حين غادر الأب غرفة التربية ودخلت الخوارزمية..

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابو محمد السيلاوي
    عضو ذهبي

    • 17-05-2013
    • 1483

    #1

    حين غادر الأب غرفة التربية ودخلت الخوارزمية..

    حين غادر الأب غرفة التربية ودخلت الخوارزمية..

    بقلمي

    لم تعد معركة الإنسان المعاصر على هويته تدور في المدرسة أو الشارع أو وسائل الإعلام التقليدية وحدها، بل انتقلت إلى مكان أكثر قرباً وخطورة: غرفة النوم.

    هناك، حيث يضع الإنسان هاتفه إلى جواره قبل أن ينام، وحيث تكون الشاشة أول ما تقع عليه عيناه عند الاستيقاظ، بدأت منظومة جديدة من التأثير تتشكل بهدوء. منظومة لا تحتاج إلى باب لتدخل منه، ولا إلى إذن من الأسرة، لأنها أصبحت موجودة داخل الجهاز الذي يحمله الأب والابن والأم والطفل.

    ولعل أخطر ما في الأمر أن مواقع التواصل لم تعد مجرد وسيلة للتواصل والترفيه؛ لقد تحولت إلى بيئة ثقافية وتربوية كاملة، تقدم للإنسان صوراً وأفكاراً وقيمًا وأنماط حياة بصورة متواصلة، حتى أصبح من الصعب أحياناً أن نعرف: هل نحن الذين نستخدم المنصة، أم أن المنصة هي التي تعيد تشكيلنا؟

    عندما يتراجع الأب

    في الماضي كان البيت المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الخطأ والصواب، والاحترام والمسؤولية، والحياء والشجاعة، والكرم والوفاء.

    لم يكن الأب والأم يقدمان للطفل المعلومات فقط، وإنما كانا يقدمان له نموذجاً للحياة.

    كان الطفل يرى أباه فيتعلم منه كيف يتحدث، وكيف يحترم الآخرين، وكيف يتعامل مع الخلاف، وكيف يتحمل المسؤولية. وكان يرى أمه فيتعلم منها الكثير من تفاصيل الحياة التي لا تُكتب في الكتب.

    أما اليوم فقد يحدث أن يكون الأب موجوداً في البيت، لكنه غائب عن حياة أبنائه.

    يجلس الأب إلى جانب ابنه، وكلاهما يحمل هاتفه.

    يتناولان الطعام، وكل واحد منهما ينظر إلى شاشة.

    يدخل الطفل غرفته، فترافقه الشاشة.

    يذهب إلى سريره، فترافقه الشاشة.

    وقبل أن ينام، قد يكون آخر حوار له في ذلك اليوم ليس مع أبيه أو أمه، وإنما مع عالم افتراضي لا تعرف الأسرة من يصنعه ولا ما أهدافه.

    وهنا لا يعود السؤال: أين الأب؟

    بل يصبح السؤال الأعمق:

    من الذي أصبح يقوم بدور الأب التربوي عندما تراجع الأب؟

    الخوارزمية لا تربي أبناءنا مجاناً

    الخوارزمية لا تهتم بتربية الإنسان وفق قيم أسرته أو مجتمعه.

    هي تهتم بإبقائه أطول فترة ممكنة أمام الشاشة.

    وكلما شاهد الإنسان شيئاً، أعطته المنصة شيئاً يشبهه أو يثير فضوله أكثر، ثم شيئاً آخر، وهكذا تتشكل دائرة من المحتوى المتكرر.

    قد يبدأ الأمر بمقطع للترفيه، ثم ينتقل إلى نمط حياة، ثم إلى أفكار، ثم إلى قناعات، ثم يصبح ذلك كله جزءاً من الشخصية.

    وهنا تكمن الخطورة.

    فالإنسان لا يتغير دائماً بسبب فكرة واحدة صادمة، وإنما قد يتغير بسبب التعرض المستمر لأفكار صغيرة حتى تصبح مألوفة.

    وما كان يراه غريباً بالأمس قد يصبح عادياً اليوم، وما كان يرفضه المجتمع قد يصبح موضوعاً للنقاش، ثم يصبح مقبولاً لدى البعض، وربما يتحول بعد ذلك إلى معيار يُقاس عليه الآخرون.

    أزمة الهوية

    الشعوب لا تفقد هويتها في يوم واحد.

    الهوية لا تنهار بضربة واحدة، وإنما تتآكل تدريجياً عندما يفقد الإنسان علاقته بلغته وتاريخه ودينه وأسرته وعاداته وقيمه.

    ولا يعني ذلك أن كل عادة قديمة صحيحة، ولا أن كل جديد خاطئ.

    فالهوية الحية قادرة على التطور، وقادرة على مراجعة أخطائها، وقادرة على الاستفادة من الحضارات الأخرى.

    لكن هناك فرقاً كبيراً بين التطور وبين أن يصبح الإنسان عاجزاً عن معرفة نفسه.

    المشكلة تبدأ عندما يصبح الشاب أكثر معرفة بثقافة المؤثر الذي يتابعه من معرفته بثقافة أسرته ومجتمعه، وعندما يصبح أكثر اهتماماً بما يراه على الشاشة من اهتمامه بما يحدث داخل بيته.

    عندها لا يعود الانفتاح على العالم إثراءً للهوية، وإنما يتحول إلى ذوبان فيها.

