بسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وَألعَن عَدِوَّهُم
السَلامُ عَلَيْكُم وَرَحمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه
هنالك العديد من صُوَرٌ ولَقَطَاتٌ مِن حديثِ العِترة..تُحدِّثُنا عن المقامِ الرفيعِ للحمزةِ عمِّ رسولِ اللهِ بين أولياءِ أهلِ البيت(عليهم السلام):
الحمزةُ بن عبدِ المُطّلب (عمُّ نبيِّنا الأعظم -ص-) شخصيّةٌ يُحبُّها رسولُ اللهِ وأميرُ المُؤمنين وفاطِمةَ وآلُ فاطِمةَ صلواتُ اللهِ عليهم،
شخصيّةٌ لها منزلةٌ رفيعةٌ ومقامٌ عالٍ بين أولياءِ أهلِ البيت.
كان الحمزةُ مُسلِماً على دينِ الحنيفيّةِ مِثلما كان الهاشميّون على دينِ الحنيفيّة، وكان والدِهُ عبدُ المُطّلبِ وصيّاً مِن أوصياءِ إبراهيم مِثل أبي طالب،
وأهلُ البيتِ أخبرونا بأنّ أوصياءَ إبراهيم كُلُّهُم أنبياء..فعبدُ المُطّلبِ وأبو طالبٍ كانا نبيّينِ لأنّهُما مِن أوصياءِ إبراهيم
سنقِفُ هُنا عند لقطاتٍ مُختارة مِن حديثِ العترةِ تُحدِّثُنا عن المقامِ الرفيعِ للحمزة
1- الّخصوصية الأولى :
يُحدّثُنا عنها إمامُنا السجّاد فيقول:
(ما مِن يومٍ أشدُّ على رسولِ اللهِ مِن يومِ أُحُد، قُتِلَ فيه عمُّهُ حمزةُ بن عبدِ المُطّلبِ أسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ)
[البحار: ج22]
قطعاً حين يقولُ الإمام: (ما مِن يومٍ أشدُّ على رسولِ الله) هو لا يتحدّثُ هُنا بشكلٍ مُطلَق، وإنّما يتحدّثُ عن أيّامِ حياةِ النبي،
يعني؛ ما مِن يومٍ مِن أيّامِ حياةِ النبيِّ الّتي عاشها زمن بعثتِهِ الأولى أشدُّ عليه مِن يومِ أُحُد..لأنّه اليومُ الّذي قُتِلَ فيه عمُّهُ الحمزة..وإلّا فإنّ يومَ الحُسين لا يُقاسُ به يومٌ أبداً،
ولكن الحديثَ هُنا عن زمنِ النبيّ وعن مقتلِ الحمزة
وأحاديثُ العترةِ تُخبِرُنا أنّ الحمزةَ قد قُتِل بطريقةٍ بشعةٍ جدّاً..حيثُ غدر به وحشيُّ ذلك العبدُ الّلعين..ثمّ جاءت هندُ أمُّ معاوية ومثّلت بجسدِهِ الشريف تمثيلاً فظيعاً!
وقد حزِنَ رسولُ اللهِ حُزناً شديداً على عمِّهِ الحمزة..وهذا الحزنُ الشديدُ يُنبِئُنا عن الفراغِ الّذي ترَكَهُ الحمزةُ أسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ!
ولِخُصوصيّةِ الحمزةِ فإنّ رسولَ اللهِ حين صلّى عليه صلاةَ الجنازة..صلّى به صلاةً على غيرِ المُتعارف؛ فقد صلّى عليه بسبعين تكبيرة كما يقولُ سيّدُ الأوصياءِ في إحدى رسائلِهِ لمعاوية وهو يتحدّثُ فيها عن مناقبِ آلِ محمّد، يقول:
(حتّى إذا استُشهِد شهيدُنا-يشيرُ إلى الحمزة- قيل سيّدُ الشهداءِ وخصّهُ رسولُ اللهِ بسبعينَ تكبيرة عند صلاتِهِ عليه)
[نهج البلاغة]
2-فهذه خُصوصيّةٌ للحمزة صلواتُ اللهِ عليه،
فإنّ المُتعارفَ في الشريعةِ أنّ الصلاةَ على الأمواتِ تكونُ بخمسِ تكبيرات..لكنّ رسولَ اللهِ صلّى على الحمزةِ بسبعينَ تكبيرة،
بل إنّ أحاديثَ العترةِ تقول أنّ رسولَ اللهِ صلّى على الحمزةِ سبعين صلاةً بسبعين تكبيرة كما يقولُ إمامُنا الباقر:
(دفن رسولُ اللهِ عمَّهُ حمزةَ في ثيابِهِ بدمائه الّتي أُصيبَ فيها، وردَّاهُ النبيُّ برداءٍ، فقَصُرَ عن رجليه، فدعا له بإذخِر -أي حشيش أخضر- فطَرَحهُ عليه، فصلّى عليه سبعينَ صلاة، وكبّر عليه سبعين تكبيرة)
[الكافي: ج3]
لعلّ المُرادَ مِن السبعين صلاة أي سبعين تكبيرة،
فهذه الصورةُ (وهي صلاةُ رسولِ اللهِ على الحمزة سبعين مرّة بسبعين تكبيرة) لها ما لها مِن الدلالات..ولكن أقلُّ ما يُمكِنُنا أن نقولَهُ هُنا هو أنّ رسولَ اللهِ أراد أن يُلفِتَ أنظارَ الأُمّةِ جميعاً إلى منزلةِ الحمزةِ صلواتُ الله عليه،
فهذه القضيّةُ تكشفُ عن شِدّةِ حُبِّ رسولِ اللهِ للحمزة، وتكشِفُ عن شِدّةِ حُزنِ رسولِ اللهِ وأسفِهِ وحسرتِهِ على عمِّهِ الحمزة.
وحين نتحدّثُ عن حُبِّ رسولِ اللهِ وعن حُزنِهِ..إنّنا لا نتحدّثُ عن شخصٍ عاديٍّ مِن أمثالِنا..إنّنا نتحدّثُ عن سيّدِ الكائناتِ الّذي هو نفسُ أميرِ المُؤمنين،
وأميرُ المؤمنينَ يقول: (أنا قلبُ اللهِ الواعي)
فنحنُ نتحدّثُ عن مُحمّدٍ الّذي هو قلبُ اللهِ الواعي،
فحينما يُحِبُّ قلبُ رسولِ اللهِ شخصاً لهذه الدرجةِ ويحزنُ عليه لهذه الدرجة..
3-فذلك يكشِفُ عن منزلةٍ عاليةٍ لذلك الشخصِ عند اللهِ لا نستطيعُ تصوُّرها
ملاحظة:
مِن مراتبِ الحمزةِ وألقابِهِ: أنّه سيّدُ الشُهداء وخيرُ الشُهداء كما وصَفُهُ سيّدُ الأوصياء..ولكن لابُدَّ أن نلتفتَ إلى أنّ الحمزةَ هو سيّدُ الشُهداءِ في حدٍّ مُعيّن إلى وقتِهِ،
أمّا سيّدُ الشُهداءِ على الإطلاقِ فهو الحسينُ"صلواتُ اللهِ عليه"
4-وهذه خصوصية اخرى
- لقطةٌ أُخرى تُحدّثنا عن المنزلةِ العاليةِ للحمزة: وهي أنّ الاعتقادَ بمنزلةِ الحمزة هو مِن جُملةِ العقائدِ الّتي سيُسألُ عنها الإنسانُ في قبره، كما يقولُ إمامُنا الصادق:
(لَمّا هاجر النبيُّ إلى المدينةِ وحضر خُروجَهُ إلى بدر دعا الناسَ إِلى البيعةِ فبايع كُلُّهم على السمعِ والطاعة)
هذه بيعةٌ عامةٌ لجميعِِِ المُسلمين..دعا إليها رسولُ اللهِ قبل خروجِهِ إلى غزوةِ بدر، وقد بايع فيها الجميعُ بما فيهم عليٌّ وفاطِمةُ والحمزة
ولكنّ رسولَ اللهِ عقد بيعةً أُخرى خاصّة لخواصِّهِ، وقد بايع فيها عليٌّ وفاطِمةُ والحمزةُ بشكلٍ خاص (بعد أن كانوا قد بايعوا بيعةً عامّة مع الجميع) كما يُبيّنُ ذلك إمامُنا الصادق في تتمّةِ الرواية فيقول:
(ثمّ دعا رسولُ اللهِ عليّاً وحمزةَ وفاطِمة، فقال لهم: بايعوني بيعةَ الرضا -هذه بيعةٌ خاصّة- فقال حمزةُ: بأبي أنت وأمّي على ما نُبايع؟ أليس قد بايعنا؟ -يعني في البيعةِ العامّة- فقال النبي:
يا أسدَ اللهِ وأسدَ رسولِهِ؛ تُبايعُ للهِ ولرسولِهِ بالوفاءِ والاستقامةِ لابنِ أخيك، إذن تستكمِلُ الإيمان،
قال: نعم سمعاً وطاعة، وبسط يدَهُ، فقال لهم: يدُ اللهِ فوقَ أيديكم)
[البحار: ج22]
5-هذه بيعةُ الرضا بيعةٌ خاصّة،
البيعةُ مع الناس جميعاً كانت بيعةً على السمعِ والطاعةِ في الحربِ والسِلم، لأنّ النبيَّ كان خارجاً للحرب في بدر، لذلك دعاهم إلى بيعةٍ عامّة على السمعِ والطاعةِ وعلى الاتِّباعِ في الحربِ والسِلم،
أمّا البيعةُ الخاصّةُ فكانت لخواصِّ النبيِّ عليٌّ وفاطِمة، والحمزةُ معهُم أيضاً،
وذكر لهُم رسولُ اللهِ نصَّ ميثاقِ البيعة، وقد جاء فيه:
(عليٌّ أميرُ المُؤمنين، وحمزةُ سيّدُ الشُهداء، وجعفرُ الطيّارُ في الجنّة، وفاطِمةُ سيّدةُ نساءِ العالمين، والسبطانِ الحسنُ والحسينُ سيّدا شبابِ أهلِ الجنّة..)
يعني أخذ مِنهم البيعةَ على الاعتقادِ بهذه الأُمور..والروايةُ مُفصّلة وتُبيّنُ بشكلٍ واضح أنّ الاعتقادَ بمنزلةِ الحمزةِ مِن جُملةِ العقائدِ الّتي سيُسألُ عنها الإنسانُ في قبرِهِ،
فإنّ رسولَ اللهِ قبل خُروجِهِ إلى أُحُد حيثُ استشهِدَ الحمزة، قال للحمزة:
(يا حمزةُ، تشهدُ أن لا إله إلّا الله مُخلِصاً وأنّي رسولُ الله تعالى بالحَقِّ... وأنّ عليّاً أميرَ المُؤمنين..) وذكرَ الزهراء والأئمّةَ جميعاً.. إلى أن يقول:
(وتشهدُ أنّ حمزةَ سيّدُ الشُهداء وأسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ وعمُّ نبيّه..فبكى حمزةُ حتّى سقط على وجهِهِ وجعل يُقبِّلُ عيني رسولِ اللهِ) إلى بقيّةِ التفاصيل
فهذه الروايةُ تُشيرُ أيضاً إلى منزلةٍ عاليةٍ للحمزة..حيثُ قُرِنَ فيها الحمزةُ إلى عليٍّ وفاطِمةَ في بيعةِ الرضا وهي بيعةٌ خاصّةٌ لا كبيعةِ عامّةِ المُسلمين قبل خُروجِهِم لمعركةِ بدر،
ومِن جملةِ تفاصيلِ بيعةِ الرضا: أن جاء ذِكرُ الحمزةِ في ميثاقِ عقيدتِها: (أنّ الحمزةَ سيّدُ الشهداء)
ولمّا أراد رسولُ اللهِ الخُروجَ إلى أُحُد حيث استُشهِدَ الحمزةُ فيها..فإنّ رسولَ اللهِ جدّدَ على الحمزةِ عقيدتَهُ..وكان مِن جُملةِ العقيدةِ الّتي جدّدها عليه رسولُ اللهِ هو أن يُقِرَّ الحمزةُ بنفسِهِ بأنّه سيّدُ الشُهداء،
مِثلما يُخاطِبُ رسولَ اللهِ نفسَهُ في الصلاةِ في بعضِ الأحيان فيقولُ في التشهّد: (وأشهدُ أنّي عبدُ اللهِ ورسولُهُ)
وإذا قال رسولُ اللهِ في الصلاة: (وأشهدُ أنّ محمّداً عبدُهُ ورَسولُهُ) فذلك لأجلِ تعليمِ المسلمين لأنّ المسلمين يقتدون به
6- صورةٌ أخرى تُبيّنُ لنا أيضاً عظمةَ مقامِ الحمزة: وهي اقترانُ مِسبحةِ الزهراءِ بطِينِ قبرِ الحمزة.
فأحاديثُ العِترةِ تُخبِرُنا أنّ الصِدّيقةَ الكُبرى قبل شهادةِ الحمزة كانت تستخدمُ في تسبيحِها الشريف خيطاً مِن الصوفِ الأزرق عقدتْهُ عُقَداً بعددِ تكبيراتِ تسبيحِها..تلك هي مِسبحةُ فاطِمة،
ولكن بعد استشهادِ الحمزة..فإنّ الزهراءَ صنعت لها مِسبحةً مِن خَرَز..وهذا الخَرَزُ كان مِن طِينِ قبرِ الحمزة..وجرت السُنّةُ بعد ذلك أنّ المُؤمنين يصنعون مسابِحَهُم مِن طينِ قبرِ الحمزة..إلى أن قُتِلَ سيّدُ الشُهداء، فأخذ أهلُ البيتِ وأشياعُهُم بعد ذلك يصنعون مسابِحَهُم مِن طِينِ قبرِ الحسين(ع).
