حيث أنصف من خَصّتهم وكانت من أجلهم، ولا سيما الأبرياء منهم، ودفع الظلم الذي كان سيقع عليهم، وكذلك أنصفت الأفعال عينها الظالمين قبل أنْ يفعلوا الظلم، ويعاقبوا عليه، فكانت لطفاً وإحساناً بهم. ( يتبع )
    العدل والإحسان:
    {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}( ).
    يجب إقامة العدل على المكلّف المقتدر في حدود قدرته، ما دامت الكلفة على سعة النَفْس؛ لأنَّ مسالة الظلم مسألة مهلكة، ولازال أهل الظلم مستبدّين بظلمهم للناس؛ لأنهم مالوا عن جادة العدل والصواب، وكثيراً ما واجه المصلحون وأهل الحق والعدل أقسى أنواع العذاب والتقتيل، فكانت تضحياتهم لله تعالى، وفي سبيل الحق والعدل وإشاعة الإحسان الذي أمر الله تعالى به، وكان نبراس هؤلاء الأماجد الأحرار، سيدهم وقائدهم إلى ذلك الطريق الإمام الحسين×.
    ولو تدبّرنا معنى الآية الكريمة التي ذكرناها آنفاً؛ نجد أنَّ الله تعالى قد قدّم العدل على الإحسان، مع أهميّة الإحسان وأثره البليغ بين الناس، وتقديم العدل على الإحسان في منصوص الآية المباركة؛ لأنَّه أمر يجب إقامته على القادرين عليه، ولا يجوز لهم تركه؛ لأنَّ تركه يولّد استمرار وقوع الظلم والباطل على الناس والمجتمع.
    وأما الإحسان فهو أمر يرشد الله تعالى إليه الناس، ويعظهم إلى فعل الخير فيما بينهم، ولكنه لا يتقدم على العدل؛ ما دام ترك الإحسان لا ينتج عنه الظلم، بل فعله خير وأجره عظيم؛ لأنَّ الله سبحانه يحب المحسنين، وتاركه عمداً مع الاستطاعة عليه مذموم، يضيّع حب الله له وفضل الإحسان وأجره، والإحسان يُصلح علاقات الناس ويزيد في تراحمهم وتكافلهم، وفاعله محمود عند الله سبحانه وعند الناس، وحائز على الأثر الجميل والفضل العظيم.
    وهنا ذكر بعض المفسرين لقوله تعالى: >(ان الله يأمر بالعدل) وهي المساواة في المكافأة إنْ خيراً خير، وإنْ شراً فشر على ما قيل، والعدل عدل فردي وعدل اجتماعي، وهو المقصود بالآية وهو أنْ يعمل كل فرد من المجتمع بما يستحقه، فيتعلق الأمر بالمجموع فيكلّف المجتمع إقامة هذا الحكم، وتتقلده الحكومة المسلمة بما انها تتولى وتدبر أمر المجتمع (والإحسان)، وهو إيصال الخير إلى الغير لا على سبيل المقابلة والمجازة، بل إصلاح حال من أذلته المسكنة أو الفاقة، وهذا ما ينشر المحبة والأمن والسلامة<( ).
    وقد كثرت وتواترت الآيات في الذكر الحكيم، المؤكّدة على العدل وبأنَّ الله تعالى سبحانه عادل، ويحب العدل والعاملين به:
    {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَ الْمَلاَئِكَةُ وَ أُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ}( ).
    {وَ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِق ُبِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}( ).
    {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}( ).