    ليس الهاتف هو المشكلة

    من الخطأ أن نحمل الهاتف وحده مسؤولية ما يحدث.

    الهاتف أداة.

    والإنترنت أداة.

    ومواقع التواصل أدوات.

    لكن المشكلة في الفراغ الذي تركناه حتى أصبحت هذه الأدوات تقوم بوظائف ليست من اختصاصها.

    إذا غاب الحوار الأسري، ستتولى الشاشة الحوار.

    إذا غابت القدوة، سيصبح المؤثر قدوة.

    إذا غابت القراءة، ستصبح المقاطع القصيرة مصدراً للمعرفة.

    إذا غاب النقاش الفكري، ستصبح التعليقات مصدراً لتكوين الموقف.

    وإذا غاب الأب عن دوره، فسيبحث الابن عن أبٍ رمزي في مكان آخر.

    التربية ليست مراقبة الهاتف

    ليس الحل أن يتحول الأب إلى شرطي يراقب هاتف ابنه طوال الوقت.

    فالرقابة ضرورية بحدودها، خصوصاً مع الأطفال، لكن الرقابة وحدها لا تصنع إنساناً واعياً.

    قد تمنع الابن من مشاهدة شيء أمامك، لكنه سيبحث عنه بعيداً عنك إذا لم تعطه سبباً مقنعاً للرفض.

    ولهذا فإن التربية الحقيقية ليست أن نقول للطفل:

    لا تفعل.

    وإنما أن نعلمه:

    لماذا لا تفعل؟

    أن نمنحه القدرة على التمييز.

    أن نعلمه أن الشهرة ليست دليلاً على الصواب.

    وأن كثرة المتابعين لا تعني أن صاحب المحتوى يمتلك الحقيقة.

    وأن انتشار السلوك لا يجعله أخلاقياً.

    وأن الحرية لا تعني غياب المسؤولية.

    وأن الانفتاح لا يعني التخلي عن الجذور.

    استعادة الأب لدوره

    نحن لا نستطيع العودة إلى زمن ما قبل الإنترنت، ولا ينبغي أن نفعل.

    العالم تغير، وأبناءنا يعيشون في هذا العالم.

    لكن المطلوب أن ندخل معهم إلى العالم الجديد، لا أن نتركهم وحدهم فيه.

    أن يعرف الأب ماذا يشاهد ابنه، لا من باب التجسس وإنما من باب الاهتمام.

    أن يتحدث معه.

    أن يسمعه.

    أن يناقشه.

    أن يسمح له بالسؤال حتى في الأمور التي قد تكون محرجة.

    فالطفل الذي يخاف من سؤال أبيه سيبحث عن الإجابة في مكان آخر.

    والشاب الذي لا يجد من يحاوره داخل البيت سيجد آلاف الأشخاص مستعدين لمحاورته على الإنترنت.

    وهنا قد يكون السؤال أكبر من الهاتف نفسه:

    من يملك عقل أبنائنا؟

    الأسرة هي خط الدفاع الأول

    إذا أردنا حماية منظومة القيم والأخلاق في المجتمعات الإسلامية، فلا يكفي أن نتحدث عن فساد المحتوى، ولا أن نهاجم مواقع التواصل، ولا أن نلوم الشباب.

    علينا أن نسأل أنفسنا أولاً:

    ماذا قدمنا لهم؟

    هل أعطيناهم نموذجاً أخلاقياً حقيقياً؟

    هل جلسنا معهم؟

    هل سمعنا أسئلتهم؟

    هل شرحنا لهم دينهم بدلاً من أن نطلب منهم حفظه فقط؟

    هل عرفناهم بتاريخهم وثقافتهم؟

    هل جعلنا البيت مكاناً يجدون فيه الأمان والحوار والمحبة؟

    أم أننا تركنا كل ذلك للمدرسة والهاتف والشارع؟

    إن الأسرة التي لا تربي أبناءها لن تستطيع أن تطلب من الإنترنت أن يقوم بهذه المهمة نيابة عنها.

    الخاتمة: لا تتركوا مقعد التربية شاغراً

    ربما تكون أكبر خسارة تواجه مجتمعاتنا اليوم ليست انتشار التكنولوجيا، وإنما غياب الإنسان الذي يستخدمها بوعي.

    فالتكنولوجيا لا تهدم الهوية وحدها، وإنما يستطيع الإنسان أن يسمح لها بذلك عندما يتخلى عن مسؤوليته.

    ولهذا فإن استعادة الهوية لا تبدأ بإغلاق الهاتف، وإنما تبدأ بإعادة فتح أبواب الحوار داخل البيت.

    لا تبدأ بمنع الأبناء من العالم، وإنما بتزويدهم بما يجعلهم قادرين على دخول العالم دون أن يفقدوا أنفسهم.

    ولا تبدأ بمحاربة الخوارزمية، وإنما باستعادة دور الأسرة.

    لأن الخوارزمية مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تمنح الطفل ما يستطيع أب حاضر أن يمنحه:

    القدوة، والحوار، والانتماء، والحب، والضمير.

    وحين يغيب الأب عن غرفة التربية، لن تبقى الغرفة فارغة طويلاً.

    سيأتي من يشغلها.

    وربما تكون الخوارزمية قد سبقت الجميع إلى ذلك.

    فالمعركة الحقيقية ليست على الهاتف الذي في يد الطفل، وإنما على الإنسان الذي سيتشكل خلف تلك الشاشة.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...