فهذه المِسبحةُ الّتي قُرِنت بالتسبيحِ الزهرائيِّ المعروف الّذي له ما له مِن الخُصوصيّةِ والفضل..اقترنت هذه المِسبحةُ بالحمزةِ وبطِينِ قبرِهِ الشريف، وفي ذلك إشارةٌ واضحةٌ لعظمةِ مقامِ الحمزةِ صلواتُ اللهِ عليه،
فطينُ قبرِ الحمزةِ يُمازجُ تسبيحَ فاطِمة..ما بين ملامسِ يدِها الطاهرةِ على طينِ قبرِ عمِّ رسولِ اللهِ وما بين ما تفيضُ به شِفاهُها من ذِكرِ تسبيحِها وتهليلِها وتكبيرِها،
إنّها الزهراءُ الزاهرة، إنّها مُهجةُ محمّدٍ..إنّها رُوحُهُ الّتي بين جنبيه،
فكُلُّ هذا وغيرُهُ يُنبِئُنا عن قُدسِ ذلك الطِين.. وقُدسُ ذلك الطِين يُنبئُنا عن عظمةِ ذلك القبر.. وعظمةُ ذلك القبرِ تُنبِئُنا عن عظمةِ صاحبِهِ؛ أسدِ اللهِ وأسدِ رسولِهِ،
فالزهراءُ صنعت مِسبحتَها مِن طينِ قبرِهِ،
7- زيارة الزهراء لقبره:
وقد جاورت الزهراءُ قبرَهُ أيضاً في زياراتِها المُتكرِّرة (في أيّامِ أبيها رسولِ الله) فقد كانت تزورُ قبرَ الحمزةِ في كُلِّ سبتٍ مِن كُلِّ أسبوع كما يقولُ إمامُنا الصادق:
(إنّ فاطِمة"عليها السلام" كانت تأتي قُبُورَ الشُهَداءِ في كُلِّ غَداةِ سبْت-أي صباحَ كُلِّ سبت- فتأتي قبر الحمزةِ وتترحّمُ عليه وتستغفِرُ له)
[تهذيب الأحكام]
وهذا الاستغفارُ والترحُّمُ مِن فاطِمةَ على الحمزة له مِن المعاني والدِلالاتِ مِمّا لا تُحيطُ به عُقُولُنا!
أيضاً يقولُ إمامُنا الصادق:
(عاشت فاطِمةُ بعد رسولِ اللهِ خمسةً وسبعين يوماً لم تُرَ كاشرة -أي لم تُرَ مُبتسِمةً- ولا ضاحِكة، تأتي قُبورَ الشُهداءِ في كُلِّ جُمعةٍ -أي في كُلِّ أسبوع- مرّتين: الاثنين والخميس، فتقول: ههُنا كان رسولُ اللهِ وههُنا كان المشركون)
[الكافي: ج1]
الروايةُ تُبيّنُ لنا أنّ الصِدّيقةَ الكُبرى وهي في تلك الظُروفِ القاهرة حيثُ كانت جريحةً مِن آلامِ فقدِ رسولِ الله، وجريحةً مِن الظُلمِ الّذي جرى على أميرِ المُؤمنين، وكانت جريحةً في بدنِها الطاهر بعد أن عذّبوها وضربوها وأهانوها ولفّعُوها بالسياطِ وجرى الّذي جرى عليها مِن ظُلمٍ وقهر! فإنّها مع كُلِّ تلك الآلام كانت تزورُ الحمزةَ في الأسبوع مرّتين.. بينما في أيّامِ أبيها كانت تزورُهُ في الأسبوع مرّة،
فالزهراءُ وهي في تلك الظروفِ العصيبةِ تُريد أن تلفِتَ أنظارَنا إلى منزلةِ الحمزةِ صلواتُ اللهِ عليه،
إنَّها تقولُ لنا حينما كُنتُ مِن دونِ جراحاتٍ ومِن دونِ آلامٍ كُنتُ أزورُهُ مرّةً في الأسبوع،
وبعد أن جرى عليَّ ما جرى إنّني أجدِّدُ العهدَ بزيارةِ قبرِ الحمزة مرّتين في الأسبوع،
كُلُّ هذه الإشاراتِ والرُموز وكُلُّ هذه الّلقطاتِ تُنبينا عن عظمةِ منزلةِ الحمزةِ عند مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ صلواتُ اللهِ عليهم
8- أصل طينة حمزة:
فحمزةُ في أصلِهِ.. هو مِن طِينةٍ هي في أجواءِ طِينةِ مُحمّد،
قطعاً نحنُ لا نعتقدُ أنّ طِينةَ الحمزةَ هي مِن نفس طِينةِ محمّدٍ الأصل، طِينةُ مُحمّدٍ الأصل هي طينةُ الأئمّةِ الأربعة عشر فقط فقط.. أمّا طينةُ الحمزةِ وغيرِهِ مِن أولياءِ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ هي طِينةٌ في فناءِ تلك الطِينة،
فكما أنّ طينَ قبرِ الحمزةِ له خُصوصيّةٌ..فطينةُ الحمزةِ الّتي خُلِقَ مِنها لها خُصوصيّةٌ أيضاً..فهي طينةٌ"مرحومة" في أجواءِ طِينةِ محمّدٍ وآل محمّدٍ "صلواتُ اللهِ عليهم" كما يقولُ رسولُ اللهِ في حديثٍ له:
(ألا إنّي خُلِقْتُ مِن طِينةٍ مرحومةٍ في أربعةٍ مِن أهلِ بيتي؛ أنا وعليٌّ وحمزةُ وجعفر..)
[البحار: ج22].
اَللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ وَعَجِّل لَّنَا ظُهُورَهُ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً).
اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وَألعَن عَدِوَّهُم
السَلامُ عَلَيْكُم وَرَحمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه
هنالك العديد من صُوَرٌ ولَقَطَاتٌ مِن حديثِ العِترة..تُحدِّثُنا عن المقامِ الرفيعِ للحمزةِ عمِّ رسولِ اللهِ بين أولياءِ أهلِ البيت(عليهم السلام):
الحمزةُ بن عبدِ المُطّلب (عمُّ نبيِّنا الأعظم -ص-) شخصيّةٌ يُحبُّها رسولُ اللهِ وأميرُ المُؤمنين وفاطِمةَ وآلُ فاطِمةَ صلواتُ اللهِ عليهم،
شخصيّةٌ لها منزلةٌ رفيعةٌ ومقامٌ عالٍ بين أولياءِ أهلِ البيت.
كان الحمزةُ مُسلِماً على دينِ الحنيفيّةِ مِثلما كان الهاشميّون على دينِ الحنيفيّة، وكان والدِهُ عبدُ المُطّلبِ وصيّاً مِن أوصياءِ إبراهيم مِثل أبي طالب،
وأهلُ البيتِ أخبرونا بأنّ أوصياءَ إبراهيم كُلُّهُم أنبياء..فعبدُ المُطّلبِ وأبو طالبٍ كانا نبيّينِ لأنّهُما مِن أوصياءِ إبراهيم
سنقِفُ هُنا عند لقطاتٍ مُختارة مِن حديثِ العترةِ تُحدِّثُنا عن المقامِ الرفيعِ للحمزة
1- الّخصوصية الأولى :
يُحدّثُنا عنها إمامُنا السجّاد فيقول:
(ما مِن يومٍ أشدُّ على رسولِ اللهِ مِن يومِ أُحُد، قُتِلَ فيه عمُّهُ حمزةُ بن عبدِ المُطّلبِ أسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ)
[البحار: ج22]
قطعاً حين يقولُ الإمام: (ما مِن يومٍ أشدُّ على رسولِ الله) هو لا يتحدّثُ هُنا بشكلٍ مُطلَق، وإنّما يتحدّثُ عن أيّامِ حياةِ النبي،
يعني؛ ما مِن يومٍ مِن أيّامِ حياةِ النبيِّ الّتي عاشها زمن بعثتِهِ الأولى أشدُّ عليه مِن يومِ أُحُد..لأنّه اليومُ الّذي قُتِلَ فيه عمُّهُ الحمزة..وإلّا فإنّ يومَ الحُسين لا يُقاسُ به يومٌ أبداً،
ولكن الحديثَ هُنا عن زمنِ النبيّ وعن مقتلِ الحمزة
وأحاديثُ العترةِ تُخبِرُنا أنّ الحمزةَ قد قُتِل بطريقةٍ بشعةٍ جدّاً..حيثُ غدر به وحشيُّ ذلك العبدُ الّلعين..ثمّ جاءت هندُ أمُّ معاوية ومثّلت بجسدِهِ الشريف تمثيلاً فظيعاً!
وقد حزِنَ رسولُ اللهِ حُزناً شديداً على عمِّهِ الحمزة..وهذا الحزنُ الشديدُ يُنبِئُنا عن الفراغِ الّذي ترَكَهُ الحمزةُ أسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ!
ولِخُصوصيّةِ الحمزةِ فإنّ رسولَ اللهِ حين صلّى عليه صلاةَ الجنازة..صلّى به صلاةً على غيرِ المُتعارف؛ فقد صلّى عليه بسبعين تكبيرة كما يقولُ سيّدُ الأوصياءِ في إحدى رسائلِهِ لمعاوية وهو يتحدّثُ فيها عن مناقبِ آلِ محمّد، يقول:
(حتّى إذا استُشهِد شهيدُنا-يشيرُ إلى الحمزة- قيل سيّدُ الشهداءِ وخصّهُ رسولُ اللهِ بسبعينَ تكبيرة عند صلاتِهِ عليه)
[نهج البلاغة]
2-فهذه خُصوصيّةٌ للحمزة صلواتُ اللهِ عليه،
فإنّ المُتعارفَ في الشريعةِ أنّ الصلاةَ على الأمواتِ تكونُ بخمسِ تكبيرات..لكنّ رسولَ اللهِ صلّى على الحمزةِ بسبعينَ تكبيرة،
بل إنّ أحاديثَ العترةِ تقول أنّ رسولَ اللهِ صلّى على الحمزةِ سبعين صلاةً بسبعين تكبيرة كما يقولُ إمامُنا الباقر:
(دفن رسولُ اللهِ عمَّهُ حمزةَ في ثيابِهِ بدمائه الّتي أُصيبَ فيها، وردَّاهُ النبيُّ برداءٍ، فقَصُرَ عن رجليه، فدعا له بإذخِر -أي حشيش أخضر- فطَرَحهُ عليه، فصلّى عليه سبعينَ صلاة، وكبّر عليه سبعين تكبيرة)
[الكافي: ج3]
لعلّ المُرادَ مِن السبعين صلاة أي سبعين تكبيرة،
فهذه الصورةُ (وهي صلاةُ رسولِ اللهِ على الحمزة سبعين مرّة بسبعين تكبيرة) لها ما لها مِن الدلالات..ولكن أقلُّ ما يُمكِنُنا أن نقولَهُ هُنا هو أنّ رسولَ اللهِ أراد أن يُلفِتَ أنظارَ الأُمّةِ جميعاً إلى منزلةِ الحمزةِ صلواتُ الله عليه،
فهذه القضيّةُ تكشفُ عن شِدّةِ حُبِّ رسولِ اللهِ للحمزة، وتكشِفُ عن شِدّةِ حُزنِ رسولِ اللهِ وأسفِهِ وحسرتِهِ على عمِّهِ الحمزة.