    العدل الالهي والإحسان والعوض:
    >ولا يجوز أنْ يفعل الله تعالى الألم؛ لدفع الضرر به من غير عوض عليه، كما يفعل ذلك أحدنا بغيره، والوجه في ذلك: أنَّ الألم إنّما يحسن لدفع الضرر في الموضع الذي لا يندفع إلاّ به، والقديم تعالى قادر على دفع كل ضرر عن المكلّف من غير أنْ يؤلمه<( )؛ لأنَّ الله سبحانه عالم بحال العباد وما يبتغون وما ينفعهم في سعيهم، فإنْ كان سعيهم شراً عليهم، أو على أحدٍ من الناس وشاء الله سبحانه أنْ يلطف بهم، فيدفع ما أصابهم أو سيصيبهم من ضرر بحدوث ألم، عندها يكون عوضه أكبر من الألم نفسه، ولا يكون الألم ألماً بقدر ما هو راحة وخلاص من الشر ونتائجه، فعوض الله سبحانه أكبر وأعظم من الألم الذي دفع به الضرر، وهذا ما يطابق قتل الغلام مخصوص البحث؛ حيث أنَّ العوض كان أكبر من القتل، كما بيّناه في المبحث الأول.
    يقول الطوسي: >الأجل عبارة عن الوقت الذي يحدث فيه القتل أو الموت، ولا يسمى ما لا يحدث فيه واحدا منها أجلاً بالتقدير، وذهب قوم من أهل العدل وهم (البغداديون) إلى أنَّ المقدر يسمّى أجلاً، وتأولوا في ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} فقالوا قد أثبت تعالى ههنا أجلين، ولا يصح ذلك إلا على ما نذهب إليه بالتقدير. وإنّما قلنا أنَّ المقدّر لا يسمّى أجلا؛ لأنّه لو جاز ذلك فيه لجاز أنْ يسمّى المقدّر ملكاً ومباحاً، وذلك لا يقوله أحد<( ).
    فهل قتل الغلام أجلٌ؟ أم هو دفع ضرر من أجل العوض؟
    ونحن نرى أن هنا تقديراً حكيماً؛ لأسباب مستقبلية يكون فيها الألم للوالدين والضرر على الغلام، فكان أمر الله سبحانه بقتله من قبل الخضر× عدلاً وإحساناً، وفيه العوض الكبير على الوالدين والغلام.
    وأما الإحسان في هذه المسألة، فقد كان إحسان الله تعالى عظيماً، وله مردود إيجابي على أصحاب السفينة التي أعابها الخضر×، وعلى أبوي الغلام، بل وعلى الغلام نفسه، وكذلك على الأيتام أصحاب الكنز، وهذا العدل والإحسان والرحمة والعوض في بيان الذكر القرآني؛ من أجل التنبيه على أنَّ كل ما يكتبه الله سبحانه هو خير وصالح للناس، وأنَّ الله غني عن خلقه وعباده وما يفعلون.
    الحاكميّة والعدل الإلهي:
    لقد قامت الحاكميّة الإلهية بالعدل المطلق، وقام العدل المطلق بالحاكميّة، وهما من مصدر العظمة والقدرة، فالحاكميّة عادلة، والعدل حاكم وقاض بلا منازع أو عضيد، والمشيئة الإلهيّة عين الحاكميّة والعدل الإلهي؛ لأنّ ما يشاؤه الله سبحانه لا عبث ولا ظلم فيه، وما دام الله سبحانه لا يظلم ولا يحب الظلم؛ فأنَّ مشيئته لخلقه حكمٌ عادل وفيضُ إحسانٍ ورحمة، بما فاق ما نتصوره في الحكم من العدل.
    وعليه كانت الأفعال الثلاثة المشار إليها في سورة الكهف، هي في أمر الله تعالى، وهي أفعال عدل وحكمة إلهيّة أفاضت على أصحابها فيض الرحمة والإحسان، ولا جريرة على العبد الصالح؛ مادام طائعاً لأمر الله.
    الخاتمة
    إنَّ إثارة أية مسألة قرآنيّة، ومناقشتها على وفق السياق الفكري الموضوعي؛ من أجل الوضوح والاستبيان المعرفي، فيه فائدة ومنفعة بقدر ما حملت النتيجة من القيمة الموضوعيّة، وفي هذه الخاتمة سنلخّص مجمل ما أرادنا إيصاله للقارئ الكريم، ووفقاً للنقاط التالية:
    1- إنَّ الحاكميّة المطلقة حكمها نافذ على الخلق بالحق والعدل في الدنيا والآخرة، وأنَّ الله تعالى رقيب وحسيب على أفعال خلقه وشؤونهم بلا منازع لأمره وحكمه.
