برّ الوالدين في سيرة أهل البيت عليهم السلام

الشيخ حسن أحمد الهادي
سُئل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا». قال: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قال: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»(1).
• أولاً: أغراض التشريع الإسلاميّ
لا شكّ في أنّ التشريعات الإسلاميّة تستند إلى أسس ترتبط بالمصالح والمفاسد. وقد لحظت هذه التشريعات الصادرة عن الخالق العالِم والحكيم طبيعة التكوين الخَلقيّ للإنسان، والقوى الداخليّة المغروسة في النفس الإنسانيّة. لذا، فهي تستهدف الحفاظ على الاجتماع البشريّ بإيجاد منظومة من التشريعات الحقوقيّة والقيم والآداب، وضبط الكيان الأسريّ والاجتماعيّ، ونسج العلاقات الإيجابيّة الفاعلة والحيويّة بين جميع الأفراد، بنحو يجعل العيش المشترك بينهم محقّقاً لأهداف الحياة الطيّبة. لتحقيق هذه الغاية، قدّم الإسلام تشريعات إلهيّة كاملة ونموذجيّة، منها ما هو خاصّ بمكوّن الأسرة الأوّل المتمثّل بالوالدين. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23-24) . فالملاحظ أنّ القرآن الكريم قد أسّس مجموعةً من الأصول والقواعد التربويّة:
1. أصل الإحسان: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾. والإحسان في الفعل يقابل الإساءة، وهذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات.
2. قواعد الخطاب مع الوالدين: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾. وقد جاءت قواعد الخطاب هذه مخصّصة بحالة الكِبر في السنّ بوصفها أشقّ الحالات التي تمرّ على الوالدين، فيشعران فيها بالحاجة إلى إعانة الأولاد لهما وقيامهم بواجبات حياتَيهما التي يعجزان عن القيام بها. وتأتي كلمة «أفّ» المنهيّ عنها في هذا السياق لما تحمله من دلالة على الضجر والانزجار، وكذا «النهر»، وهو الزجر بالصياح ورفع الصوت والإغلاظ في القول.
3. خفض الجناح: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، وهو كناية عن المبالغة في التواضع والخضوع قولاً وفعلاً، وهو مأخوذ من خفض فرخ الطائر جناحه ليستعطف أمّه لتغذيته، لذا، قيّده بالذلّ، وهذا دأب أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أمّهاتها.
4. الدعاء لهما: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. أي اذكر تربيتهما لك صغيراً، وادع الله سبحانه أن يرحمهما كما رحماك وربّياك صغيراً(2).
• ثانياً: حقّ الأب وبرّه
لقد وضع أئمة أهل البيت عليهم السلام قواعد تربويّة تحدّد حقوق الأب وطرق التعامل معه وبرّه واحترامه وتقديره. روي عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام قوله: «... وإنّ للوالد على الولد حقّاً؛ فحقّ الوالد على الولد أن يطيعه في كلّ شيء إلاّ في معصية الله سبحانه»(3)، وعن الإمام السجّاد عليه السلام : «وحقّ أبيك أن تعلم أنّه أصلك وأنّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوّة إلّا بالله»(4). وقد وصف الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام برّ الوالد لبعض بنيه بالتحفة الكبيرة، بقوله عليه السلام : «يا بنيّ، إنّ الله رضيني لك ولم يرضك لي، فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبرّ فإنّه تحفة كبيرة»(5).
إنّ دور الأب لا يمكن تجاهله، لإسهامه الأصيل في مجال صياغة تربية الابن وبنائه القيميّ، فالولد بضعة من أبيه؛ يرث أخلاقه كما يرث صفاته الجسديّة والعقليّة، مضافاً إلى إحاطته بشعور العزّة والحماية والصيانة له من والده، والذود عنه. وبذلك، يكون أداء حقّ الوالد جزءاً بسيطاً من ردّ الجميل، وهذه السمة تتّضح في آية الإحسان. وبحسب تعبير الإمام السجّاد عليه السلام في رسالة الحقوق، فإنّ الأب يمثّل الأصل، والابن الفرع؛ فهو أصله ولولاه لم يكن. وقد أمضى حياته وشبابه وأفنى عمره بكدّ واجتهاد للحفاظ على أسرته وتأمين الحياة الهانئة لأولاده. وهذا ما يلزم الابن بالشكر الدائم على هذه النعمة.
• ثالثاً: حقّ الأمّ وبرّها

الشيخ حسن أحمد الهادي
سُئل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا». قال: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قال: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»(1).
• أولاً: أغراض التشريع الإسلاميّ
لا شكّ في أنّ التشريعات الإسلاميّة تستند إلى أسس ترتبط بالمصالح والمفاسد. وقد لحظت هذه التشريعات الصادرة عن الخالق العالِم والحكيم طبيعة التكوين الخَلقيّ للإنسان، والقوى الداخليّة المغروسة في النفس الإنسانيّة. لذا، فهي تستهدف الحفاظ على الاجتماع البشريّ بإيجاد منظومة من التشريعات الحقوقيّة والقيم والآداب، وضبط الكيان الأسريّ والاجتماعيّ، ونسج العلاقات الإيجابيّة الفاعلة والحيويّة بين جميع الأفراد، بنحو يجعل العيش المشترك بينهم محقّقاً لأهداف الحياة الطيّبة. لتحقيق هذه الغاية، قدّم الإسلام تشريعات إلهيّة كاملة ونموذجيّة، منها ما هو خاصّ بمكوّن الأسرة الأوّل المتمثّل بالوالدين. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23-24) . فالملاحظ أنّ القرآن الكريم قد أسّس مجموعةً من الأصول والقواعد التربويّة:
1. أصل الإحسان: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾. والإحسان في الفعل يقابل الإساءة، وهذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات.
2. قواعد الخطاب مع الوالدين: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾. وقد جاءت قواعد الخطاب هذه مخصّصة بحالة الكِبر في السنّ بوصفها أشقّ الحالات التي تمرّ على الوالدين، فيشعران فيها بالحاجة إلى إعانة الأولاد لهما وقيامهم بواجبات حياتَيهما التي يعجزان عن القيام بها. وتأتي كلمة «أفّ» المنهيّ عنها في هذا السياق لما تحمله من دلالة على الضجر والانزجار، وكذا «النهر»، وهو الزجر بالصياح ورفع الصوت والإغلاظ في القول.
3. خفض الجناح: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، وهو كناية عن المبالغة في التواضع والخضوع قولاً وفعلاً، وهو مأخوذ من خفض فرخ الطائر جناحه ليستعطف أمّه لتغذيته، لذا، قيّده بالذلّ، وهذا دأب أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أمّهاتها.
4. الدعاء لهما: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. أي اذكر تربيتهما لك صغيراً، وادع الله سبحانه أن يرحمهما كما رحماك وربّياك صغيراً(2).
• ثانياً: حقّ الأب وبرّه
لقد وضع أئمة أهل البيت عليهم السلام قواعد تربويّة تحدّد حقوق الأب وطرق التعامل معه وبرّه واحترامه وتقديره. روي عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام قوله: «... وإنّ للوالد على الولد حقّاً؛ فحقّ الوالد على الولد أن يطيعه في كلّ شيء إلاّ في معصية الله سبحانه»(3)، وعن الإمام السجّاد عليه السلام : «وحقّ أبيك أن تعلم أنّه أصلك وأنّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوّة إلّا بالله»(4). وقد وصف الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام برّ الوالد لبعض بنيه بالتحفة الكبيرة، بقوله عليه السلام : «يا بنيّ، إنّ الله رضيني لك ولم يرضك لي، فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبرّ فإنّه تحفة كبيرة»(5).
إنّ دور الأب لا يمكن تجاهله، لإسهامه الأصيل في مجال صياغة تربية الابن وبنائه القيميّ، فالولد بضعة من أبيه؛ يرث أخلاقه كما يرث صفاته الجسديّة والعقليّة، مضافاً إلى إحاطته بشعور العزّة والحماية والصيانة له من والده، والذود عنه. وبذلك، يكون أداء حقّ الوالد جزءاً بسيطاً من ردّ الجميل، وهذه السمة تتّضح في آية الإحسان. وبحسب تعبير الإمام السجّاد عليه السلام في رسالة الحقوق، فإنّ الأب يمثّل الأصل، والابن الفرع؛ فهو أصله ولولاه لم يكن. وقد أمضى حياته وشبابه وأفنى عمره بكدّ واجتهاد للحفاظ على أسرته وتأمين الحياة الهانئة لأولاده. وهذا ما يلزم الابن بالشكر الدائم على هذه النعمة.
• ثالثاً: حقّ الأمّ وبرّها

تعليق