وحين نتحدّثُ عن حُبِّ رسولِ اللهِ وعن حُزنِهِ..إنّنا لا نتحدّثُ عن شخصٍ عاديٍّ مِن أمثالِنا..إنّنا نتحدّثُ عن سيّدِ الكائناتِ الّذي هو نفسُ أميرِ المُؤمنين،
وأميرُ المؤمنينَ يقول: (أنا قلبُ اللهِ الواعي)
فنحنُ نتحدّثُ عن مُحمّدٍ الّذي هو قلبُ اللهِ الواعي،
فحينما يُحِبُّ قلبُ رسولِ اللهِ شخصاً لهذه الدرجةِ ويحزنُ عليه لهذه الدرجة..
3-فذلك يكشِفُ عن منزلةٍ عاليةٍ لذلك الشخصِ عند اللهِ لا نستطيعُ تصوُّرها
ملاحظة:
مِن مراتبِ الحمزةِ وألقابِهِ: أنّه سيّدُ الشُهداء وخيرُ الشُهداء كما وصَفُهُ سيّدُ الأوصياء..ولكن لابُدَّ أن نلتفتَ إلى أنّ الحمزةَ هو سيّدُ الشُهداءِ في حدٍّ مُعيّن إلى وقتِهِ،
أمّا سيّدُ الشُهداءِ على الإطلاقِ فهو الحسينُ"صلواتُ اللهِ عليه"
4-وهذه خصوصية اخرى
- لقطةٌ أُخرى تُحدّثنا عن المنزلةِ العاليةِ للحمزة: وهي أنّ الاعتقادَ بمنزلةِ الحمزة هو مِن جُملةِ العقائدِ الّتي سيُسألُ عنها الإنسانُ في قبره، كما يقولُ إمامُنا الصادق:
(لَمّا هاجر النبيُّ إلى المدينةِ وحضر خُروجَهُ إلى بدر دعا الناسَ إِلى البيعةِ فبايع كُلُّهم على السمعِ والطاعة)
هذه بيعةٌ عامةٌ لجميعِِِ المُسلمين..دعا إليها رسولُ اللهِ قبل خروجِهِ إلى غزوةِ بدر، وقد بايع فيها الجميعُ بما فيهم عليٌّ وفاطِمةُ والحمزة
ولكنّ رسولَ اللهِ عقد بيعةً أُخرى خاصّة لخواصِّهِ، وقد بايع فيها عليٌّ وفاطِمةُ والحمزةُ بشكلٍ خاص (بعد أن كانوا قد بايعوا بيعةً عامّة مع الجميع) كما يُبيّنُ ذلك إمامُنا الصادق في تتمّةِ الرواية فيقول:
(ثمّ دعا رسولُ اللهِ عليّاً وحمزةَ وفاطِمة، فقال لهم: بايعوني بيعةَ الرضا -هذه بيعةٌ خاصّة- فقال حمزةُ: بأبي أنت وأمّي على ما نُبايع؟ أليس قد بايعنا؟ -يعني في البيعةِ العامّة- فقال النبي:
يا أسدَ اللهِ وأسدَ رسولِهِ؛ تُبايعُ للهِ ولرسولِهِ بالوفاءِ والاستقامةِ لابنِ أخيك، إذن تستكمِلُ الإيمان،
قال: نعم سمعاً وطاعة، وبسط يدَهُ، فقال لهم: يدُ اللهِ فوقَ أيديكم)
[البحار: ج22]
5-هذه بيعةُ الرضا بيعةٌ خاصّة،
البيعةُ مع الناس جميعاً كانت بيعةً على السمعِ والطاعةِ في الحربِ والسِلم، لأنّ النبيَّ كان خارجاً للحرب في بدر، لذلك دعاهم إلى بيعةٍ عامّة على السمعِ والطاعةِ وعلى الاتِّباعِ في الحربِ والسِلم،
أمّا البيعةُ الخاصّةُ فكانت لخواصِّ النبيِّ عليٌّ وفاطِمة، والحمزةُ معهُم أيضاً،
وذكر لهُم رسولُ اللهِ نصَّ ميثاقِ البيعة، وقد جاء فيه:
(عليٌّ أميرُ المُؤمنين، وحمزةُ سيّدُ الشُهداء، وجعفرُ الطيّارُ في الجنّة، وفاطِمةُ سيّدةُ نساءِ العالمين، والسبطانِ الحسنُ والحسينُ سيّدا شبابِ أهلِ الجنّة..)
