قال تعالى: "إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" ﴿آل عمران: 175﴾
تعالج هذه الآية الكريمة مسألة الحرب النفسية التي يمارسها الشيطان وأتباعه في كل عصر ومصر، والتي تريد أن تزرع الخوف في النفوس، والوهن في الإرادة، مما يؤدي بالمجتمع المستهدف إلى الاستسلام، حتى قبل أن يخوض المواجهة مع المعتدين.
جاءت هذه الآية الكريمة بعد قوله تعالى: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿173﴾فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿آل عمران: 174﴾. حيث حاول المنافقون والمرجفون بثَّ الخوف في قلوب المؤمنين من عودة المشركين بقيادة أبي سفيان للإجهاز على من بقي منهم بعد معركة أحد التي نالهم فيها ما نالهم من قتل وجراح وخسائر، فجاءت الآية لتكشف الآلية النفسية التي يعمل بها الشيطان في المجتمعات المؤمنة: نشر الخوف من القوى المعادية حتى تتزلزل وتضعف إرادتها، فتنهار وتستسلم وتذعن للعدو.
إن الإنسان بين ولايتين لا ثالث لهما، فإما أن يكون ولِيًا لله، أو يكون وليًا للشيطان، فإن كان وليًا لله توكَّل عليه، فيكفيه الله ما يهمّه، ويربط على قلبه، فيملأه بالطمأنينة ولو كانت العواصف تحيط به من كلِّ حَدَب وصَوْب، ويسدِّده ويهيئ له الأسباب. وإن كان وليًا للشيطان ملأ قلبه بالخوف والفزع، الخوف من الموت والخسارة، والخوف وفقدان ما يحب.
والشيطان ليس هو ذاك الجِنّيُ الذي اسمه إبليس، بل هو كل طاغ متمَرِّد يأمر بالطغيان والتمرُّد على الحق وعلى إرادة الله تعالى، ولذلك ينطبق هذا المفهوم على إبليس وعلى كل شخص أو جماعة أو دولة أو وسيلة تأمر بالطغيان والتمرّد. وأولياؤه هم أتباعه، والمتأثِّرون بدعايته.
فالشيطان وهو هنا كل سياسي، أو إعلامي، أو وسيلة إعلامية يهوّل قوة الطغاة والظالمين، الشيطان هنا لا يستخدم قوة مادية، فلا يُطلِق القنابل، ولا يُغير بالطائرات، بل يكتفي بتضخيم الخطر في أذهان الفئة المستهدفة، يُطلق شائعات وأراجيف وأكاذيب، يهوِّن من قوة المؤمنين وثباتهم، ويزرع الشعور بالعجز في النفوس، ويضخم من قوة الأعداء وقدراتهم الخارقة، وهذا ما فعله شياطين الأمس واليوم في وسائلهم الإعلامية وما زالوا يفعلونه في هذه المواجهة الكبرى، يعتمدونه أداة من أدوات حربهم على المؤمنين الثابتين الصادقين.
إن قوة الباطل تعتمد غالباً على الخوف الذي يزرعه في النفوس أكثر من قوته الحقيقية. فالتخويف هو الأداة الأساسية التي يعتمد عليها ليتمكن من السيطرة على النفوس.
بينما قوة الإيمان تنطلق من تعميق الخوف من الله تعالى في المؤمن، وتحريره من الخوف من سواه، لأن سواه مهما عظمت قوته فإنه لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة، وعندما يتحرَّر المؤمنون من خوف ما سوى الله تعالى يثبتون أمام أعتى القوى والجيوش، ويقدرون على صناعة المعجزات كما هو الحاصل اليوم في هذه المواجهة التاريخية التي تخوضها فئة قليلة في مواجهة طواغيت الأرض.
-------------------------------
منقول