    2- إنَّ الحاكمية الإلهيّة لا يصدر عنها العبث أو الفوضى، بل يصدر عنها تدبير الخلق بما ينفع المخلوق من الرزق والرحمة.
    3- إنَّ الفعل الإلهي عدل لا ظلم فيه أو جور أو إكراه؛ بدليل اختيار الإنسان والحساب على ما يفعله، من العقاب على الفعل السيء، أو الثواب على الفعل الصالح.
    4- إنَّ رحمة الله تعالى تقي العبد من ظلم نفسه.
    5- إنَّ الله سبحانه دفع بتلك الأفعال الثلاثة - التي أمر بها عبده الصالح الخضر×- ألم الضرر بالعوض الكريم، خصوصاً قتل الغلام وإعابة السفينة.
    6- إنَّ الله تبارك وتعالى هو الذي يبدأ الخلق ويعيده بقوله للشيء: (كن فيكون)، فلو أراد سبحانه الانتقام أو معاقبة الناس وعذابهم، فلا مانع أو حائل لفعله وإرادته، ولا يُسئل عما يفعل ولا راد لحكمه ومشيئته.
    7- إنَّ الله رؤوف رحيم بالخلق والعباد؛ بدليل أنه سبحانه لا يعاجل بالعقوبة، وحلمه سبق غضبه، ورحمته سبقت انتقامه، وعفوه سبق عقوبته.
    8- كل ما يكلّف به الله تعالى عباده، إنما هو على سعة أنفسهم، وأما تكليف الأنبياء والرسل والمعصومين^ عامة، فأنّه من أجل منفعة أُممهم وأقوامهم، فلا ظلم أو جور فيما يفعلون، وهذه المسألة المخصوصة البحث، أكّدت ذلك من خلال تصريح الذكر الحكيم بها، وعلى لسان العبد الصالح الخضر× المكلّف بتلك الأفعال من عند الله سبحانه.
    9- قضيّة إقامة الجدار المائل، وهو الفعل الثالث والأخير للعبد الصالح، الذي حفظ به للأيتام كنزهم المدفون تحت الجدار قبل أنْ يسقط، وهذا الفعل والجهد دليل قرآني عملي على أنَّ الله سبحانه هو الحافظ الوكيل، الذي يمنُّ على عباده وخلقه بالرعاية والرأفة.
    لقد أكد لنا الذكر الحكيم في هذه المسألة القرآنيّة الكثير من المضامين والمواعظ، ولهذا ذُكرت هذه الأفعال في آيات سورة الكهف وبالتتابع؛ لأهميّة المسألة، فسبحان الله الحق العدل الرؤوف اللطيف بخلقه وعباده.
    الهوامش والمصادر
    ( ) سورة الأنبياء: 17.
    ( ) سورة المؤمنون: 115.
    ( ) سورة المؤمنون: 62.
    (4) الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، ص356.
    ( ) سورة الكهف:74.
    ( ) سورة الكهف:80.
    ( ) سورة الكهف:81.
    ( ) سورة البقرة:177.
    ( )السبحاني، جعفر ، العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت^ ،ص106.
    ( )الطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ص92.
    ( )سورة آل عمران:18.
    ( )سورة النساء: 40.
    ( )سورة يونس: 33.
    ( )السبحاني ، جعفر، العقيدة الإسلامية، ص93ـ94.
    ( )الصدوق، ابي جعفر محمد بن علي، التوحيد، ص396.
    ( )الطوسي، الخواجة نصير الدين، كشف المراد ، ص305.
    ( )سورة الأنبياء: 23.
    ( ) الطباطبائي ، محمد حسين ،مختصر الميزان، ص384.
    ( )سورة النحل:90.
    ( )الطباطبائي ،محمد حسين ،مختصر الميزان، ص330.
    ( )سورة الدخان:18.
    ( )سورة المؤمنون:62.
    ( )سورة الحديد: 25.
    ( )المرتضى ،شرح جمل العلم والعمل، ص34.
    ( ) الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان، ج3 ص9.





عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X