يعني أخذ مِنهم البيعةَ على الاعتقادِ بهذه الأُمور..والروايةُ مُفصّلة وتُبيّنُ بشكلٍ واضح أنّ الاعتقادَ بمنزلةِ الحمزةِ مِن جُملةِ العقائدِ الّتي سيُسألُ عنها الإنسانُ في قبرِهِ،
فإنّ رسولَ اللهِ قبل خُروجِهِ إلى أُحُد حيثُ استشهِدَ الحمزة، قال للحمزة:
(يا حمزةُ، تشهدُ أن لا إله إلّا الله مُخلِصاً وأنّي رسولُ الله تعالى بالحَقِّ... وأنّ عليّاً أميرَ المُؤمنين..) وذكرَ الزهراء والأئمّةَ جميعاً.. إلى أن يقول:
(وتشهدُ أنّ حمزةَ سيّدُ الشُهداء وأسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ وعمُّ نبيّه..فبكى حمزةُ حتّى سقط على وجهِهِ وجعل يُقبِّلُ عيني رسولِ اللهِ) إلى بقيّةِ التفاصيل
فهذه الروايةُ تُشيرُ أيضاً إلى منزلةٍ عاليةٍ للحمزة..حيثُ قُرِنَ فيها الحمزةُ إلى عليٍّ وفاطِمةَ في بيعةِ الرضا وهي بيعةٌ خاصّةٌ لا كبيعةِ عامّةِ المُسلمين قبل خُروجِهِم لمعركةِ بدر،
ومِن جملةِ تفاصيلِ بيعةِ الرضا: أن جاء ذِكرُ الحمزةِ في ميثاقِ عقيدتِها: (أنّ الحمزةَ سيّدُ الشهداء)
ولمّا أراد رسولُ اللهِ الخُروجَ إلى أُحُد حيث استُشهِدَ الحمزةُ فيها..فإنّ رسولَ اللهِ جدّدَ على الحمزةِ عقيدتَهُ..وكان مِن جُملةِ العقيدةِ الّتي جدّدها عليه رسولُ اللهِ هو أن يُقِرَّ الحمزةُ بنفسِهِ بأنّه سيّدُ الشُهداء،
مِثلما يُخاطِبُ رسولَ اللهِ نفسَهُ في الصلاةِ في بعضِ الأحيان فيقولُ في التشهّد: (وأشهدُ أنّي عبدُ اللهِ ورسولُهُ)
وإذا قال رسولُ اللهِ في الصلاة: (وأشهدُ أنّ محمّداً عبدُهُ ورَسولُهُ) فذلك لأجلِ تعليمِ المسلمين لأنّ المسلمين يقتدون به
6- صورةٌ أخرى تُبيّنُ لنا أيضاً عظمةَ مقامِ الحمزة: وهي اقترانُ مِسبحةِ الزهراءِ بطِينِ قبرِ الحمزة.
فأحاديثُ العِترةِ تُخبِرُنا أنّ الصِدّيقةَ الكُبرى قبل شهادةِ الحمزة كانت تستخدمُ في تسبيحِها الشريف خيطاً مِن الصوفِ الأزرق عقدتْهُ عُقَداً بعددِ تكبيراتِ تسبيحِها..تلك هي مِسبحةُ فاطِمة،
ولكن بعد استشهادِ الحمزة..فإنّ الزهراءَ صنعت لها مِسبحةً مِن خَرَز..وهذا الخَرَزُ كان مِن طِينِ قبرِ الحمزة..وجرت السُنّةُ بعد ذلك أنّ المُؤمنين يصنعون مسابِحَهُم مِن طينِ قبرِ الحمزة..إلى أن قُتِلَ سيّدُ الشُهداء، فأخذ أهلُ البيتِ وأشياعُهُم بعد ذلك يصنعون مسابِحَهُم مِن طِينِ قبرِ الحسين(ع).
