2026-11-04بينما تنشغل يداه بتوثيق تفاصيل المقتنيات وحفظ ملامحها للأجيال، تستوقف "ليث" قطعة أثرية مهيبة تتصف بجمال فريد. إذ تتملّكه مشاعر الانبهار وهو يتمعّن بباب مصنوع من الفضة المنقوشة، كان شاهدا على حقب وأجيال سالفة، عندما كان منصوبا لقرون في مدخل سرداب مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام في العتبة المقدسة. ذلك الباب الذي أثار اندهاش ليث بات أحد مقتنيات متحف الكفيل، وهو مصنوع من الخشب المكسي بحلّة من الفضة، تتهادى على سطحه زخارف نباتية نُفذّت بأسلوب النقش البارز، تتخلّلها آيات من الذكر الحكيم وكلمات دلالية. ويعمل "ليث حسين" الذي يشغل مسؤولية وحدة التوثيق اليدوي التابعة لشعبة التوثيق والأرشفة في قسم متحف العتبة العباسية المقدسة، على توثيق الباب الفضّي إلكترونيا عبر دراسة جميع تفاصيله. معلقا، "المهمة التي أعمل عليها تتمثّل بتوثيق هذه القطعة المتحفية، ابتداءً من القياسات ومواد الصنع وعمر الباب ومكان الصنع، فضلا عن توثيق شكل ونوع الزخارف التي نقشت عليه، وما موجود من توصيفات أخرى". مبينا، "تُوصف القطع وصفًا أكاديميًّا علميًّا وتُنزّل وتُحفظ، وفي بعض الأحيان قد نستعين بخبراء ومختصين من دول أجنبية أو عربية". ويشير مسؤول وحدة التوثيق اليدوي إلى، أنّ "طريقة حفظ المعلومات، لكلّ قطعة بطاقة معلومات وبيانات كاملة على وفق نظام إلكتروني حديث مبنيّ على استمارة معلومات". ويعود تاريخ هذا الباب إلى بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، وموقعه في الجهة الشرقية للحرم، وجرى رفعه في أثناء حملة إعمار العتبة العباسية المقدسة، إذ استُبدل يوم الخامس من جمادي الأولى سنة (1429ه) - (2008) بباب من الذهب. وتقع على عاتق شعبة المختبر مهمةُ إدامة الباب الفضي وترميمه دورياً، ابتداء من إزالة طبقات الصدأ التي تراكمت عليه باستخدام مواد وطرق خاصة، ومن ثم يُطلَى بمادة البارالويد (B72) الحافظة بنسبة معينة. وبات الباب الفضي الآن معروضا داخل عارضة خاصة في متحف الكفيل ليتسنّى للزائرين رؤيته، بوصفه إحدى التحف الفنية الشاهدة على فترة من تاريخ المرقد الطاهر. يعلق الشيخ محمد ناظم، المهتم بالتاريخ والتوثيق، "كان موضع الباب قبل رفعه في مدخل السرداب الذي يفضي إلى القبر الشريف". مضيفا، "صُنع الباب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأُهدي في زمن الدولة القاجارية في عهد الملك ناصر الدين شاه أثناء تعميرات الشيخ عبد الحسين طهراني".
