إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

من وحي جنازة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • من وحي جنازة

    عندما تكون جالساً ، وبدون سابق إنذار ، تسمع صوت قارئ القرآن الكريم ، يعتلي من مكبرات الصوت التابعة لمسجد القرية ، تشعر عندها بأن الأمر لا يخل من حالة وفاة .
    هنالك ، فقط ، قد تتأمل في الدقائق السابقة لسماع القرآن الكريم ، وتحاول مقارنتها بالوضع بعد التشرف بسماعه ، عندها تستشعر بأن حالاً كهذا لا يستحق أن نتكالب فيه على مغريات الدنيا ، فربما وافت المنية أحدنا (حفظكم الله جميعاً) ، وهو يسعى في غضب ربه ، فما أشقاها من لحظة يختتم بها حياته بعاقبة سيئة .
    ساعتها ، لا تملك سوى أن تلوح برأسك يمنة ويسرة ، وتسترجع ، على أمل أن تبقى هذه الحالة مصاحبة لك طيلة عمرك ، بعد أن تيقنت بأن الدنيا ما هي سوى ظل شجرة تستظل تحتها لحظات ، ثم تتركها ، وترحل إلى مكان آخر .
    في الوقت ذاته ، وإذا ما قررت ، بعد ذلك ، أن تتجه إلى حيث يرقد ذلك الجسد الهامد ؛ لتتعرف على بداية الرحلة البرزخية ، التي ينوي عزيزنا الانطلاق فيها ، فإنك حتماً ستتجه إلى خط الانطلاقة ، وأعني هنا مكان تغسيل الأموات (المغيسل) ؛ لترى بعينيك تلك الفوارق الشاسعة بين من كان ، ومن سيكون ، وإليك بداية النهاية ، أو بالأحرى ، بداية البداية .
    بمجرد أن تدخل جو تغسيل عزيزنا ، وتجهيزه ، ترى ذلك المتعفف الذي كان يستحي أن يمد رجليه أمام الحضور ، تراه يتمدد بينهم دون حراك ؛ مما يترك الحرية للحضور للقيام بخلع ملابسه ، وهو من كان يتحاشى أن يقابلهم بملابسه الداخلية ، وهذا يجرئهم لتغسيل حتى تلك المواضع الحرجة التي كان يحاول ألا يبديها لأعز الناس و أقربهم منه ، أفلا تكفي عبرة وعظة ؟!
    وتزداد العبر والعظات ، المتواصلة في هذا المشوار الفريد من نوعه لفقيدنا الغالي ، فيُحمل الجسد المفارق لحبيبته (الروح) ، التي كانت تحركه يمنة ويسرة ، يُحمل ، من مكان إلى آخر ، دون محاولة من صاحبه لمنع من يحمله ؛ مما يجعلك تتفكر في ذلك الشموخ ، وتلك الغطرسة التي كانت تنتابه في حياته ، وسرعان ما تتبخر بمجرد خروج روحه ، فكأنّ شيئاً لم يكن .
    غُسِّل صاحبنا ، والآن يتم وضعه في ثلاث قطعات من القماش الأبيض اللون ؛ مما يجعلك تتأمل طويلاً في تلك النوعية الجيدة من الخام التي كان فقيدنا يحرص على امتلاكها في حياته ، لكي يتباهى بها في حله وترحاله ، فإذا به يقنع مجبراً بهذه القطع الثلاث فقط ليتخذها لباساً يودع من خلالها ذلك الكم الهائل من الملابس التي امتلأت بها أدراج خزانته ، والتي ودعها بما فيها ، وذهب وهو لا يعلم ما سيؤول إليه مصيرها بعده ، مع ما كان يشبعها من روائح عطرية مختلفة ، كان يسعى بأن يبذل ما لا يحصى من المبالغ لاقتنائها ؛ مما يشعرك بشيء من الأسى عندما تجده يرحل معطراً برائحة الكافور فقط ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
    تتواصل الأحداث ، فيُدرج الراحل في كفنه ، بعد أن ألقى عليه أهله وأقاربه نظرتهم الأخيرة ، وهم في ذهول تام ، هل هي النظرة الأخيرة حقاً ؟! إذن كيف سنقضي ذلك الوقت الذي اعتدنا أن نقضيه معه ؟! أما أنت فقد تطرح سؤالاً آخر مضمونه ، كيف سيقضي الفقيد بقية الوقت ، بعد الآن ؟! من الذي سيخفف عنه أعباء الهموم والأكدار ؟ من الذي سيتجاذب معه أطراف الحديث في محطته القادمة ؟!
    تساؤلات ، قد تقترب من الإجابة عليها ، ولكنك تفاجأ بحمل سرير فقيدنا ، الذي كان يوماً ما يحمله مع من يحملون ، عندها تتوالى في الذهن تساؤلات أخرى ، قد تشتت ذهنك ؛ فتؤجل كل تلك التساؤلات لتستحضر بيت الشعر المعروف : وإذا رأيت جنازة محمولة فاعلم بأنك مثلها محمول
    ولعله في الوقت ذاته يعنّ سؤال آخر أيضاً ، فحواه : يا ترى من الذي سيُحمل من هؤلاء الحاملين في المرة القادمة ؟ لعلك تكون صاحب الدور (أطال الله أعماركم في خير وعافية) ، ولعله شخص آخر ؛ مما يشعرك حقيقة بأن الدنيا مليئة بالعبر والعظات ، ولكن أين هم المتعظون ؟!
    كيف لا نتعظ ، وكل ذلك الحشد ، تقريباً ، توجهوا ، وبشكل جماعي ، نحو القبلة ، ولكن ، لماذا يا ترى ؟ لم نسمع أذاناً لصلاة من الصلوات الخمس ! نعم الأذان هذه المرة كان بطريقة أخرى ، هذه صلاة وداعية ، أذانها موت المُصلّى عليه ، على إثرها تشاهد موقفاً لم تكن تحلم به طيلة حياتك ؛ فذلك الذي كنت تراه واقفاً يصلي في صف الجماعة ، على يمينك ، أو على يسارك ، أو أمامك ، أو خلفك ، فجأة تراه ينام أمامك وأنت تصلي ! لكنها الحقيقة ، فهو الآن ينتظر منك أن تسأل الله له الرحمة ، دون أن يقول لك كعادته : نسألكم الدعاء ؛ فموته يعبر عما في قرارة نفسه ؛ ولذلك يجتهد المصلون ، دون استثناء ، في الترحم عليه ، وكأنهم شعروا بحاجة فقيدهم الماسة لدعائهم في هذه اللحظة الحرجة ، فاعتلت الأصوات من تلك الحناجر ، والنابعة من صميم تلك القلوب الصادقة : ((اللهم إنا لا نعلم من ظاهره إلا خيراً ، اللهم فارحمه واغفر له ، فقد نزل بك وأنت خير منزول به )) .
    صلى المصلون على فقيدهم صلاة لا ركوع ولا سجود لها ، وفور انتهائهم منها ، أعلنها أهله صرخة مدوية ، مفادها : رحم الله من حمل الجنازة . وكأنها دعوة إلى التعجيل بالرحيل .
    نعم ، ذلك الذي كنا لا نريد مفارقته يوماً ، بل كنا نسعد بملاطفته ومداعباته ، والحديث معه ، وكنا نحزن إذا ما تغيب عنا لحظة ، أصبحنا نطالب المشيعين بالتعجيل بحمله بعيداً عنا ؛ لكي نرى مصالحنا ، بعد التشييع .
    لذلك تسارعت الخطى ، قاطعة الطريق إلى حيث المحطة الأخيرة لمسافرنا ، إلى أن وصل الموكب إلى قرية الغرباء ، (( ليس الغريب غريب الشام و اليمن # إن الغريب غريب اللحد و الكفن )) .
    دخل المشيعون ، حاملين فقيدهم على الأعناق ، في ظل سكون تام ، وهدوء يخيم على المكان ، هدوء ، وصمت يعبران عن نوعية ساكنيه ؛ فهم يجتمعون ويتحادثون ، كما يشير مولانا وأميرنا ، أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ولكن حديث لا يسمعه إلا من شاء الله له ذلك ؛ لذلك بدا المكان أكثر هدوءاً وسكوناً ، بمجرد رؤية المودعين لماهية البيت الجديد الذي سيكون بديلاً لفقيدهم ، عن بيت الدنيا ، بيت لا توجد فيه سوى غرفة وحيدة ضيقة ، مُدد فيها الراحل وحيداً ، فهي لا تتسع إلا له دون شريك لكي يقضي بقية وقته فيها بهيئة خاصة ، مع (صالة) ، سيجتهد المحبون للفقيد بعد قليل بتغطيتها بذلك الكم الهائل من التراب مخلفين تحته حبيبهم ، دون اكتراث منهم بأنهم يضيقون عليه الخناق ، بسد جميع منافذ دخول الهواء ، الذي بات غير ذي أهمية لمن كان لا يستغني عنه للحظة ، يوماً ما ، صدق أو لا تصدق !
    ما هي سوى لحظات قليلة ، بعد إهالة التراب على من كان لا يطيق أن يرى ذرات بسيطة من الغبار على حذائه (أعزكم الله) ، فضلاً عن وجهه وجسده ، لحظات كانت لقراءة الفاتحة المباركة ، كهدية له لتعينه على أول أوقات الفراق ، بعدها تفرق الجمع ، غير مكترثين بما سيعانيه حبيبهم . مصير لا يحسد عليه صاحبه ، ولكنه سيبقى رهين عمله ، فهو الآن مصداق للقول المأثور : (( ... ، وغداً حساب ولا عمل )) ، ولعله الآن يطالب بقوله ((ربِّ ارجعون ؛ لعلي أعمل صالحاً فيما تركت)) فيأتيه الجواب : ((كلا إنها كلمة هو قائلها ، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)) ، أما نحن ، المنتظرون لدورنا في الشرب من نفس الكأس ، فإننا نمتلك إمكانية تحقيق الرجوع ثانية لمراجعة حساباتنا ، قبل معايشة ذات الموقف الذي آل إليه فقيدنا الراحل ، وهذه هي الفرصة الوحيدة لبيان مصداق ما سنطالب به بعد قليل (ربِّ ارجعون) .
    لعلك تقول في نفسك : كفى مضيعة للوقت ، لابد من تصحيح المسار ، من الآن فصاعداً سيكون عملي استعداداً لتلك الحفرة ، وما بعدها ، لحين بلوغ ذلك اليوم الذي ((تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد)) ، هذا هو الشعور الذي يراود كل من شيع وأهال التراب لأول وهلة بعد دخول المقبرة ، ولكن ، وبمجرد أن تطأ أقدامنا الأرض ، خارج سور المقبرة ، ويمتد بصرنا إلى ذلك الفضاء الرحب الواسع ، الذي كان ضيقاً في نظرنا ، ونحن نعيش فترة التشييع ، إذا بنا نبتعد شيئاً فشيئاً عن قوله تعالى : ((ربِّ ارجعون ...)) ؛ فبكل خطوة نخطوها نحو القرية ، ونحو ما نأمله فيها من ملذات الحياة وملهياتها ، يزداد حب الدنيا في نظرنا ، وفي المقابل ، نتناسى شيئاً يسمى الموت ، وكأنه قد كتب على غيرنا ولم يكتب علينا ، وكأن من شاركنا في تشييعه قبل قليل لم يكن من عالمنا ، لدرجة أننا أصبحنا نشعر بأننا قد شربنا ماء الخلود في الدنيا ، فلن تشملنا زيارة (عزرائيل) ، كما شملت غيرنا من قبل ، وكما ستشمل غيرنا من بعد ، متناسين بالمقابل قوله تعالى : ((إنك ميت ، وإنهم ميتون)) ، وفي الوقت الذي كان يجب علينا فيه أن نحترز ونحترس من الدنيا ومغرياتها ، نجد أنفسنا أكثر انغماساً في زبرجها وزخرفها ، مما يؤكد بأننا مصداق لقوله تعالى : ((... كلا إنها كلمة هو قائلها)) ، مهما كثرت فرص التوبة ، التي يمنحنا إياها ربنا ، جلّ وعلا ، وتعددت ، فمتى سنتعظ يا ترى ؟؟؟!!! .
    (( إنا لله و إنا إليه راجعون ))

  • #2
    قال رسول الله صل الله عليه وعلى اله وسلم
    (مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا الا كعابر سبيل أستضل تحت شجرة ثم راح وتركها)
    شاكرة لك أخي عباس على المقال الجميل

    تعليق


    • #3
      عباس السلام عليكم


      من يتفكر في الدنيا ولو للحظة وبعد عنه مغرياتها يجد إنها دار سفر وطريق عبور إلى عالم أخر فمن أحسن استغلال الطريق نجا ومن لم يحسن فقد حضيّ بالخسران العظيم
      وفقتك الله أخي الكريم على هذا الطرح المميز

      تعليق


      • #4
        أيها الأعزاء :

        ثبتنا الله وإياكم على ولاية أهل البيت (ع) ورزقنا في الدنيا زيارتهم وفي الآخرة شفاعتهم ، وأماتنا على حبهم وولايتهم ، فهم طوق النجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون . آمين

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X