فهذه المِسبحةُ الّتي قُرِنت بالتسبيحِ الزهرائيِّ المعروف الّذي له ما له مِن الخُصوصيّةِ والفضل..اقترنت هذه المِسبحةُ بالحمزةِ وبطِينِ قبرِهِ الشريف، وفي ذلك إشارةٌ واضحةٌ لعظمةِ مقامِ الحمزةِ صلواتُ اللهِ عليه،
فطينُ قبرِ الحمزةِ يُمازجُ تسبيحَ فاطِمة..ما بين ملامسِ يدِها الطاهرةِ على طينِ قبرِ عمِّ رسولِ اللهِ وما بين ما تفيضُ به شِفاهُها من ذِكرِ تسبيحِها وتهليلِها وتكبيرِها،
إنّها الزهراءُ الزاهرة، إنّها مُهجةُ محمّدٍ..إنّها رُوحُهُ الّتي بين جنبيه،
فكُلُّ هذا وغيرُهُ يُنبِئُنا عن قُدسِ ذلك الطِين.. وقُدسُ ذلك الطِين يُنبئُنا عن عظمةِ ذلك القبر.. وعظمةُ ذلك القبرِ تُنبِئُنا عن عظمةِ صاحبِهِ؛ أسدِ اللهِ وأسدِ رسولِهِ،
فالزهراءُ صنعت مِسبحتَها مِن طينِ قبرِهِ،
7- زيارة الزهراء لقبره:
وقد جاورت الزهراءُ قبرَهُ أيضاً في زياراتِها المُتكرِّرة (في أيّامِ أبيها رسولِ الله) فقد كانت تزورُ قبرَ الحمزةِ في كُلِّ سبتٍ مِن كُلِّ أسبوع كما يقولُ إمامُنا الصادق:
(إنّ فاطِمة"عليها السلام" كانت تأتي قُبُورَ الشُهَداءِ في كُلِّ غَداةِ سبْت-أي صباحَ كُلِّ سبت- فتأتي قبر الحمزةِ وتترحّمُ عليه وتستغفِرُ له)
[تهذيب الأحكام]
وهذا الاستغفارُ والترحُّمُ مِن فاطِمةَ على الحمزة له مِن المعاني والدِلالاتِ مِمّا لا تُحيطُ به عُقُولُنا!
أيضاً يقولُ إمامُنا الصادق:
(عاشت فاطِمةُ بعد رسولِ اللهِ خمسةً وسبعين يوماً لم تُرَ كاشرة -أي لم تُرَ مُبتسِمةً- ولا ضاحِكة، تأتي قُبورَ الشُهداءِ في كُلِّ جُمعةٍ -أي في كُلِّ أسبوع- مرّتين: الاثنين والخميس، فتقول: ههُنا كان رسولُ اللهِ وههُنا كان المشركون)
[الكافي: ج1]
الروايةُ تُبيّنُ لنا أنّ الصِدّيقةَ الكُبرى وهي في تلك الظُروفِ القاهرة حيثُ كانت جريحةً مِن آلامِ فقدِ رسولِ الله، وجريحةً مِن الظُلمِ الّذي جرى على أميرِ المُؤمنين، وكانت جريحةً في بدنِها الطاهر بعد أن عذّبوها وضربوها وأهانوها ولفّعُوها بالسياطِ وجرى الّذي جرى عليها مِن ظُلمٍ وقهر! فإنّها مع كُلِّ تلك الآلام كانت تزورُ الحمزةَ في الأسبوع مرّتين.. بينما في أيّامِ أبيها كانت تزورُهُ في الأسبوع مرّة،
فالزهراءُ وهي في تلك الظروفِ العصيبةِ تُريد أن تلفِتَ أنظارَنا إلى منزلةِ الحمزةِ صلواتُ اللهِ عليه،
إنَّها تقولُ لنا حينما كُنتُ مِن دونِ جراحاتٍ ومِن دونِ آلامٍ كُنتُ أزورُهُ مرّةً في الأسبوع،
وبعد أن جرى عليَّ ما جرى إنّني أجدِّدُ العهدَ بزيارةِ قبرِ الحمزة مرّتين في الأسبوع،
كُلُّ هذه الإشاراتِ والرُموز وكُلُّ هذه الّلقطاتِ تُنبينا عن عظمةِ منزلةِ الحمزةِ عند مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ صلواتُ اللهِ عليهم
8- أصل طينة حمزة:
فحمزةُ في أصلِهِ.. هو مِن طِينةٍ هي في أجواءِ طِينةِ مُحمّد،
قطعاً نحنُ لا نعتقدُ أنّ طِينةَ الحمزةَ هي مِن نفس طِينةِ محمّدٍ الأصل، طِينةُ مُحمّدٍ الأصل هي طينةُ الأئمّةِ الأربعة عشر فقط فقط.. أمّا طينةُ الحمزةِ وغيرِهِ مِن أولياءِ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ هي طِينةٌ في فناءِ تلك الطِينة،
فكما أنّ طينَ قبرِ الحمزةِ له خُصوصيّةٌ..فطينةُ الحمزةِ الّتي خُلِقَ مِنها لها خُصوصيّةٌ أيضاً..فهي طينةٌ"مرحومة" في أجواءِ طِينةِ محمّدٍ وآل محمّدٍ "صلواتُ اللهِ عليهم" كما يقولُ رسولُ اللهِ في حديثٍ له:
(ألا إنّي خُلِقْتُ مِن طِينةٍ مرحومةٍ في أربعةٍ مِن أهلِ بيتي؛ أنا وعليٌّ وحمزةُ وجعفر..)
[البحار: ج22].
اَللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ وَعَجِّل لَّنَا ظُهُورَهُ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً).