الزخارف والنقوش
إطار الباب مغلّف بالفضة المزيّنة بزخارف نباتية، ويؤطَّر كل مصراعٍ منه آياتٌ قرآنية نفذت بواسطة نقش البارز وعناصر كتابية قوامها آيات من القرآن الكريم. كما يحتوي الباب على (13) طرة، ثلاث منها نباتية، وثمانٍ كتابية كُتب عليها: (يا علي، يا حضرت عباس)، واثنتان مفقودتان. وقد ثبت بين المصراعين مصدّ نُقشت عليه زخارف نباتية بارزة، وفي أسفل الباب توجد سلسلة كانت تُستخدم لإغلاقه بإحكام. ونفذت هذه الزخارف والنقوش على مساحة ارتفاعها )270(cm وعرضها (161cm). وجميع النصوص الكتابية القرآنية في الباب نُفّذت بخط النسخ وهي، سورة يونس (إلّا إنّ أولياء الله) وإلى أسفلها جزء من الآية (لا خوف عليهم ولا) وإلى أسفلها منطقة فاصلة (هم يحزنون الذين) وهناك منطقة فاصلة إلى الأسفل (آمنو وكانوا يتقون)، وسورة آل عمران. واشتملت النصوص العامودية من الحشوة العليا من اليمين باتّجاه الأسفل، الآية المباركة (بسم الله الرحمن الرحيم)، (شهد الله أنّه لا إله إلّا هو)، (والملائكة وأولو)، (العلم قائما بالقسط)، (لا إله إلّا هو العزيز الحكيم). وأيضًا... سورة سبأ (ويرى الذين أوتوا)، ثم يقابلها ست حشوات مماثلة في الشكل اشتملت على نصوص بدأ من الأسفل يسارا وصعودا نحو الأعلى، (العلم الذي أُنزل إليك من ربك صرط العزيز الحميد). بالإضافة إلى سورة مريم (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا). فيما نُقش بمصراع الباب الأيسر سورة الزمر في أعلاه بمستطيل أفقي تضمّن نصّ (قل هل يستوي)، ليأتي أسفله (الذين يعلمون والذين)، ودونت على المنطقة الفاصلة بين الحشوتين العليا والوسطى داخل المستطيل الأفقي، ثم جاء أسفلها تكملة النص (لا يعلمون إنما يتذكر)، (أولوا الالباب)، سورة النصر (إذا جاء نصر الله ... كان توّابا)، سورة غافر (ربّنا وسعت كل)، (شيء رحمة وعلما)، (فاغفر للذين تابوا)، (واتبعوا سبيلك)، (وقهم عذاب الجحيم).
متحف الكفيل
ويحتوي متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات التابع للعتبة العباسية المقدسة على العديد من المقتنيات والنفائس المهمة والتاريخية، التي تُعدّ من نوادر المجموعات المتحفية، حيث يُعرض جزء منها ويُخزّن الآخَر على وفق أجواء علمية ومعايير مخزنية معتمدة، وتُجرى لها أعمال صيانة دورية للحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة. يقول الدكتور شوقي الموسوي، المعاون الفني لرئيس قسم المتحف في العتبة العباسية المقدسة، "يُعدّ أول متحف في العتبات المقدسة الذي تمّ افتتاحه عام ٢٠٠٩م بالتزامن مع ذكرى ولادة السيدة زينب عليها السلام". مبينا، "يضمّ في قاعة العرض والمخزن نفائس وتحف نادرة ولها قيمة تاريخية مهمة تعود إلى حقب إسلامية مختلفة منها من الأموية والعباسية والعثمانية والفارسية (الصفوية - القاجارية) والهندية وغيرها من الدول الأجنبية". موضحًا، "أغلب موجوداته هي هدايا ونذور من موالين ومحبين وكذلك من ملوك وسلاطين وشخصيات ساهموا في إعمار المراقد المقدسة". موكدا، "أصبحت المتاحف اليوم مراكز ثقافية وتعليمية، ليس فقط لحفظ المقتنيات بل عملت على صون ذاكرة الشعوب وحفظ التراث ليطلع عليها الزائر ويتعرف على تاريخ الأجداد". وهكذا، لا يقف الباب الفضي عند كونه قطعة أثرية أزيحت عن موضعها في مدخل السرداب، وإنّما شاهدٌ صامتٌ على حقبة من تاريخ المرقد العباسي الشريف، بما يحمله من تفاصيل فنية ونقوش قرآنية وعبارات ارتبطت بالمشاعر الدينية، وبين جهود التوثيق والصيانة والعرض المتحفي يستعيد الباب حضوره بصورة مختلفة، ليحفظ للأجيال القادمة حكاية أثر، ويَمنَح زائري متحف الكفيل فرصة للتعرف على جانب من ذاكرة المكان وتأريخه.
#متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات
