إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قبسات من نهج البلاغة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قبسات من نهج البلاغة

    الدرس الأول: ما هو نهج البلاغة؟
    تعريف بالكتاب:

    إن نهج البلاغة أعظم أثرٍ ظهر في القرن الرابع الهجري في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، حيث كان هذا القرن بداية الغيبة الكبرى، حيث اهتمت الشيعة بتأليف الكتب لحفظ ميراث الأئمة عليهم السلام العظيم، وأنشأوا الحوزات العلمية الكثيرة بعد أن شكلت في هذا القرن أول دولة للشيعة على يد آل بابويه سنة 433هـ بعد فتحهم نجداء فخرج الشيعة من تحت الحصار واستطاعوا ممارسة دورهم وإعلان آرائهم، فكتبت العديد من المصنفات، ولم يكن نهج البلاغة هو كل ما كتب في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام.

    المؤلفات في كلام الإمام علي عليه السلام:

    لم يكن الشريف الرضي رضوان اللَّه عليه أول من جمع كلام الإمام علي عليه السلام، فإن أصحابه وأتباعه وشيعته قاموا بحفظ خطبه وكلماته، ونقلوها واحداً لواحد منذ القرن الأول الهجري، وكتبها بعضهم في كتبٍ أو كتيبات وصل عددها إلى ما يقرب من مائة وعشرين كتاباً ألفت قبل نهج البلاغة خصص البعض منها لذلك بتمامه، والبعض الآخر بقسم منه، الأمر الذي يدل على المكانة العظيمة التي حظي بها كلام الإمام علي عليه السلام والتي لم يسبق لها مثيل في الجاهلية والإسلام، فدونوه وحفظوه وألفوا فيه كتباً.

    أول من جمع كلمات الإمام عليه السلام في كتاب مستقل سماه "خطب أمير المؤمنين عليه السلام"وهو زيد بن وهب الجهني المتوفي عام 16ه، الذي كان من أصحابه عليه السلام وشهد معه بعض المشاهد، وقام بعده الحارث بن الأعور وهو من أصحاب الإمام عليه السلام أيضاً، وكان من المنقطعين إليه والمجاهرين بحبه، روى عنه، وأخذ من علومه، توفي عام (56ه).

    ومنهم الأصبغ بن نباتة، وهو من خاصة أصحاب الإمام علي عليه السلام أخذ عنه كثيراً،


    7
    وعمّر بعده حتى توفي أوائل القرن الثاني، وهو الذي روى عهد الإمام عليه السلام للأشتر النخعي لمّا ولاه مصر، ووصيته لولده محمد بن الحنفية.

    ومنهم نصر بن مزاحم النقري المتوفى عام (202ه)، وإسماعيل بن مهران المتوفى عام (502ه)، والواقدي المتوفى عام (702ه) ومسعدة بن صدقة حيث جمع كل منهم كتاباً من كلامه عليه السلام.

    وقد قال الخطيب الراوندي: سمعت بعض العلماء بالحجاز يقول: "إني وجدت في مصر مجموعاً من كلام علي عليه السلام في نيف وعشرين مجلداً".

    وذكر العلامة آقا بزرك الطهراني اثنين وعشرين مؤلفاً في كلام الإمام عليه السلام قبل زمن الشريف الرضي.

    وبعد الشريف الرضي قام عدد من العلماء الذين تذوقوا معاني الحكمة والجمال والبلاغة في كلام الإمام علي عليه السلام فجمعوها في مصنفات وكتب يصل عددها إلى 62 كتاباً.

    جامع نهج البلاغة:

    نسبه: هو محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم اشتهر بالشريف الرضي حتى بات لا يعرف إلا به.

    أسباب تأليف نهج البلاغة وتسميته:

    يتحدث الشريف الرضي في مقدمة كتابه عن سبب تأليفه للكتاب وسبب تسميته نهج البلاغة فيبين أن سبب ذلك هو طلب بعض أصحابه أن يكتب عن بلاغة الإمام وفصاحته وعجائبهما وما جاء عنه من الحكم الخطب، فكتبه وقد أخذ بعين الاعتبار في تأليفه له حيث أنه كما مر كان أديباً وشاعراً قديراً أن يركز على هذه الناحية من كلامه عليه السلام، وأن الإمام قد حاز الدرجات العلى في الخطابة والأدب والفصاحة والبلاغة بعد سيد البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي زقّه العلم وأرصفه إياه بلسانه قال قدس سره في مقدمة الكتاب في سبب تأليف الكتاب وتسميته بنهج البلاغة: "كنت في عنفوان


    8

    الشباب، وغضاضة الغصن، ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمة عليهم السلام، يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلماتهم، وفرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين علياً عليه السلام. وعاقه عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الأيام، ومماطلات الزمان. وكنت قد كتبت وبوبت ما خرج من ذلك أبواباً، وفصلته فصولاً، فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه عليه السلام من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب، دون الخطب الطويلة والكتب المبسوطة. فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره معجبين ببدائعه، ومتعجبين من فواصحه. وسألوني أن ابتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعبات عضونه من خطب وكتب ومواعظ وآداب علماً أن ذلك يتضمن عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربية وثوابت الكلم الدينية والدنيوية ما لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرِّع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها...".

    ورأيت من بعد تسميته هذا الكتاب "بنهج البلاغة...".

    إذن الهدف من تأليف الكتاب وتسميته كما ذكر قدس سره هو جمع الخطب والكلمات التي تميزت بالبلاغة والفصاحة من كلامه عليه السلام ولقد جمع ذلك من مصادر كثيرة ولم يكن قصده جمع كل ما صدر منه صلوات اللَّه عليه من كلام، فقد ذكر المسعودي الذي سبق السيد الرضي بمائة عام في مروج الذهب "إن بين أيدينا الآن أكثر من 480 خطبة لعلي ‏عليه السلام".

    ونقل الآمدي كما مر في غرر الحكم خمسة عشر ألف كلمة من الكلمات القصار لأمير المؤمنين عليه السلام وقد مر أنه كتبت كتب كثيرة في كلامه عليه السلام أو اشتملت عليه ووصلت إلى مائة وعشرين كتاباً، وقال الخطيب الراوندي: "سمعت بعض العلماء بالحجاز يقول: إني وجدت في مصر مجموعاً من كلام علي عليه السلام في نيفٍ وعشرين مجلداً؟" (هذا في حين أن نهج البلاغة احتوى على أربعمائة وثمانين كلمة فقط).


    9

    مصادر نهج البلاغة:

    لا شك أن للسند أهميته الخاصة، فهو الذي يجعل الرواية معتبرة ويصحح نسبتها للمعصوم، أو يسقط الرواية عن الإعتبار ويبقيها في خانة الممكن أو الضعيف بشكل يهمش القدرة على الإستفادة العلمية منها، من هنا كان السؤال الذي يسأل عادة عن سند نهج البلاغة فهل نسبة هذه الكلمات للإمام عليه السلام نسبة صحيحة أم لا؟

    في البداية لا نشك أن الكتاب الموجود الآن بين أيدينا هو نفس كتاب نهج البلاغة الذي دونّه وجمعه الشريف الرضي رضوان الله عليه، ولم يتعرض لأي نوع من أنواع الضياع، وما زال هناك حتى الآن نسخ خطية معتبرة محفوظة في مكتبات مختلفة، حيث أن نهج البلاغة صار يعد من المصادر الإسلامية العظيمة. هذه النسخ يصل عددها إلى 130 نسخة خطية معتبرة بعضها يرجع إلى عصر مؤلفه وتوجد نسخ أخرى كثيرة في مكتبة الآستانة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة، ومكتبة آية اللَّه المرعشي النجفي في قم المقدسة.

    ولكن يبقى السؤال المطروح: هل أن ما جمعه الشريف الرضي في نهج البلاغة ثابت نسبته لأمير المؤمنين عليه السلام؟ وما هي المصادر التي اعتمد عليها في كتابه هذا؟

    إن الزمن الذي عاش فيه هيّأ له المكانة التي كانت لديه حيث أنه كان يتولى نقابة الطالبيين وولاية أمورهم مما هيّأ له المصادر الكافية والظروف المناسبة ليجمع ما ألفه في كتابه نهج البلاغة. حيث أن أخاه الشريف المرتضى كانت مكتبته تحتوي على 80 ألف كتاب، وكانت مكتبة دار الحكمة في بغداد تحتوي على 10 آلاف نسخة خطية وآلاف الكتب الأخرى، وقد عرف القرن الذي عاش فيه بقرن التأليف والترجمة والتدوين للكتب الإسلامية، وقد شهد نشوء الحوزات العلمية الكثيرة، ونشر علوم أهل البيت عليهم السلام في الأقطار الإسلامية.

    استفاد الشريف الرضي من كل ذلك ومن مكتبته الشخصية وما احتوته من مصادر كثيرة، إلا أنه لم يذكر هذه المصادر إلا في موارد قليلة، وتركه ذكر المصادر كان يمكن أن يشكل مشكلة على مستوى التوثيق، إلا أن هذه المشكلة تم اجتنابها من خلال كتب شرح

    10

    نهج البلاغة التي ذكرت المصادر بشكل مفصل، فقد نهض بعض العلماء للتصدي للبحث عن مصادر نهج البلاغة واستخراج أسانيد رواياته منهم:

    1- السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب في كتابه: مصادر نهج البلاغة وأسانيده.
    2- هادي كاشف الغطاء في كتابه: مدارك نهج البلاغة.
    3- السيد هبة الدين الشهرستاني في كتابه: مصادر نهج البلاغة.
    4- محمد الدشتي في كتابه باللغة الفارسية: أسناد ومدارك نهج البلاغة.

    مضمون نهج البلاغة:

    بعد أن عرفنا سند روايات نهج البلاغة وكيفية جمعها، بقي أن نلقي نظرة عامة على مضمون هذا الكتاب، وذلك من خلال العناوين التالية:

    ترتيب نهج البلاغة:

    نظم السيد الرضي نهج البلاغة على محاور ثلاثة:

    1- الخطب: وعددها مائتان وتسع وثلاثون خطبة، وهي تنقسم بحسب الزمان إلى ثلاثة:

    الأول: ما قبل حكم الإمام عليه السلام مثل الخطب التالية: 5، 67، 139.
    الثاني: فترة قبوله عليه السلام للخلافة مثل الخطب التالية: 3، 12، 15، 16.
    الثالث: في زمن حكمه عليه السلام مثل الخطب التالية: 21، 27، 47، 105، 108.

    2- الرسائل: وعددها تسع وسبعون رسالة كتبت جميعها في زمان خلافته عليه السلام.

    3- الكلمات القصار، أو قصار الحكم: وعددها أربعمائة وثمانون كلمة في موضوعات شتى.

    ميزتان:

    تمتاز كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، منذ أقدم العصور بميزتين تعرف بهما، وهي:

    أولاً: الفصاحة والجمال:

    إن فصاحة أمير المؤمنين عليه السلام وجمال كلماته سحر كل عين طالعت كلماته وأطربت

    11

    كل أذن سمعتها حتى قيل في مدحه ووصفه الكثير، وللشريف الرضي جملة معروفة في وصف كلام الإمام عليه السلام والثناء عليه، يقول قدس سره: "كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرِّع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا وقد تقدم وتأخروا...".

    وهذا ما يعرفه ويشهد به حتى أعداء الإمام عليه السلام، وقد كان معاوية بن أبي سفيان وهو ألد أعدائه معترفا بذلك، فلقد أدبر محقن بن أبي محقن عن الإمام عليه السلام وأقبل على معاوية وقال له وهو يريد أن يفرح قلبه الممتلئ بالحقد على الإمام عليه السلام جئتك من عند أعيا الناس، فقال له معاوية: "ويحك! كيف يكون أعيا الناس؟! فوالله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره".

    ولذلك نجد لكلماته عليه السلام ذلك التأثير الكبير في النفوس، حيث كانت مواعظه تهز القلوب وتسبل الدموع، يقول الشريف الرضي بعد نقله الخطبة المعروفة بالغراء "وفي الخبر أنه‏ عليه السلام لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود، وبكت العيون، ورجفت القلوب".

    ثانياً: الشمول والاستيعاب:

    لكل أمة آثار أدبية يعتبر بعضها من نماذج العبقريات، ولكننا نجد أن كل واحدة منها إنما هي في فن خاص من الأدب كالحكمة والموعظة، أو الحرب والحماسة، أو القصائد والرباعيات، أو غيرها... ولكن ما يتميز به نهج البلاغة أن كلماته لا تنحصر بساحة واحدة، بل إنه صال وجال ببيانه في ميادين متعددة لا تجتمع في رجل واحد، يقول الشيخ محمد عبده شارح النهج ومفتي مصر السابق "وبعد: فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب (نهج البلاغة)... فكان يخيل لي في كل مقام أن حروباً شبّت، وغارات شنت وأن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة... وأن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد، وتحوّل المعاهد، فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية تطوف على


    12

    النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية، توحي إليها رشادها، وتقوم منها مرادها، وتنفر بها عن مداحض الزلل إلى جواد الفضل والكمال.

    وطوراً كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة، وأنياب كاشرة، وأرواح في أشباح النمور، ومخالب النسور، قد تحفزت للوثاب، ثم انقضت للاختلاب، فخلبت القلوب عن هواها، وأخذت الخواطر دون رماها، واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء.

    وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً، لا يشبه خلقاً جسدانياً، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما به إلى مشهد النور الأجلى، وسكن به إلى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس، وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة. يعرفهم مواقع الصواب، ويبصرهم مواضع الارتياب، ويحذرهم مزالق الاضطراب، ويرشدهم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة، ويصعدهم شرف التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير..."
    .

    بالإضافة إلى ذلك نجد الإمام عليه السلام لم يتكلم في الفخر أو الخمر أو الشعر التي هي ساحات واسعة للخيال، بل لم يقل ما قاله ليكون مقالاً جميلاً يضرب به الأمثال فالكلام عنده كان وسيلة لا هدفاً، فهو عليه السلام إنما تكلم حول المعاني الحقة والواقعية ومع ذلك بلغ ببلاغته الرائعة أوج العظمة والكمال.


    13

    خلاصة الدرس
    1- إن نهج البلاغة أعظم أثرٍ ظهر في القرن الرابع الهجري في كلام أمير المؤمنين‏ عليه السلام.

    2- مؤلف نهج البلاغة وجامعه الشريف الرضي رحمه الله.

    3- تمتاز كلمات أمير المؤمنين عليه السلام بميزتين:

    أ- الفصاحة والجمال حيث كانت مواعظه تهز القلوب وتسبل الدموع.
    ب- الشمول والاستيعاب فكلماته عليه السلام لا تنحصر بساحة واحدة، بل إنه صال وجال ببيانه في ميادين متعددة لا تجتمع في رجل واحد.

    4- إن كتاب نهج البلاغة الذي بين أيدينا هو نفس كتاب نهج البلاغة الذي دونه وجمعه الشريف الرضي رضوان الله عليه، ولم يتعرض لأي نوع من أنواع الضياع.

    5- لم يذكر الشريف الرضي قدس سره مصادر نهج البلاغة وأسانيد الروايات فيه إلا في موارد قليلة، وتركه ذكر المصادر كان يمكن أن يشكل مشكلة على مستوى التوثيق، إلا أن هذه المشكلة تم اجتنابها من خلال كتب شرح نهج البلاغة التي ذكرت المصادر بشكل مفصل، فقد نهض بعض العلماء للتصدي للبحث عن مصادر نهج البلاغة واستخراج أسانيد رواياته.

    6- قسّم السيد الرضي قدس سره نهج البلاغة إلى ثلاث محاور:

    1- الخطب.
    2- الرسائل.
    3- الكلمات القصار المسماة بقصار الحكم.
    للحفظ
    من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

    "كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع".
    "إن لم تكن حليما فتحلم فإنه قل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم".
    "أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع".
    "من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه".
    أسئلة حول الدرس
    1- تحدث عن الحقبة التاريخية التي كتب فيها نهج البلاغة؟
    2- من هو الذي جمع كتاب نهج البلاغة؟
    3- هل جمعت كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب غير نهج البلاغة؟
    4- ما هو السبب في تأليف نهج البلاغة؟
    5- اذكر أسماء عددٍ من الكتب التي جمعت فيها كلمات أمير المؤمنين عليه السلام.
    إقرأ
    الإمام علي‏ عليه السلام صوت العدالة الإنسانية

    كتاب الإمام علي عليه السلام "صوت العدالة الإنسانية" للمؤلف الكبير والكاتب الأديب جورج جرداق.

    هو كتاب أشبه بالموسوعة يتألف من خمس مجلدات من القطع الكبير.

    لقي هذا الكتاب النجاح الكبير إذ استحوذ على الاهتمام وسيطر على الساحة الثقافية حين صدوره منذ حوالي الثلاثين سنة حيث تلقفه ملايين القراء حول العالم، وترجم إلى اللغات الفارسية والهندية والانكليزية.

    وكل مجلد من مجلداته الخمس قد وضع تحت عنوان خاص به والعناوين هي:

    1- الإمام علي وحقوق الإنسان.
    2- علي والثورة الفرنسية.
    3- علي وسقراط.
    4- علي وعصره.
    5- علي والقومية العربية.


    يقول مؤلفه في مقدمته: "... ومن الأمور التي نستيقظ عليها في دراسة علي وعصره وما تلاه من عصور، ذلك المقدار العظيم من الإسهام في مقاومة الظالم ونصرة المظلوم ومن معاندة الإستعباد والاستغلال والعمل على تقويض أسبابهما بسن الانظمة والدساتير في النطاق الذي يسمح به الزمان والمكان وبالتضحية في سبيل الكرامة الإنسانية بكل عزيز من الدم والحياة فإذ بنا نعي بأن تاريخنا ليس كله ظلمة وجهلاً".

    كتاب يوضح للقارى‏ء مدى إعجاب أصحاب الديانات الأخرى بشخصية هذا الإمام الهمام.
    للمطالعة
    جامع نهج البلاغة:

    نسبه:


    هو محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم... ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين علي بن أبي طالب عليهم السلام.

    وقد اشتهر بذي المنقبتين، والرضي ذي الحسبين، والشريف الأجل، والشريف الرضي، وبهذا الأخير اشتهر حتى بات لا يعرف إلا به.

    ولادته:

    ولد الشريف الرضي سنة (359ه) في بغداد، ونشأ في بيت الفضيلة والزعامة الدينية، واحتضنته الأيدي الأمينة، فوالده الطاهر ذو المناقب أبو أحمد الحسين كان يتولى نقابة الطالبيين، وكان له النظر في المظالم والحج بالناس ولقب بالطاهر ذي المناقب، والطاهر الأوحد.

    وأمه فاطمة بنت الناصر نقيب بغداد، ترجع بنسبها إلى الإمام علي بن الحسين‏عليهما السلام.

    كان الشريف الرضي رضوان اللَّه عليه عالي الهمة عفيف النفس أبيّاً، ينقل ابن خلكان في وفياته عن تيمية الثعالبي في ترجمة الشريف: "ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، وهو اليوم أبرع انشاء الزمان وأنجب سادة العراق يتحلى مع محتده الشريف، ومفخرة الحفيف بأدب ظاهر وفضلٍ باهر وحظٍ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن عبر، على كثرة شعرائهم المفلقين...".

    حفظ الشريف الرضي رحمه اللَّه القرآن بعد أن جاوز عمر ثلاثين سنة في مدة قصيرة، وكان عالماً أديباً وشاعراً فصيحاً حفظ النظم ضخم الألفاظ ولقد كان من الشخصيات البارزة والمشهورة في القرن الرابع الهجري.

    وقال ابن أبي الحديد في شرحه: "كان عفيفاً، شريف النفس، عالي الهمة، لم يقبل من أحدٍ صلة ولا جائزة، حتى أنه رد صلات أبيه".

    وقال السيد الخوانساري في روضاته: "لم يبصر بمثله الآن عين الزمان في جميع ما يطلبه إنسان العين من عين الإنسان، فسبحان الذي ورثه غير العصمة ما أراد من قبل أجداده الأمجاد، وجعله حجة على قاطبة البشر في يوم المعاد، وأمره في الثقة والجلالة أشهر من أن يذكر..."

    مصنفاته:

    ترك الشريف الرضي تراثاً عظيماً يدل على عمق غور الشريف ودقته ونباهته وذكائه، وأهم مصنفاته:

    1- كتاب مجازات القرآن: ذكره ابن خلكان وقال: فجاء نادراً في بابه.
    2- كتاب معاني القرآن: وقال عنه ابن خلكان: يتعذر وجود مثله، دل على توسعه في علم النحو واللغة.
    3- كتاب التشابه في القرآن.
    4- كتاب نهج البلاغة.
    5- ديوان شعر من أفخر وأهم وأعظم دواوين الشعر.

    وفاته:

    توفي الشريف الرضي سنة (406ه) ودفن في مدينة الكاظمية بجوار مرقد الإمامين الكاظمين عليهما السلام ولم يقدر أخوه المرتضى أن ينظر إلى تابوته ودفنه، فمضى إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، وصلى عليه الوزير فخر الملك مع جماعة كثيرة.



    يتبع

  • #2
    الدرس الثاني: التقوى
    مقدمة

    إنا إذا أردنا أن نعرف نهج البلاغة، أو الإمام عليه السلام خطيباً واعظاً وناصحاً مشفقاً، أو مدرسته الإرشادية، كي نستفيد من ذلك المنبع الفياض، لا يكفينا أن نعدّد المواضيع والعناصر المطروحة في نهج البلاغة فقط، لا يكفينا أن نعلم أن الإمام عليه السلام قد تكلم في نهج البلاغة في التقوى والعبادة والحق والدنيا مثلاً... بل يجب علينا أن نتعرف على تلك المفاهيم الخاصة التي كان يفهمها الإمام عليه السلام من هذه المعاني، وأن نعرف فلسفته التربوية الخاصة في تربية الإنسان المسلم، وترغيبه في الطهارة والنجاة من أسر الأرجاس والأنجاس، والتحرر المعنوي عن ربقة الدنيا.

    ولهذا يجب علينا أن نتكلم بشي‏ء من التفصيل في مفاهيم هذه العناصر في مدرسة الإمام عليه السلام. ولنبدأ حديثنا هذا بالكلام حول التقوى.

    التقوى:

    إن كلمة (التقوى) من أكثر كلمات نهج البلاغة استعمالاً، فليس هناك كتاب يركز فيه على التقوى أكثر من نهج البلاغة، وليس هناك في نهج البلاغة مفهوم أو معنى اعتني به أكثر من التقوى. فما هي التقوى؟

    يفترض الكثيرون: أن التقوى من الوقاية، والوقاية تعني الحذر والاحتراز والبعد والاجتناب، فهي إذن سيرة عملية سلبية، وكلما كان الحذر أكثر كانت التقوى أكمل!

    ولهذا نرى أن المتظاهرين بالتقوى يحذرون التدخل في أي عمل، حرصاً على سلامة تقواهم!

    ولا شك أن الحذر والاجتناب هو من أصول الحياة للإنسان العاقل، فإن الحياة لا تخلو عن مقارنة بين السلب والإيجاب، والفعل والترك. بل لا يصل الإنسان إلى الإيجاب


    19
    إلاّ عن طريق السلب ولا إلى الإثبات إلاّ بعد النفي، وليست كلمة التوحيد، (لا إله إلا اللَّه)، إلاّ كلمة جامعة بين النفي والإثبات، ولا يمكن إثبات التوحيد إلاّ بعد نفي ما سوى اللَّه تعالى، ولذلك نرى أن الإيمان والكفر مقترنان والطاعة والعصيان متلازمان، أي أن كل طاعة تتضمن معصية، وكل إيمان يشتمل على كفر:

    ï´؟.. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ..ï´¾ 1.

    ولكن...

    أولاً: إنّ‏َ البعد والنفي والعصيان والكفر لا تصح إلا للعبور إلى أضدادها، ولا تصح إلاّ أن تكون مقدمات للإرتباط بالقرب والطاعة والإيمان. ولذلك فلا بد أن يكون للابتعاد المفيد حدوداً وأهدافاً. فالسيرة العملية السلبية بلا حدود ولا قيود ولا أهداف، ليست مقدسة ولا تحمد عقباها.

    وثانياً: إنّ‏َ مفهوم التقوى في نهج البلاغة لا يرادف كلمة الحذر فإن التقوى في نهج البلاغة: "قوة روحية تتولد للإنسان من التمرين العملي الذي يحصل من الحذر المعقول من الذنوب".

    إن هذه الحالة تهب للروح قوة ونشاطاً، وتصونه من الانحراف والشطط، ومن لم يحظ بهذه الحالة لا بد له إذا أراد حفظ نفسه عن المعصية من أن يبعد نفسه عن أسبابها. وحيث إن البيئة الاجتماعية مليئة من أسباب المعاصي فلا بد له من أن يختار الإنزواء التام!

    وعلى هذا: فلا بد إما أن نكون أتقياء وحينئذ يجب علينا أن نبتعد عن البيئة الاجتماعية بصورة مطلقة! أو أن نرد المجتمع فنتخلى عن التقوى! وعلى هذا: كلما كان الشخص أكثر انزواءً وعزلة عن المجتمع كان أكمل في التقوى وأجمع!

    أما إذا حصلت الروح الإنسانية على (ملكة التقوى) فلا يضطر صاحبها إلى ترك المجتمع والاعتزال. إذ هو حينئذ يحفظ نفسه من دون أن يخرجها عن المجتمع. فمن كانت تقواه بالمعنى الأول كان كمن يأوي إلى جبل ليعصمه من المرض المعدي، أما من


    20
    كانت تقواه بالمعنى الصحيح كان كمن يقي نفسه من المرض المعدي بالتلقيح ضده، فلا يضطر إلى أن يخرج من البلد أو يجتنب الناس، بل يسعى إلى مساعدة المرضى كي ينقذهم مما هم فيه من الألم.

    "... ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم! إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلاث حجزه التقوى عن التقحم في الشبهات... ألا وإن الخطايا خيل شُمس حمل عليها راكبها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار.. ألاّ وإن التقوى مطايا ذُلُل حمل عليها راكبها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة..."2.

    "... إن تقوى اللَّه حمت أولياء اللَّه محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم"3.

    وفي هذه الكلمة يصرح الإمام عليه السلام بأن التقوى شي‏ء يكون الحذر من الحرام والخوف من اللَّه من لوازمه وآثاره.

    "فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة، وفي غد الطريق إلى الجنة"4.

    نرى أن الإمام عليه السلام قد عطف نظره في هذه الكلمات إلى الناحية الروحية والنفسية والمعنوية للتقوى وآثارها في الروح، بحيث تبعث فيه الإحساس بحب البر والطهر، والإحساس بالتذمر من الذنوب والأرجاس والأنجاس.

    التقوى "وقاية لا قيود":

    لقد أكد الإمام عليه السلام في خطبه في نهج البلاغة على أن التقوى: وقاية لا قيود... فهناك كثير من الناس لا يفرقون بين (الوقاية) و(القيود) ولذلك فهم يفرون من التقوى باسم التحرر عن القيود والخروج عن الحدود... ولا شك أن الجدار الواقي يشترك مع السجن في أنهما كليهما مانعان، ولكن الجدار الواقي يمنع عن الخطر، في حين أن السجن يمنع عن التمتع بالنعم والمواهب المعدة للإنسان.


    21
    يقول الإمام عليه السلام:

    ".. اعلموا عباد اللَّه: أن التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه. ألاّ وبالتقوى تقطع حمة الخطايا"5.

    وكأنه عليه السلام يشبّه الفجور في كلامه هذا بالحيوان اللاسع كالعقارب والحيات، ويقول: اقطعوا عن أنفسكم لسعة هذه العقارب بالتقوى. ويصرح في بعض كلماته أن التقوى ليست قيوداً تمنع عن التحرر بل هي منبع الحريات الواقعية وأساسها ومنشأها.

    ".. فإن تقوى اللَّه مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة..."6.

    واضح أن التقوى تهب للإنسان حرية معنوية، تحرره من أسر عبودية الهوى، وترفع عن رقبته حبال الحسد والحقد والطمع والشهوة، وهكذا تحرق عروق العبوديات المادية، بين ناس هم عبيد الدنيا والمال والمقام والراحة، بينما لا يخضع التقي لأعباء هذه العبوديات.

    ولقد بحث الإمام عليه السلام في نهج البلاغة حول آثار التقوى كثيراً، ولا نرى نحن هنا ضرورة للبحث عن جميعها، وإنما نقصد هنا أن يتضح لنا المفهوم الواقعي للتقوى في مدرسة نهج البلاغة، ليتبين لنا معنى هذا التأكيد على هذه الكلمة في نهج البلاغة.

    وإن من أهم آثار التقوى الذي أشير إليه في نهج البلاغة، أثران مهمان:

    أحدهما: البصيرة النيّرة والرؤية الواضحة.
    والآخر: القدرة على حل المشاكل والخروج عن المضائق والشدائد.

    التقوى تقي الإنسان، والإنسان يحافظ عليها:

    يصرّ نهج البلاغة على أن التقوى وثيقة تضمن للإنسان نوعاً من الأمن من الزلل والفتن، وفي نفس الوقت يلفت نظر الإنسان إلى أنه أيضاً يجب عليه أن لا يغفل لحظة عن حراسة التقوى وحفاظتها، فإن التقوى وإن كانت واقية للإنسان فمع ذلك يجب على


    22
    الإنسان أيضاً أن يكون واقياً لها! فهو من نوع المحافظة المتقابلة بين الإنسان والثياب، إذ الإنسان يحافظ عليها من التمزق والسرقة، وهي تحافظ على الإنسان من الحر والبرد، ولقد عبّر القرآن الكريم أيضاً عن التقوى باللباس فقال:

    ï´؟.. وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ...ï´¾ 7.

    وقال الإمام علي عليه السلام بهذا الصدد:

    ".. أيقظوا بها نومكم واقطعوا بها يومكم وأشعروها قلوبكم وادحضوا بها ذنوبكم... ألا فصونوها وتصوَّنوا بها..."8.

    وقال عليه السلام:

    ".. أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه، فإنها حق اللَّه عليكم، والموجبة على اللَّه حقكم. وأن تستعينوا عليها باللَّه، وتستعينوا بها على اللَّه..."9.


    23
    خلاصة الدرس
    1- إن التقوى هي من أكثر المفاهيم التي سلط عليها الضوء في نهج البلاغة.
    2- كما أن الإنسان يقي ثيابه من التمزق وتقيه الثياب من البرد والحر، فإن الإنسان يجب أن يحافظ على التقوى التي يحملها كما تحافظ هي عليه وتمنعه من الوقوع في المعاصي.

    3- من آثار التقوى:

    أ- البصيرة النافذة والرؤية الواضحة.
    ب- القدرة على حل المشاكل والخروج من المضائق والشدائد.
    للحفظ
    من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

    "القناعة ما لا ينفد".

    "أشد الذنوب ما استخف به صاحبه".
    "اتق الله بعض التقى وإن قل، واجعل بينك وبين الله سترا وإن رق".
    أسئلة حول الدرس
    1- كيف تصبح التقوى ملكة في الإنسان؟
    2- هل تدفع التقوى الإنسان إلى حبس نفسه في بيته؟
    3- هل تقيد التقوى حركة الإنسان؟
    4- تحدث عن نظرة أمير المؤمنين عليه السلام إلى التقوى؟
    5- ما هي آثار التقوى؟
    إقرأ
    الإمام علي نبراس ومتراس‏

    كتاب ألفه الأديب الكبير والكاتب البارع الأستاذ سليمان كتاني.

    كتاب حاز الجائزة الأولى في المباراة التي نظمت حول التأليف عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

    قدم لهذا الكتاب القيم كل من الشيخ مرتضى آل ياسين رئيس جماعة العلماء في النجف الأشرف، ورئيس لجنة المباراة الكتابية.

    وقدم له أيضا الكاتب الكبير الأستاذ جعفر الخليلي.

    وكتب المؤلف في إهداء الكتاب: "إلى كل من يستهويه علي بن أبي طالب في بطولة القيم وفتح كوى النفس على الحق والخير والجمال".

    وقال في افتتاحية الكتاب: "قلة أولئك الرجال الذين هم على نسج علي بن أبي طالب‏ عليه السلام تنهد بهم الحياة، موزعين على مفارق الحياة كالمصابيح تمتص حشاشتها لتفنيها هديا على مسالك العابرين..."

    يتحدث الكاتب في هذا الكتاب الجميل عن بعض الومضات والوقفات في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام بطريقة أدبية ووصف رائع وعبارة سهلة مفهومة ويجذب القارى‏ء له حتى لا يحب أن يتركه إلا بعد أن ينتهي منه.

    طبع الكتاب عدة مرات وفي العديد من بلدان العالم.
    للمطالعة
    يوم من حكم علي عليه السلام:

    رأى الإمام علي عليه السلام في طريقه امرأة تحمل قربة ماء فدنا منها وأخذ القربة، حتى وصلت بيتها، وكانت المرأة أثناء سيرها تدعو عليه ولكنها لا تعرفه.

    وحيث أنها لم تعرفه سألها عليه السلام:
    يا أماه ما الذي فعله علي حتى تدعين عليه؟

    فوقفت المرأة وقالت:
    إنه أرسل زوجي إلى الحرب فقتل، فبقيت بلا معيل وعندي مجموعة من الأيتام الذين لا قدرة لي على تدبير أمورهم.

    ولما عاد الإمام علي عليه السلام إلى داره فكر فيما يمكن أن يقدمه لهذه الأرملة المسكينة فجاء إليها في اليوم التالي وهو يحمل كيساً مليئاً بالطعام فطرق الباب فقالت المرأة:
    من بالباب؟

    فقال عليه السلام:
    أنا الذي حمل القربة عنك البارحة.

    ففتحت الباب له ودخل فقالت أثناء دخوله: أرضاك اللَّه وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب.

    فقال لها الإمام عليه السلام:
    أتعدين الخبز أم تهتمي بالأطفال؟

    فقالت: إنني على الخبز أقدر فعليك بالأطفال.

    فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام يصنع كباباً وتمراً ويطعم الأطفال ويخاطبهم:
    يا أولادي تجاوزوا عن علي.

    وتوجه علي عليه السلام للتنور كي يخبز لها فطرقت الباب جارة لهذه الأرملة ورأت علياً يساعدها في البيت فقالت لها:
    أتدرين من هذا الذي يساعدك؟

    فقالت الأرملة:
    إنه رجل أتى يساعدنا.

    فقالت لها الجارة:
    إنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

    وهنا استولى الخجل على هذه المرأة مما قد فعلته وقالته له وتقدمت من علي لتعتذر منه فما كان من هذا الرجل العظيم إلا أن قال لها أنا أعتذر إن قصرت في خدمتك وخدمة أيتامك...

    هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام لكل من يهمه أن يعلم كيف يكون القادة الحقيقيون...

    تعليق


    • #3
      الدرس الثالث: العبادة -1-
      مقدمة

      عندما نريد أن نتكلم عن العبادة فلن نجد بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يعبد اللَّه(عزَّ وجلّ‏َ) عبادة لم يعبدها أحد قبله ولا بعده غير علي عليه السلام لنستلهم من كلامه دروس العبادة وحقيقتها وهو الذي يروى أنه كان يسجد ويطيل سجوده ويغمى عليه حال سجوده حتى يظن أنه قد مات، وهو الذي كان إذا وقف بين يدي اللَّه يغيب عن نفسه، حتى يتم إخراج السهم من بدنه دون أن يشعر في حال العبادة. وهو الذي لم تكن العبادة عنده مجرد أوقات محدودة للذكر والورد والصلاة والدعاء، بل كانت خضوعاً للَّه (عزَّ وجلّ‏َ) وخشوعاً وطاعة بالمال والنفس والكلمة والحكم والجهاد والمعاملة، فكانت العبادة حياته وكل حركاته وسكناته.

      هذا ما نجده في سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام وفي كلامه، فلنلقي الضوء على هذا المفهوم من كلامه عليه السلام في نهج البلاغة:

      العبادة سنة تكوينية عامة:

      يبين الإمام عليه السلام في ما روي عنه أن العبادة في بعض مراتبها ليست أمراً دينياً فرضه اللَّه والدين بشكل عام أو الإسلام بشكل خاص، وإنما حالة تكوينية تعيشها كل المخلوقات ومنها الإنسان ولا يخلو منها أحد.

      فالإنسان أولاً هو خاضع لنظام الخلق شاء أم أبى ولا يستطيع أن يتجاوز هذا النظام وهذه السنة الإلهية الكونية المسيطرة على الوجود بجميع نواحيه، وعلى جميع الموجودات من الملائكة والبشر والحيوانات والنبات والجماد، ولا فرق في ذلك بين البشر وغيرهم والمؤمن باللَّه وغيره.

      لذلك وبهذا المعنى الذي هو أحد معاني العبادة لا يستطيع الإنسان أن يخرج نفسه


      29
      من حد العبادة لواضع هذا النظام في سلوك الأسباب الموضوعة في هذا الكون للوصول إلى الغايات، وإلا فإنه لن يصل إليها، لذلك يجد نفسه مضطراً بل مجبراً على السير في طريقها. من هنا فإن الإنسان عندما يريد أن يصعد إلى مكانٍ عالٍ أو ينزل إلى مكانٍ دانٍ فإنه سيستخدم الوسيلة التي توصله إلى غايته في كل الطريقين، كذلك إذا أراد أن يحصل على الحرارة أو البرودة، فإنه سيجد أسباباً خاصة توصل إلى أحدهما غير الأسباب التي توصل إلى الآخر، ولا بد أن يسلك لكل غاية سبيلها ويؤمن لها أسبابها.

      يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام:

      "فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا"1.

      إذن نحن مخلوقون لهذا الخالق وعليه نحن مملوكون لهذا الرب ولذلك فنحن عبيد له، فهو يملك منا ومن أنفسنا ما لا نملكه من هذه الأنفس من وجودها وموتها وحياتها وكثير من الشؤون التي تعطينا الحياة واستمراريتها في عالم المادة والشهادة أو في عالم الغيب والملكوت. ما لا يعد ولا يحصى بل لا يستطيع تصوره أحد.

      وعنه عليه السلام:

      "الحمد للَّه المعروف من غير رؤية، والخالق من غير منصبة2، خلق الخلائق بقدرته، واستعبد الأرباب بعزته3 ..."4.

      إن ذكر الخالقية قبل ذكر الاستعباد في كلامه عليه السلام كأنه للتعليل، حيث أن الخالق هو المالك لهذا العبد والذي بيده وجوده وعدمه، فهو الذي أحدثه وخلقه من العدم وأعطاه الوجود لذلك سيكون هو المستعبد له مهما علت مكانته وقدرته وسلطته فكل من ادعى ربوبية في عالم الخلق هو مستعبد للَّه(عزَّ وجلّ‏َ) لأنه كما مر لا يملك من الأسباب إلا ما ملكه الرب العظيم رب الأرباب العزيز.


      30
      العبودية سنة اجتماعية:

      ثم إن هذه العبودية بمرتبتها الثانية التي هي سنة جارية لن يخرج منها الإنسان مهما جهد، فإنه وإن ترك عبادة اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) والخضوع له، لكنه فضلاً عن كونه لن يستطيع أن يخرج من تحت سلطة الأسباب التكوينية، فإنه كذلك لن يستطيع أن يخرج من عبادة غير اللَّه من البشر، فإن معنى العبادة الذي سيأتي الكلام عنه يصدق على كل إنسان حتى من لا يعبد اللَّه، فإنه يكون عبداً للدنيا، أو للأمير والسلطان، أو لشهوات نفسه.

      فالإنسان إذن عبد وإنما هو يتقلب بين معبودين وأرباب مختلفين ويتخير بينهم، وبتعبير آخر هو مضطر في موضوع العبادة وهو قانون لا يشذ فيه أحد من البشر، لأن الإنسان في حياته يختار طريقه وقانونا يعيش على أساسها تحكم شؤونه وحركاته ومواقفه تجاه جميع ما يواجهه في حياته. ويخضع لهذا القانون ويطبق طريقته ويعمل على أساسه لذلك كل من كان واضعاً لهذا القانون فإنه سيكون رباً له يطيعه ويلتزم بما يحكم.

      عن أمير المؤمنين عليه السلام:

      "ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً، وأبعد آمالاً، وأعدَّ عديداً، وأكثف جنوداً، تعبدوا للدنيا أيّ‏َ تعبُّد، وأثروها أي إيثار، ثم ظعنوا5 عنها بغير زادٍ مبلِّغ6 ولا ظهر قاطع7"8.

      هؤلاء كما نرى في ما روي عن الإمام عليه السلام قد تعبُّدوا للدنيا بدل أن يتعبدوا للَّه (عزَّ وجلّ‏َ)، فاختاروا الدنيا وآثروها ولكن لم يخرجوا عن سنة العبادة ونظامها، وإن تركوا عبادة اللَّه فبقوا عبيداً لرب آخر ومعبود آخر إلا أنه لا يبقى ولا يدوم ولن يأخذوا منه زاداً يكفيهم لكي يبلغوا آخر سفرهم ويوصلهم إلى مقصدهم، ولم يكن هذا المعبود أو هذه العبادة بالمركب القوي الذي يستطيع أن يقطع بهم طريق الآخرة فهو مركب ينتهي به الأمر عند بداية سفر الآخرة، فهو مركب غير قاطع.


      31
      إذن الإنسان يتقلب بين عبادة للَّه وعبادة لغيره وعليه هو أن يختار المعبود الذي إذا عبده كانت عبادته زاداً مبلغاً وظهراً قاطعاً.

      عبادة الله تعالى هي الفوز:

      الجن والإنس والملائكة والأنبياء وغيرهم عبدوا اللَّه واستعبدهم سبحانه وتعالى وهم عبدوه وتركوا عبادة غيره ففازوا، ولم يخلُ منهم زمن ولا دهر ولا مكان ولا مقام في عالم الغيب والشهادة.

      عنه عليه السلام:

      "من ملائكة أسكنتهم سماواتك... وإنهم على مكانهم منك ومنزلتهم عندك واستجماع أهوائهم فيك وكثرة طاعتهم لك، وقلة غفلتهم عن أمرك... لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقّروا أعمالهم، ولزروا على أنفسهم، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك..."9.

      وعنه عليه السلام:

      "ألا ترون أن اللَّه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات اللَّه عليه، إلى الآخرين من هذا العالم... ولكن اللَّه يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بأنواع المجاهد.."10.

      وعنه عليه السلام:

      "وما برح للَّه وعزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم..."11.

      وعنه عليه السلام يتكلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

      "أمره بتقوى اللَّه في سرائر أمره وخفيات عمله... فقد أدى الأمانة، وأخلص العبادة..."12.


      32
      العبادة هي سر ارسال الأنبياء صلوات اللَّه عليهم:

      الحكمة من إرسال الأنبياء صلوات اللَّه عليهم هي دلالة الناس وإرشادهم وهدايتهم إلى عبادة اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ)، ولولا ذلك لما توصل أحد إلى هذه العبادة ولما عرف أحد كيف يعبد اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) ومن أي طريق، ولضلوا ولاختلفوا واقتتلوا أشد مما اقتتلوا فمع إرسال عدد كبير من الأنبياء صلى الله عليهم نجد أن التاريخ قد فاض بالدماء بحوراً بسبب الاختلاف والضلالة في السبل وعدم معرفة سبيل العبادة الأصلح للبشرية.

      عنه عليه السلام:

      "فبعث اللَّه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته، بقرآن قد بينه وأحكمه..."13.

      نلاحظ كلامه عليه السلام "من عبادة الأوثان إلى عبادته"، فالإنسان دائماً يسعى لأن يكون عبداً لما يراه يحقق له أهدافه ويجعله أمامه يخضع له ويعبده ويجعله ربه ومدبر أموره، فلو لم يرسل اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) الأنبياء لخضع الإنسان حتى للحجارة كما فعل عبدة الأوثان والحجر هو أدنى مخلوق في سلسلة مراتب المخلوقات ومع ذلك عبده الإنسان عندما لم يجد من ينير له طريقه. فلو كان الإنسان يستطيع أن يستدل على طريق العبادة وسبيلها دون الأنبياء ولما كان هناك حكمة من إرسالهم.

      فيمكن أن يستفاد من كلام الإمام عليه السلام أمران:

      الأول: أن معرفة اللَّه وإن كانت ممكنة من خلال العقل، إلا أن معرفة سبل عبادته ومنهاج طاعته غير ممكنة، إلا من خلال الأنبياء وهذا دليل على ضرورة النبوة.

      الثاني: أن العباد بما أنهم لن يستطيعوا أن يخرجوا من تحت نظام العبادة وشموليته، فلا بد أن يفتشوا ويتعرفوا على العبادة الصحيحة، وبما أنه لا طريق إلى معرفتها إلا من خلال الأنبياء عليهم السلام، إذن لا بد من الالتزام بطاعتهم وبأمرهم، وهذا دليل على ضرورة الالتزام بولاية وطاعة أولياء اللَّه(عزَّ وجلّ‏َ).


      33
      خلاصة الدرس
      1- الإنسان خاضع لنظام الخلق شاء أم أبى ولا يستطيع أن يتجاوز هذا النظام وهذه السنة الإلهية الكونية المسيطرة على الوجود، وعلى جميع الموجودات من الملائكة والبشر والحيوانات والنبات والجماد، ولا فرق في ذلك بين المؤمن باللَّه وغيره.

      2- إن معنى العبادة يصدق على كل إنسان حتى من لا يعبد اللَّه، فإنه يكون عبداً للدنيا، أو للأمير والسلطان، أو لشهواته النفسية وهواه الشيطاني.

      3- الحكمة من إرسال الأنبياء صلوات اللَّه عليهم هي دلالة الناس وإرشادهم وهدايتهم إلى عبادة اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ)، ولولا ذلك لما توصل أحد إلى العبادة الحقيقية، ولما عرف أحد كيف يعبد اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) ومن أي طريق، ولضلوا واختلفوا واقتتلوا.
      للحفظ
      من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

      "فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا".

      "ألا ترون أن اللَّه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات اللَّه عليه، إلى الآخرين من هذا العالم... ولكن اللَّه يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بأنواع المجاهد".
      أسئلة حول الدرس
      1- ما معنى أن تكون العبادة حالةً تكوينيةً تعيشها كل المخلوقات؟
      2- ما معنى كون العبادة سنة اجتماعية؟
      3- أمرنا الإمام علي عليه السلام أن نعتبر من فعل إبليس فما كان فعله؟
      4- ما هي الحكمة من ارسال الأنبياء والرسل؟
      إقرأ
      خصائص أمير المؤمنين عليه السلام

      كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام لمؤلفه العالم الكبير والسيد الجليل الشريف النقيب السيد الرضي الملقب بالشريف الرضي المتوفي سنة 406 هجرية.

      يتميز هذا الكتاب الصغير الحجم العظيم الفائدة والعلم بعدة ميزات:

      1- أن مؤلفه من العلماء الكبار الذين حفروا اسم التشيع وحملوا همه الكبير فأفنوا عمرهم في خدمته، وهو الذي جمع كتاب نهج البلاغة، وصنف الكثير من التصانيف المهمة الأخرى.

      2- أن الكتاب على إيجازه واختصاره يخلق في نفس القارى‏ء انشدادا ما له من نظير نظرا لسلاسة الأسلوب وبلاغته في آن معا إضافة إلى المضمون الرائع الذي يحتويه.

      3- لم يقتصر المؤلف قدس سره على إيراد ما ورد في التاريخ من الأمور التي تميز بها أمير المؤمنين عليه السلام فحسب بل تعدى عن ذلك ليروي بعضا من الأشعار التي خلدها التاريخ في مدح هذا الرجل الأكبر والإمام الأعظم أمير المؤمنين عليه السلام.

      فهذا الكتاب المميز هو نموذج للكتاب الذي لا يمل قارئه بل ينتقل فيه من صفحة إلى أخرى بكل شغف، وما يميزه أيضا عدم كبر حجمه فهو مؤلف من مئة وصفحتين إلا أنها مملوءة علماً جما.
      للمطالعة
      العبادة

      قال العلامة المجلسي رحمه اللَّه: "عن حبّة العرني، قال: بينما أنا ونوف نائمين في رحبة القصر إذ نحن بأمير المؤمنين عليه السلام في بقيّة من الليل واضعاً يده على الحائط شبيه الواله، وهو يقول:

      ï´؟إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِï´¾ 14.

      قال: ثم جعل يقرأ هذه الآيات... فقال لي: أراقد أنت يا حبّة، أم رامق؟
      قال: قلت: بل رامق، هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن؟ فأرخى عينيه فبكى، ثم قال لي:
      يا حبّة، إن للَّه موقفاً، ولنا بين يديه موقفاً لا يخفى عليه شي‏ء من أعمالنا.
      يا حبّة، إن اللَّه أقرب إليّ وإليك من حبل الوريد.
      يا حبّة، إنه لن يحجبني ولا إياك عن اللَّه شي‏ء.
      قال: ثم قال: أراقد أنت، يا نوف؟
      قال: قال: لا، يا أمير المؤمنين ما أنا براقد، ولقد أطلت بكائي هذه الليلة، فقال:
      يا نوف، إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من اللَّه تعالى قرّت عيناك غداً بين يدي اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ).
      يا نوف، إنه ليس من قطرة قطرت من عين رجل من خشية اللَّه إلا أطفأت بحاراً من النيران.
      يا نوف، إنه ليس من رجل أعظم منزلة عند اللَّه من رجل بكى من خشية اللَّه، وأحبّ في اللَّه، وأبغض في اللَّه.
      يا نوف، إنه من أحبّ في اللَّه لم يستأثر على محبّته، ومن أبغض في اللَّه لم ينل مبغضيه خيراً، عند ذلك استكملتم حقايق الإيمان.

      ثم وعظهما وذكّرهما، وقال في أواخره:

      "فكونوا من اللَّه على حذر، فقد أنذرتكما".

      ثم جعل يمر وهو يقول:

      "ليت شعري في غفلاتي أمعرض أنت عني، أم ناظر إلي، وليت شعري في طول منامي وقلّة شكري في نعمك عليّ ما حالي؟".
      قال: فواللَّه، ما زال في هذا الحال حتى طلع الفجر15.

      تعليق


      • #4
        الدرس الرابع: العبادة -2-
        لزوم العبادة:

        نجد أن الإمام عليه السلام فيما روي عنه في نهج البلاغة يشير إلى لزوم العبادة ويؤكد عليها لاعتبارات عدة:

        الأول: وقد مر ذكره ببيان أن العباد مقهورون ومجبرون ومضطرون إلى العبادة شاؤوا أم أبوا فإن لم يعبدوا اللَّه كانوا عبيداً لغيره وهم في هذا لا يخرجون عن كونهم عبيداً للَّه، لأنهم يكونون خاضعين للنظام والسنة الإلهية.

        وقد مر الحديث عنه عليه السلام:

        "فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون..."1.

        الثاني: بأن هذه العبادة هي اختبار للإنسان وامتحان، وليست أمراً اعتبارياً مجرداً من أي غاية وحكمة، بل يكون من خلالها المفاضلة في مراتب العباد.

        عنه عليه السلام:

        "ولكن اللَّه يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره اخراجاً للتكبر من قلوبهم، واسكاناً للتذلل في نفوسهم..."2.

        وهذا الاختبار أيضاً ليس خالياً من الكرم الإلهي والفضل الرباني، فاللَّه يصلح به الإنسان وليس لمجرد معرفة الخبيث من الطيب، بل هو رحمة ولطف أيضاً، فالعبادة دواء وشفاء من أعظم الداء وهو الشرك، وهذا من آثارها كما سيأتي.

        الثالث: الترغيب بالربح من خلال التجارة مع اللَّه، باعتبار أن بعض الناس قد يتعاملون حتى مع اللَّه(عزَّ وجلّ‏َ) من جهة انتظارهم للفائدة والربح المقابل.


        39
        فهم ينتظرون بدلاً معيناً وربحاً مضموناً وإلا تركوا العمل ويمكن أن تكون هذه العبادة عبادة التجار التي يتحدث الإمام عليه السلام عنها في نهج البلاغة أيضاً وسيأتي الكلام عنها، وهناك عبادة العبيد وهم المضطرون إلى هذه العبادة قهراً وخوفاً وكأن الطريقة الأولى التي مر ذكرها في بيان لزوم العبادة خطاباً لهؤلاء.

        من كلامه عليه السلام المروي عنه الذي يستفاد منه الترغيب بالعبادة من باب التجارة مع اللَّه:

        "واختار من خلقه سُمَّاعاً أجابوا إليه دعوته، وصدّقوا كلمته... يحرزون الأرباح في متجر عبادته..."3.

        وهذا يناسب معنى قوله تعالى:

        ï´؟يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ...ï´¾ 4.

        الرابع: الامتنان والدعوة لشكر اللَّه على نعمه، فإن شكر المنعم لازم وواجب عقلاً.

        عنه عليه السلام:

        "فاتقوا اللَّه الذي نفعكم بموعظته، ووعظكم برسالته، وامتنّ‏َ عليكم بنعمته، فعبِّدوا أنفسكم لعبادته، وأخرجوا إليه من حق طاعته"5.

        وكأنه عليه السلام يفرِّع لزوم العبادة على العباد بالنعمة الشاملة للرسالة التي هي نعمة معنوية والنعم الأخرى المادية. وعليه فيلزم على العباد أن يعبِّدوا أنفسهم للَّه (عزَّ وجلّ‏َ) ويطيعوه مقابل ما أنعم عليهم، ووعظهم وهداهم.

        ولعل ذلك أيضاً إشارة إلى عبادة الشكر للَّه سبحانه التي هي من المراتب العليا للعبادة، وهذا ما يشير إليه كلامه المروي عنه أيضاً في نهج البلاغة:

        "فاعتصم باللَّه الذي خلقك ورزقك وسواك وليكن له تعبدك..."6.

        فمن خلق وسوى هو من يستحق العبادة مقابل خلقه وفيه معنى الشكر للخالق على خلقه.

        الخامس: أنها قضاء حق فإن من حق الخالق للوجود أن يعبده المخلوق دون غيره،


        40
        وليس من باب الاضطرار بل من باب أدء حق ذلك الخالق، فهي حق له، وإن كان هذا الحق لا يستطيع أن يؤديه أحد مهما جهد وسعى، فالإنسان إنما يعبد بالوجود المعطى من اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ)، والذي يمن به عليه في كل لحظة من حياته فهو حتى في عبادته غير مستغن عن الخالق سبحانه.

        عنه عليه السلام:

        "من قضى حق من لا يقضى حقه فقد عبده"7.

        ويمكن أن يستفاد هنا أن المراد هو ما فرضه اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) وجعله حقاً له على العبد وبهذا المعنى يشابه ما روي عنه عليه السلام في النهج أيضاً:

        "... ولا عبادة كأداء الفرائض"8.

        وكأن قضاء حق من لا يقضى حقه هو أداء ما افترض وهو أمر ممكن للعبد، فيستطيع أن يأتي بالفرائض وهو أدنى العبادة وبدونه لا تكون عبادة، لأن ترك أي عبادة مفترضة هو عمل محرم وهو تجرؤ على اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) وهتك لحرمته ولحدوده فالفرائض هي حدود اللَّه سبحانه، الذي إذا تجاوزه العبد يكون قد أخل بأدب العبودية وخرج من حيّز عبادة اللَّه إلى عبادة الشيطان.

        كيفية العبادة:

        قد يظن البعض أن العبادة هي أن يأخذ الإنسان نفسه بالأعمال العبادية والذكر والتهجد حتى يجهد نفسه ولو بالإجبار، فيؤدي الأمر به إلى أن تصير هذه العبادة وقتاً للتعب وبذل الجهد، لا فترة للتوجه إلى اللَّه والانقطاع إليه.

        لذلك نجد فيما روي عن الإمام علي عليه السلام في النهج في هذا المجال دواءً وتوجيهاً وتقويماً لهذا الاعوجاج وتصحيحاً لهذا الخطأ:

        "وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها، ولا تقهرها، وخذ عفوها9"10.

        وقد يستغرق الإنسان في بعض العبادات ولا يبقى لديه وقت لأداء العبادات الأخرى


        41
        الواجبة أيضاً. هذا الإنسان يظن أنه بهذا النحو يؤدي حق خالقه، غافلاً عن تقصيره في الواجبات الأخرى. كصلة الرحم وطلب الرزق وطلب العلم والتفقه إلى غيرها من العبادات.

        ومن الناس من يتخذ العبادة مظهراً، أو يرى العبادة هي الأعمال الظاهرية، فقط فيتظاهر بهذه الأعمال ويقصر نظره ويحصره في ظاهر العبادة، فتخلو أيضاً من الباطن، والروح فيكون جسده خاشعاً متعبداً وقلبه وروحه منشغلان عن معنى العبادة، بهذا الجسد وأعماله، فتسقط هذه العبادة عن القيمة والمنزلة ولا تصل إلى أكثر من محلها وهو الجسد، فيكون عمله الظاهر صالحاً إلا أن باطنه سيئاً ومتعفناً، وجهه متوجه لجهة القبلة وقلبه متوجه للدنيا فيخالف ظاهره باطنه.

        الإخلاص في العبادة:

        عنه عليه السلام:

        "إنه لا ينفع عبداً وإن أجهد نفسه وأخلص فعله أن يخرج من الدنيا لاقياً ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: أن يشرك باللَّه فيما افترض عليه من عبادته..."11.

        إن اخلاص الفعل من الشوائب دون اخلاص القلب من غير اللَّه لا ينفع العبد مهما عبد واجتهد لأن اللَّه يريد من العبد القلب كما مر.

        والشرك العملي في العبادة أن يريد العبد بعبادته رضا المخلوق، ولا يكون قلبه في هذه العبادة متوجهاً إلى اللَّه وحده، فهذه العبادة باطلة وغير مقبولة وغير نافعة، وهذا الشرك العملي معصية محرمة.

        وقد مر أنه روي عنه عليه السلام:

        "فاعتصم باللَّه الذي خلقك ورزقك وسواك، وليكن له تعبَّدك"12.


        42
        وللإخلاص مراتب منها:

        المرتبة الأولى: أن لا يكون رياء وسمعة وهي بمثابة الشرط في صحة العبادة وقبولها وخلافها شرك عملي ومعصية توجب بطلان العمل العبادي.

        لذلك يقول الإمام عليه السلام فيما روي عنه في نهج البلاغة:

        "ليس الخير في أن يكثر مالك وولدك.. وأن تباهي الناس بعبادة ربك.."13.

        وعنه عليه السلام:

        "يأتي على الناس زمان يُعدَّون الصدقة فيه غُرماً، وصلة الرحم مناً والعبادة استطالة على الناس"14.

        المرتبة الثانية: مرتبة التجار، وهي المستفادة من الحديث المروي عنه عليه السلام في نهج البلاغة:

        "إن قوماً عبدوا اللَّه رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا اللَّه رهبة فتلك عبادة العبيد وإن قوماً عبدوا اللَّه شكراً فتلك عبادة الأحرار"15.

        فبعض العباد يعبدون اللَّه عبادة التجار، يتاجرون مع اللَّه مقابل جنته. ولولا وجود الجنة لما عبدوه ولما أطاعوه، فكان دافعهم إلى الأعمال هو رغبتهم بما وعد اللَّه من النعم الأخروية والملذات في الجنة، وهذه المرتبة فيها شائبة الشرك العملي لأن العابد يريد فيها غير اللَّه وهو الجنة، إلا أنه وإن كان يريد الجنة وهي غير اللّه فهو يريد ما عند اللَّه وليس ما عند سواه. وقد قبل اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) هذه العبادة بلطفه وسعة رحمته.

        المرتبة الثالثة: مرتبة الخائفين العبيد، ولعل هذه المرتبة أقرب إلى العبودية الخالصة من سابقتها لأن حالة الخضوع تبرز فيها أكثر، ولكن عبادة الخوف لا تخلو أيضاً من شائبة الشرك، غفره اللَّه وقبله لأنه خوف ما عند اللَّه أيضاً، بخلاف الخوف من غير اللَّه الذي يدفع الإنسان إلى ترك عبادة اللَّه.

        المرتبة الرابعة: مرتبة الأحرار الذين يعبر عن عبادتهم تارة بعبادة الشكر للَّه (عزَّ وجلّ‏َ). تكون غايته رد الجميل بالجميل، والشكر على الجميل وهذه مرتبة من الخلوص حيث


        43
        أنها مقابل شي‏ء سبق به اللَّه عبده، ولكن لو لم يكن هناك شي‏ء سبق اللَّه به عبده هل كان عبده؟ فهناك عبادة أعلى وهي عبادة اللَّه لأنه أهل ويمكن أن تكون هي المرتبة الخامسة، فسواء أعطى اللَّه أم لم يعطِ هو يستحق العبادة وهو لها أهل. لذلك فهو لا يعبده رداً للجميل فقط، بل عرف الله وعرف صفاته ووجده أهلاً للعبادة فعبده.

        هذه هي العبادة وهذه هي مراتبها وآثارها، فطوبى للعابدين حقاً.


        44
        خلاصة الدرس
        1- إن العبادة هي قضاء حق الله على العبد فإن من حق الخالق الموجود أن يعبده المخلوق دون غيره، وليس من باب الاضطرار بل من باب أدء حق ذلك الخالق.

        2- ليس معنى العبادة أن يرهق الإنسان نفسه بالأعمال العبادية والذكر والتهجد حتى يصيبه النصب، إلى أن تصير هذه العبادة وقتاً للتعب وبذل الجهد، بل العبادة هي أن يتوجه الإنسان بكل قلبه بالإخلاص في أداء الواجبات كالصلاة والصوم وصلة الرحم وغيرها بالرفق واللين لا بالإجبار والإكراه.

        3- إن اخلاص الفعل العبادي من الشوائب دون اخلاص القلب من غير اللَّه لا ينفع العبد مهما عبد واجتهد لأن اللَّه يريد من العبد القلب المخلص له وحده.

        4- للإخلاص عدة مراتب منها:

        1- خلو القلب من الرياء المبطل للأعمال العبادية.
        2- مرتبة التجار، وهي المستفادة من الحديث المروي عنه عليه السلام في نهج البلاغة:

        "إن قوماً عبدوا اللَّه رغبة فتلك عبادة التجار".

        3- مرتبة الخائفين العبيد، ولعل هذه المرتبة أقرب إلى العبودية الخالصة من سابقتها لأن حالة الخضوع لله تعالى فيها أكثر من حالة عبادة التجار.
        للحفظ
        من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

        "فاتقوا اللَّه الذي نفعكم بموعظته، ووعظكم برسالته، وامتنّ‏َ عليكم بنعمته، فعبِّدوا أنفسكم لعبادته، وأخرجوا إليه من حق طاعته".

        "وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها، ولا تقهرها، وخذ عفوها".

        "يأتي على الناس زمان يُعدَّون الصدقة فيه غُرماً، وصلة الرحم مناً والعبادة استطالة على الناس".
        أسئلة حول الدرس
        1- ما هي الطرق الخمسة للعبادة والتي تستفد من كلام أمير المؤمنين عليه السلام؟
        2- ينصح أمير المؤمنين عليه السلام الناس بأسلوب معين في العبادة ما هو هذا الأسلوب؟
        3- ما هي مراتب الاخلاص؟
        4- ما المقصود بعبادة الأحرار؟
        5- كيف تكون العبادة الفكرية والقلبية؟
        إقرأ
        عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام

        كتاب "عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام" للمجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الحسيني العاملي رحمهم الله.

        كتاب واقع في مئة وسبع صفحات غني بالقصص العجيبة التي رويت عن أمير المؤمنين عليه السلام في القضاء والأحكام والحدود وغيرها من الأمور التي تميز بها عليه السلام.

        وقد قسم الكتاب بحسب التسلسل الزمني والتاريخي وبحسب المراحل المفصلية التي مر بها تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام وهذه المراحل هي:

        1- العصر الأول من الدعوة أي قضاياه في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
        2- قضايا الإمام عليه السلام في زمن الخلفاء.
        3- ثم قضاياه في زمن حكمه عليه السلام.

        كتاب فيه من التشويق والجاذبية ما يمنع القارى‏ء من تركه ويثير عجب ودهشة من لم يحط بحياة هذا الإنسان الذي عقمت الأرحام عن أن تأتي بمثله.
        للمطالعة
        حب علي عليه السلام

        في كتاب أمالي الشيخ رحمه الله: بأسانيده المفصّلة عن صالح بن ميثم التمّار (رحمه اللَّه) قال: وجدت في كتاب ميثم رضوان اللَّه عليه يقول: تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال لنا: ليس من عبد امتحن اللَّه قلبه بالإيمان إلاّ أصبح يجد مودّتنا على قلبه، ولا أصبح عبد ممّن سخط اللَّه عليه إلاّ أصبح يجد بغضنا على قلبه، فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ لنا ونعرف بغض المبغض لنا، وأصبح محبّنا مغتبطاً بحبّنا برحمة من اللَّه ينتظرها كلّ يوم، وأصبح مبغضنا، يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأنّ ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنّم، وكأنّ أبواب الرحمة قد فتحت لأصحاب الرحمة، فهنيئاً لأصحاب الرحمة رحمتهم، وتعساً لأهل النار مثواهم.

        إنّ عبداً لن يقصّر في حبّنا16 لخير جعله اللَّه في قلبه ولن يحبّنا من يحبّ مبغضنا، وإنّ ذلك لا يجتمع في قلب واحد
        ï´؟مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِï´¾ 17 يحبّ بهذا قوماً، ويحبّ بالآخر عدوّهم، والّذي يحبّنا فهو يخلص حبّنا كما يخلص الذهب لا غشّ فيه18، نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء، وأنا وصيّ الأوصياء، وأنا حزب اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والفئة الباغية حزب الشيطان، فمن أحبّ أن يعلم19 حاله في حبّنا فليمتحن قلبه، فإن وجد فيه حبّ من ألّب علينا20 فليعلم أن اللَّه عدوّه وجبرائيل وميكائيل وأن اللَّه عدوّ للكافرين21.

        تعليق


        • #5
          الدرس الخامس: الحق في نهج البلاغة
          امكان معرفة الحق:

          إن البشر كلهم منذ بداية خلقهم وعلى اختلاف توجهاتهم وعقائدهم وآرائهم يدعون أنهم على الحق، وأن الحق معهم ولهم، وعلى هذا الأساس يقاتلون بعضهم البعض وتراق الدماء وتزهق الأرواح، حتى وصل الأمر بالبعض للقول بأن ليس هناك شي‏ء اسمه الحق والحقيقة، فالكل يدعيه من وجهة نظره وقالوا بأن الحق من الأمور النسبية التي تختلف من شخص إلى آخر بحسب مقياس كل شخص أو فئة أو أمة، فتاهوا في معناه، وإمكان معرفته.

          الإمام علي عليه السلام الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

          "علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار".

          تكلم عن الحق كثيراً وعن امكانية معرفته وحدد معناه ومميزاته عن الباطل وتكلم عن أهل الباطل وصفاتهم وتركِ الحق وآثاره.

          ففي نهج البلاغة عنه عليه السلام في خطبة له يصف بها الحق يقول:

          "الحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف"1.

          وكأنه عليه السلام يؤكد أن معنى الحق قد يختلف فيه لسعة هذا المعنى واختلافه من جهة إلى جهة إلا أنه يبين كما سيأتي أن له معنى ثابتاً ويبين أن اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) خلق الإنسان وأعطاه القدرة على معرفة الحق والباطل والتمييز بينهما.

          عنه عليه السلام:

          "ثم نفخ فيها من روحه فتمثلت إنساناً ذا أذهان يجيلها وفِكَرٍ يتصرف بها وجوارح يختدمها، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل..."2.


          49

          وعنه عليه السلام:

          "قد انجابت السرائر لأهل البصائر، ووضحت حجة الحق لخاطبها (لأهلها)..."3.

          فحجة الحق إنما تتضح لأهل البصائر وتنكشف لهم السرائر ولكن بشرط هو أن يطلب الحق فالخاطب هو السائر عليها، فمن لم يسر باتجاه الحق وعلى الطريق الموصل إلى الحق الذي هو محجته فلن يصل إليه، وإنما سيصل إلى ما يسير إليه، وإلى ما يوصله إلى الطريق الذي يسلكه إن حقاً فحق وإن باطلاً فباطل، لذلك فمن ينفرد من الحق ويهرب منه لن يستطيع أن يعرفه أو أن يعرف أهله.

          عنه عليه السلام:

          "فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب، والباري من ذي السَّقَم"4.

          ثم إن اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) عندما أعطى الإنسان امكانية وقدرة معرفة الحق من الباطل، فلا بد أن يوضح له طريق الحق الموصل إلى السعادة والبقاء الذي إليه يسعى الإنسان وطريق الباطل الموصل إلى الشقاء والفناء الذي منه يفر الإنسان.

          وإلى هذا المعنى يشير كلامه المروي عنه عليه السلام في نهج البلاغة:

          "عباد اللَّه! اللَّه! اللَّه! في أعزِّ الأنفس عليكم وأحبِّها إليكم، فإن اللَّه قد أوضح لكم سبيل الحق، وأنار طرقه، فشقوة لازمة أو سعادة دائمة، فتزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء"5.

          فاللَّه أوضح سبيل الحق إلى السعادة وهي بالتزود لأيام البقاء في أيام الفناء، وأنار طريق الحق بحيث يستطيع الإنسان أن يميز بين الشقوة والسعادة وبين الفناء والبقاء.

          بناء على الحديث السابق تعرف معنى الحقّ وهو الثابت الباقي كما هو معنى الحق في اللغة، وما يفنى هو الباطل الفاني كما هو معنى الباطل في اللغة، وعليه يدور معنى الحق والباطل مدار البقاء والاستمرار والخلود، أو الفناء والزوال والبطلان.

          إن الحق لا يدور مدار آراء الناس ومعتقداتهم حتى يستطيع الإنسان أن ينسب للآخر


          50

          الذي يخالفه اسم الباطل، فليس الشخص نفسه هو ميزان الحق بل الحق ثابت وهو واحد بالنسبة إلى جميع البشر لأن الفاني فانٍ بالنسبة لجميع البشر والباقي باقٍ بالنسبة إليهم جميعاً فلا يختلف الحق من شخص إلى آخر، فهو موجود وعلينا أن نتعرف عليه كما هو السابق لا كما نفهمه.

          وهنا يبين الإمام عليه السلام فيما روي عنه في النهج أيضاً قوله:

          "فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق فيما تنكرون"6.

          معنى الحق.. وما يميزه عن الباطل:

          1- الباقي والثابت: هذا أول ما يميز الحق عن الباطل وهو معنى الحق الذي هو الباقي والثابت، ومعنى الباطل وهو الفاني والزائل.

          2- الحق هو الله: وما دونه باطل كما روي عنه عليه السلام:

          "هو اللَّه الحق المبين أحق وأبين".

          لأن اللَّه هو وحده الباقي وكل ما سواه فانٍ وإن كان يبقى فهو باللَّه (عزَّ وجلّ‏َ).

          3- الآخرة هي الحق: ويبين عليه السلام ميزة أخرى للباطل مستفادة من الميزة الأولى وهي أن الدنيا هي الباطلة والآخرة هي الحق. باعتبار أن الدنيا هي الفانية فمن تعلق بها وعمل لها بطل وبطلت أعماله وكان من الهالكين الفانين في العذاب خالداً وباطل ما كانوا يعملون، ومن عمل للآخرة خلد وخلدت أعماله وبقيت وكانت الباقيات الصالحات.

          عنه عليه السلام:

          "أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة ألا وإن الدنيا قد ولّت حذَّاء7، فلم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء اصطبَّها صاحبها، ألا وإن الآخرة قد أقبلت ولكل منهما بنون، فكوّنوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل ولد سيلحق بأبيه (بأمه) يوم القيامة..."8.


          51

          نرى أنه عليه السلام قد اعتبر الدنيا فانية ومولية بسرعة، والآخرة باقية، لذلك اعتبر أن اتباع أهواء النفس ومشتهياتها الدنيوية تصد عن الحق الباقي ومنه الآخرة، وطول الأمل يشغل الإنسان بالدنيا وينسيه الآخرة.

          ولهذا ينهى أبا ذر رضوان اللَّه عليه عن قبول دنيا الحاكمين وأمره أن يستوحش منها لأنها باطل، وأن يستأنس بالحق الذي هو غير الدنيا وأهلها وهو اللَّه والآخرة.

          عنه عليه السلام:

          "لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمَّنوك"9.

          فقد جعل قبوله لدنياهم باطلاً وأمره أن يستوحش منه بل أن لا يستوحش من غيره، وتركه لدنياهم حقاً يجب أن يستأنس به وهو الآخرة وما بعد الحق إلا الضلال.

          أسباب اشتباه الحق بالباطل:

          لقد مر أن الحق واضح، وأن اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) قد أوضح طرقه، وأعطى الإنسان ما يمكنه من معرفته، فلماذا إذن يضل عنه كثير من الناس أو يشبهون به، فيخلطون بينه وبين الباطل؟

          الإمام عليه السلام يجيب عن هذا التساؤل فيما روي عنه في نهج البلاغة:

          أولاً: أنه وكما سيأتي فيما بعد هناك أشخاص يدعون العلم يضلّون الناس عندما يفسرون كتاب اللَّه بآرائهم الشخصية دون علمٍ وبينة وبدافع الهوى وحب النفس والدنيا والتقرب للسلاطين لجمع المال والدنيا والحصول على المنصب ونحو ذلك.

          عنه عليه السلام:

          "وآخر قد تسمى عالماً وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضُلاَّل، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور، حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه..."10.


          52

          ثانياً اختلاط الحق بالباطل: قد يكون هناك تشابه بين الحق والباطل فيشتبه الإنسان بينهما كما لو رأى الدنيا وطول بقائها ومدتها فيتوهم أنها باقية، فيشتبه بينهما وبين الآخرة، وقد يختلط الحق بالباطل كما لو علم الإنسان بأن اللَّه سبحانه رحيم ورحمته واسعة وهذا أمر حق، فيجوز لنفسه المعاصي بدليل رحمة اللَّه، أو أن يستصغر بعض المعاصي باعتبار أن اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) لا يهتم بها، فيخلط الحق بالباطل فيقع تدريجياً في المعاصي ويعتاد عليها، وقد يصل به الأمر إلى إنكار العقائد أو الواجبات الإلهية فيقع في الكفر.

          لذلك حتى لا يقع الإنسان بالباطل لا بد أن يلتفت الإنسان، فكما يجب أن يختار الحق في ما يعتقد به كذلك فيما يفعله، وخصوصاً إذا خلط أهوائه بفهم الحق فإنه قطعاً لن يصل إليه.

          عنه عليه السلام:

          "إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللَّه، ويتولى عليها رجال على غير دين اللَّه، فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان! فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو (الذين سبقت لهم منا الحسنى)"11.

          إذن الفتن والضلالات سببها الأهواء وحب الدنيا، التي تختلط بالحق، وتجعل الإنسان يصدر أحكاماً مبتدعة جديدة مخالفة لكتاب اللَّه، والمبتدع في الدين يعمل بغير الدين ويسن سنة غيره، فإن لم يكن هو على غير الدين فإنه سيفتح باباً لغير أهل الدين يتولوا على أهله ويضلّوهم كما تعلم من تاريخ الإسلام الذي تحول فيه إلى ملكية وراثية يرثها أهل الفسق والخمر والفساد.

          ثالثاً: تغليب الباطل على الحق، ورفض الحق وقبول الباطل يؤدي إلى انتصار


          53

          الباطل وظهوره ودفن الحق تحته بل قد يصل إلى درجة يحتاج اخراج الحق إلى جهد أكبر ممن ينقب الصخر ليخرج الماء.

          عنه عليه السلام:

          "أيها الناس! لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم، ولم يقوَ من قوي عليكم، لكنكم تُهْتُم متاه بني إسرائيل، ولعمري! ليضعفنّ‏َ لكم التيه من بعدي أضعافاً بما خلفتم الحق وراء ظهوركم..."12.

          فهم قد تاهوا بسبب تقديمهم وتغليبهم للباطل بترك نصرتهم للحق، فأضاعوه وتضاعف ضياعهم وتيههم أشد من بني إسرائيل، ودفنوا الحق تحت التراب بل تحت الصخر، وصعبوا مهمة إخراج الحق وإظهاره حتى صار بحاجة إلى بقر الباطل أو نقبه ليظهر الحق.

          عنه عليه السلام:

          "وأيم اللَّه، لأبقُرَنّ‏َ الباطل حتى أُخرجَ الحق من خاصرته"13.

          وعنه عليه السلام أيضاً:

          "فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه"14.

          رابعاً: ترك أئمة الهدى عليهم السلام:

          في الحديث الذي مر سابقاً عنه عليه السلام يقول فيه:

          "... ولعمري، ليضعفنّ‏َ لكم التيه بعدي أضعافاً بما خلَّفتم الحق وراء ظهوركم، وقطعتم الأدنى ووصلتم الأبعد، واعلموا أنكم إن اتبعتم الداعي لكم سلك بكم منهاج الرسول، وكفيتم مؤونة الاعتساف، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق"15.

          فهم بتركهم للدعاة إلى اللَّه ضلوا عن منهاج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأوقعوا أنفسهم في التعسّف وتحت ثقل ونير ظلم ولاة الجور.


          54

          وعنه عليه السلام:

          "فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب، والباري من ذي السَّقم، واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله"16.

          فما لم يميز الإنسان بين من أمسك بالرشد ومن تركه، ومن أخذ بالكتاب ومن نقضه، فلن يستطيع الاقتراب من الحق بل سينفر من الحق ويهرب منه هرب الصحيح من الأجرب، فإذا أراد أن يميز فليلجأ إلى أهل الرشد وأهل الكتاب فهم يولّونه إلى الحق ويهدونه إليه.


          55

          خلاصة الدرس
          1- إن البشر كلهم منذ بداية خلقهم وعلى اختلاف توجهاتهم وعقائدهم وآرائهم يدعون أنهم على الحق.

          2- إن اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) أعطى الإنسان امكانية وقدرة معرفة الحق من الباطل.

          3- إن الحق لا يدور مدار آراء الناس ومعتقداتهم حتى يستطيع الإنسان أن ينسب للآخر الذي يخالفه اسم الباطل، فليس الشخص نفسه هو ميزان الحق بل الحق ثابت وهو واحد بالنسبة إلى جميع البشر.

          4- من معاني الحق:

          1- الباقي والثابت.
          2- الله هو الحق والحق من أسمائه.
          3- الآخرة من معاني الحق لأنها هي الثابتة والدنيا إلى زوال.

          5- قد يشتبه بعض الناس في تميز الحق من الباطل والسبب في ذلك الشبهات التي قد تطرأ على ذهن الإنسان ولم يهتد لها إلى حل بحدود علمه، ومن الأسباب أيضا أن يفسر الإنسان الدين بآرائه من دون أن يستند إلى الدليل والحجة وإنما بدافع الهوى وحب النفس.

          6- إن ترك أئمة الهدى والعلماء يؤدي بالناس إلى الضياع عن طريق الحق وسلوك الطرق الباطلة التي لا توصل لمرضاة الله تعالى.
          للحفظ
          من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

          "فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب، والباري من ذي السَّقَم".

          "فإن اللَّه قد أوضح لكم سبيل الحق، وأنار طرقه، فشقوة لازمة أو سعادة دائمة، فتزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء".

          "أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة".
          أسئلة حول الدرس
          1- ما هو معنى الحق؟
          2- ما الذي يميز الحق عن الباطل؟
          3- لماذا يخلط بعض الناس بين الحق والباطل؟
          4- ما هو السبب الأساسي للفتن والضلالات؟
          5- ما هو الأثر الذي ينتج عن الابتعاد عن أئمة الهدى؟
          إقرأ
          عيد الغدير

          كتاب "عيد الغدير" لمؤلفه الكاتب المسيحي الأستاذ بولس سلامة.

          بخلاف ما قد ينقدح في ذهن قارى‏ء هذا العنوان، من أن هذا الكتاب متخصص في الحديث عن حادثة الغدير فقط، إلا أن الحقيقة أن الكتاب سمي بأحد فصوله التي تتحدث عن يوم الغدير. وهذا الكتاب الرائع على أقل تقدير كتاب يروي مفاصل تأريخية من حياة أمير المؤمنين عليه السلام، لكن بطريقة الشعر القريض المقفى، الذي يتميز بفخامة العبارة وسهولتها في آن معا واحتواءها على الصور الشعرية الرائعة في تصوير الأحداث والحوارات والانفعالات النفسية وغيرها. ولو أنصف الحكم فإن هذا الكتاب هو من أروع الأدبيات التي كتبت عن أمير المؤمنين عليه السلام، يقول الكاتب في مقدمة الديوان: فيا أبا الحسن ماذا أقول فيك وقد قال الكتاب في المتنبي: (إنه مالى‏ء الدنيا وشاغل الناس)، وإن هو إلا شاعر له حفنة من الدر إزاء تلال من الحجارة، وما شخصيته حيال عظمتك إلا مدرة على النيل خجلى من عظمة الأهرام.

          حقاً إن البيان ليسف، وإن شعري لحصاة في ساحلك يا أمير الكلام ولكنها حصاة مخضوبة بدم الحسين الغالي، فتقبل هذه الملحمة، وانظر من رفارف الخلد إلى عاجز شرف قلمه بذكرك. ومن الأشعار اللطيفة التي نظمها الشاعر الكبير في هذا الديوان قوله:

          جلجل الحق في المسيحي حتى عد من فرط حبه علويا
          أنا من يعشق البطولة والإلهام والعدل والخلق السويا
          فإذا لم يكن علي نبيا فلقد كان خلقه نبويا


          ويقول في موضع آخر من الديوان:

          هو فخر التأريخ، لا فخر شعبٍ يدعيه ويسطفيه وليا
          لا تقل شيع هواة علي إن في كل منصف شيعيا
          إنما الشمس للنواظر عيد كل طرف يرى الشعاع السنيا
          للمطالعة
          الحق والباطل "كلمة حق عند سلطان جائر"

          أروى بنت الحارث بن عبد المطلب‏

          قال ابن عبد البرِّ: إنّ‏َ أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة، فلمّا رآها معاوية قال: مرحباً بك وأهلاً يا عمَّة! فكيف كنت بعدنا؟.

          فقالت: يا ابن أخي لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمِّك الصحبة، وتسمَّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقِّك من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام بعد أن كفرتم برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فأتعس اللَّه منكم الجدود، وأضرع اللَّه منكم الخدود، وردّ الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو المنصور، فولّيتم علينا بعده، تحتجّون بقرابتكم من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر، فكنّا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان عليّ‏ُ بن أبي طالب عليه السلام بعد نبيَّنا صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنَّة، وغايتكم النَّار.

          إنّ‏َ عليّاً أدَّى الأمانة، وعمل بأمر اللَّه، وأخذ به، وأنت ضيَّعت أمانتك، وخنت اللَّه في ماله، فأعطيت مال اللَّه من لا يستحقّه، وقد فرض اللَّه في كتابه الحقوق لأهلها وبيَّنها فلم تأخذ بها، ودعانا عليّ‏ُ إلى أخذ حقّنا الّذي فرض اللَّه لنا، فشغل بحربك عن وضع الأمور مواضعها، وما سألتك مالك شيئاً فتمنّ‏َ به إنَّما سألتك من حقّنا، ولا نرى أخذ شي‏ء غير حقّنا، أتذكر عليّاً فضّ‏َ اللَّه فاك وأجهد بلاغك؟ ثمّ‏َ علا بكاؤها وقالت:

          ألا يا عين ويحك أسعدينا ألا وأبكي أمير المؤمنينا
          رُزينا خير من ركب المطايا وفارسها ومن ركب السَّفينا
          ومن لبس النعال أو احتذاها ومن قرأ المثاني والمئينا
          إذ استقبلت وجه أبي حسين‏ رأيت البدر راع النّاظرينا
          ولا واللَّه لا أنسى عليّاً وحسن صلاته في الراكعينا
          أفي الشهر الحرام فجعتمونا بخير النّاس طرّاً أجمعينا



          فأمر معاوية لها بستَّة آلاف دينار، وقال لها: يا عمَّة أنفقي هذه فيما تحبِّين...

          وفي رواية قال لها: يا عمَّة! عفا اللَّه عما سلف، يا خاله هات حاجتك، قالت: ما لي إليك حاجة، وخرجت عنه، فقال معاوية لأصحابه: واللَّه لو كلّمها من في مجلسي جميعاً لأجابت كلّ‏َ واحد بغير ما تجيب به الآخر، وإنّ‏َ نساء بني هاشم لأفصح من رجال غيرهم"17.

          تعليق


          • #6
            لدرس السادس: أهل الحق وأهل الباطل
            أهل الخطايا وأهل التقوى:

            إن لأهل الحق صفات يعرفون بها، وكذلك أهل الباطل فلكل منهما أهل كما روي عنه‏ عليه السلام:

            "ألا وأن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخُلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، إلا وأن التقوى مطايا ذُلُل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة، حق وباطل ولكل أهل..."1.

            في هذا الكلام قسم عليه السلام الناس إلى قسمين لا ثالث لهما أهل الحق وأهل الباطل، وذكر مميزات لكل منهما، فأهل الباطل يتميزون بأنهم ركبوا الخطايا، فلم يستطيعوا السيطرة عليها لأن الشهوات هي التي تدفع الإنسان إلى الخطايا، فإذا سلم الإنسان نفسه لها سلبته عقله وتملمت به وأفلت زمام نفسه وقيادها من يده فكانت كالخيل الشمس الصعبة التي لا يستطيع صاحبها التحكم بها، ومن ترك العقل كان كمن أفلت الزمام من يده فقادته نفسه إلى الهلكة، ورمته في نار شهواته.

            هؤلاء كان الحق تبعاً لأهواهم ولم تكن أهواؤهم تابعة للحق فيميلوا إليه ويعملوا له، وتكون أهواؤهم فيه، لذلك تركوا كتاب اللَّه كما تركوا العقل، وعملوا فيه بآرائهم.

            كما ورد عنه عليه السلام في صفات الفساق:

            "قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه..."2.

            أما أهل التقوى فاعطوا قياد أنفسهم ولجامها للعقل، فأمسكوا بها، وذلّت لهم، فكانت كالخيل المدربة الذليلة والسهلة، فابتعدوا بها عن الهالك واتقوا بها الشهوات فنجوا من العذاب ونالوا السعادة في الدنيا والآخرة.


            61

            أهل اليقين وأهل العمى:

            كان أولياء اللَّه على يقين وطمأنينة لا تضلهم الشبهات، ولا تغويهم الشهوات على عكس أعداء اللَّه الذين لا دليل لهم إلا العمى.

            عنه عليه السلام:

            "إنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق، فأما أولياء اللَّه فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء اللَّه فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى"3.

            لذلك كان أهل اليقين من أهل البصائر، وضح الطريق أمامهم واستنار فسلكوا سبيل الحق ونهجه عنه عليه السلام:

            "قد انجابت السرائر لأهل البصائر ووضحت محجة الحق لخابطها..."4.

            فمن كان من أهل التقوى كان العدل هو ديدنه وأول ما تظهر آثار عدله على نفسه حيث ينهاها عن الهوى واتباع الشهوات والميل إليها، ويقول الحق ويعمل به.

            أهل العدل، وأهل الهوى:

            عنه عليه السلام في صفات أهل التقوى:

            "فكان أول عدله نفي الهدى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به"5.

            فهو يعمل بالحق ولو كان على خلاف أهوائه ومصالحه وفائدته بل حتى لو جر عليه المصائب، والابتلاءات المختلفة ويترك الباطل مهما حقق له من المكاسب والفوائد ومتاع الدنيا ومناصبها وتسبب له بالفقر والنقص في المال. من هنا كان من يمتاز بهذه الصفة من أفضل العباد عند اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ).

            فقد ورد عنه عليه السلام:

            "إن أفضل الناس عند اللَّه من كان العمل أحب إليه وإن نقصه وكرثه، من الباطل وإن جرَّ إليه مائدة وزاده"6.


            62

            ولذلك ينهى الإمام عليه السلام من أراد أن يكون من أهل الحق عن الأنس بغير الحق، وأن لا يستوحش إلا من الباطل، لأن الباطل كما مر مصيره إلى النار والهلاك ولو عرفه المرء لاستوحش منه، والحق مصيره إلى الجنة والسعادة واليقين.

            عنه عليه السلام:

            "لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك ولو قرضت منها لأمنوك...."7.

            فمن قبل الدنيا يحبه أهل الباطل ويعطونه الأمان.

            أهل الجهل وأهل الباطل:

            لكن هناك من الناس من يطلب الحق إلا أنه يخطئ فيقع في الباطل بسبب جهله، ولأنه لم يحصن نفسه بالعلم ليستطيع التمييز بين الحق وسراطه وأهله، والباطل وسبله وأهله وهناك من يطلب الباطل فيدركه، فهذا من نيته منذ البداية طلب الباطل على عكس الأول وهذا هو الفرق بينهما، لذلك لا يستوي هؤلاء في الحكم، فإن من طلب الحق فوقع جهلاً في الباطل، لو عرف أنه باطل لتركه، دون من قصد الباطل وسعى للوصول إليه.

            لذلك روى أنه عليه السلام نهى من قتال الخوارج من بعده بقوله:

            "لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه..."8.

            الإفراط في الحب والبغض:

            وهناك من الناس من يذهب به حبّه إلى درجة الافراط، لما مر من عدم اتزانه وتقيده وانقياده للعقل، فيصل به إلى درجة الغلو واعطاء العبد صفات إلهية، أو نسبة الألوهية إليه أو الربوبية، مما يعتبر كفراً وشركاً.


            63

            والبعض الآخر بسبب الإفراط أيضاً، وعدم التزامه بقواعد وموازين واقعية وصادقة وبعيدة عن الأهواء الشخصية، والنوازع القبلية أو العرفية أو غيرها، يصل به البغض إلى حدٍّ يعادي أولياء اللَّه ويقاتلهم ويبعد الناس عنهم.

            كلا هذين الشخصين من أهل الباطل وهما من الهالكين كما عبر الإمام في الحديث المروي عنه:

            "وسيهلك في صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق..."9.

            آثار ترك الحق:

            مما مر يظهر أن للعمل بالحق أو تركه آثار ونتائج، فلا شك أن ترك الحق له نتائج سلبية وسيئة على صعيد الشخص والمجتمع وفي الدنيا والآخرة، فنورد بعض هذه النتائج بحسب ما ورد في نهج البلاغة:

            1- الوقوع في مفاسد الباطل:

            وهذا أمر واضح ونتيجة حتمية فما بعد الحق إلا الضلال.

            عنه عليه السلام:

            "ألا وأنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ألا ومن لا يستقيم به الهدى يجره الضلال إلى الردى"10.

            فالنتيجة إذن أن يضره الباطل وأول أضراره أن يجره إلى الردى، ويبعده عن الاستقامة والهداية.

            2- ترك الدفاع والممانعة عن البلاد، وعدم نصرة الأئمة عليهم السلام:

            الحق لا يدرك إلا بالسعي والبذل والعطاء، فمن لم يكن مراده الحق، ولم يكن جدّياً ومجدّاً في إرادة الحق، وكان له أهواء أخرى تحركه، فإن نتائج ذلك أن لا يدافع عن الحق ويغفل عن منافعه ويقصر نظره على المنافع الآنية، فلا يدافع عن داره، ولا يقاتل مع أمير


            64

            الحق وإمام الحق وقائد الحق، فإن لم يدافع عن داره ولا يقاتل مع أميره ومولاه الحق، فهل سيدافع عن دار غيره وبلاد غيره، ومع أي إمام سيقاتل إن لم يقاتل مع الحق.

            عنه عليه السلام:

            "لا يدرك الحق إلاّ بالجد، أي دارٍ بعد داركم تمنعون، ومع أي إمام بعدي تقاتلون..."11.

            3- استيلاء الشيطان على الإنسان:

            هذا ما نستفيده مما روي عنه عليه السلام:

            "... ولو أن الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضغث فيمزجان! فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه..."12.

            فإن ترك الحق واتباع الباطل ولو لإشتباهه بالحق يوقع الإنسان في شباك الشيطان ويستولي عليه ويتحكم به حتى يصير من أوليائه وأنصاره وعمّاله.

            4- الوقوع في المغالاة أو المعاداة والبغض:

            كما مر في ما روي عنه عليه السلام في هلاك الصنفين: المحب والمبغض قوله:

            "هلك فيّ رجلان محب غال ومبغض قال"13.

            5- زوال النعمة:

            عنه عليه السلام:

            "إن للَّه في كل نعمة حقاً فمن أداه زاده منها، ومن قصّر فيه خاطر بزوال نعمته"14.

            اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) وعد عباده بنصرتهم وباغداق النعم عليهم إذا نصروه وأقاموا حكمه واستقاموا على طريقته وأطاعوه، بل حتى لو لم يعبد اللَّه عباده، فإنهم إن أقاموا الحق والعدل بينهم ستستقيم حياتهم وتصلح ويعمها الخير والصلاح والطمأنينة، ولا يخاف أحد جوراً أو ظلماً أو نقصاً وعمّت الرحمة الإلهية:


            65

            "رحم اللَّه رجلاً رأى حقاً فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عوناً بالحق على صاحبه"15.

            فإذا تركوا الحق ولم يؤدوه إلى اللَّه وإلى بعضهم البعض زالت النعم، وعمّ‏َ الظلم، ولم تصل الحقوق إلى أهلها، وشب الخلاف والتنازع والتباغض والتقاتل والتفرق وهكذا إلى نهاية الفساد.

            6- الشقاء اللازم:

            عنه عليه السلام:

            "فإن اللَّه قد أوضح لكم سبيل الحق، وأنار طرقه، فشقوة لازمة أو سعادة دائمة، فتزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء"16.

            فمن سار في طريق الحق الواضح وغير الخفي الذي أضاءه اللَّه وأوضحه، من خلال العقل الذي هو الدليل الباطن وعن طريق الهداة الأنبياء الأئمة عليهم السلام فإن حصاده هو السعادة الدائمة، وبغير ذلك يكون جزاؤه وثمار عمله ملازمة الشقاء له في الدنيا والآخرة، في الدنيا بهمومها والشقاء في حفظها، وفي الآخرة بعذابها وعقابها وحسابها.

            لذلك ولما مر كله يجب على الإنسان أن يعرف الحق وأنه ما يبقى، ويصدقه وينصر بالأعمال فإنها الباقيات، ويعرف أهله فهم الخالدون في السعادة الدائمة والنعيم المقيم، ويعرف أسباب الجهل به ونتائج تركه وخذلانه فيتقيها بالعلم والعمل.


            66

            خلاصة الدرس
            1- من كان من أهل التقوى كان العدل هو ديدنه وأول ما تظهر آثار عدله على نفسه حيث ينهاها عن الهوى واتباع الشهوات والميل إليها، ويقول الحق ويعمل به.

            2- إن الإنسان المؤمن يعمل بالحق ولو كان على خلاف أهوائه ومصالحه، بل حتى لو جر عليه المصائب، ويترك الباطل مهما حقق له من المكاسب والفوائد ومتاع الدنيا ومناصبها.

            3- هناك من الناس من يذهب به حبّه إلى درجة الافراط، وذلك بسبب عدم اتزان عواطفه وانقيادها للعقل، فيصل به إلى درجة الغلو واعطاء العبد صفات إلهية، أو نسبة الألوهية إليه أو الربوبية، مما يعتبر كفراً وشركاً.

            4- وهناك بعض الناس بسبب إفراطهم وعدم التزامهم بقواعد وموازين واقعية وصادقة وبعيدة عن الأهواء الشخصية، وبسبب النوازع القبلية أو العرفية أو غيرها، يصل بهم البغض إلى حدٍّ يعادي أولياء اللَّه ويقاتلهم ويبعد الناس عنهم.

            5- كلا هذين الصنفين من الناس من أهل الباطل وهما من الهالكين.

            6- من آثار ترك الحق:

            1- الوقوع في الباطل ومفاسده لأنه لا حد وسط بين الحق والباطل.
            2- ترك الدفاع والممانعة عن البلاد، وعدم نصرة الأئمة عليهم السلام، كما حصل مع من ترك نصرة الإمام الحسين عليه السلام.
            3- استيلاء الشيطان على الإنسان.
            4- الوقوع في المغالاة أو المعاداة والبغض.
            5- زوال النعمة.
            6- الشقاء اللازم.
            للحفظ
            من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

            يصف الإمام علي عليه السلام الفاسق:

            "قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه".

            "إن أفضل الناس عند اللَّه من كان العمل أحب إليه وإن نقصه وكرثه، من الباطل وإن جرَّ إليه مائدة وزاده".

            "وسيهلك في صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق..".
            أسئلة حول الدرس
            1- ما الفرق بين أهل التقوى وأهل العمى والضلالة والخطايا؟
            2- إلى ماذا يؤدي الافراط في الحب؟
            3- تحدث عن بعض آثار ترك الحق؟
            4- أوضح كيف تزول النعم بترك الحق؟
            5- ماذا حل بالمسلمين عندما تركوا إمام الحق عليه السلام؟
            إقرأ
            موسوعة الإمام علي عليه السلام

            موسوعة الإمام علي عليه السلام في الكتاب والسنّة والتاريخ موسوعة مؤلفة من اثني عشر مجلدا من القطع الكبير، جمعها العلامة الشيخ محمد محمدي ريشهري العالم المعروف في مدينة قم المقدسة بمساعدة محمد كاظم الطباطبائي، ومحمود الطباطبائي.

            يقول عن هذه الموسوعة مؤلفها:

            "إن موسوعة الإمام علي عليه السلام هي إطلالة على حياة أمير المؤمنين عليه السلام كما هي نافذة تشرف على السيرة العلوية، وتتطلع إلى تاريخ حياة أكمل إنسان، وأعظم المؤمنين وأبرز شخصية في تاريخ الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".

            وقد قسمت الموسوعة إلى ستة عشر قسما وهي:

            1- أسرة الإمام علي عليه السلام.
            2- الإمام علي عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
            3- جهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقيادة الإمام علي عليه السلام.
            4- الإمام علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
            5- سياسة الإمام علي عليه السلام.
            6- حروب الإمام علي عليه السلام.
            7- أيام التخاذل.
            8- استشهاد الإمام علي عليه السلام
            9- الآراء حول شخصية الإمام علي عليه السلام.
            10- خصائص الإمام علي عليه السلام
            11- علوم الإمام علي عليه السلام.
            12- قضايا الإمام علي عليه السلام
            13- آيات الإمام علي عليه السلام.
            14- حب الإمام علي عليه السلام
            15- بغض الإمام علي عليه السلام.
            16- أصحاب الإمام علي عليه السلام وعماله.

            موسوعة الإمام علي عليه السلام هي الموسوعة الوحيدة التي تحتوي هذا التنوع الكبير والعميق والذي يغوص إلى أعماق بحر المعرفة لهذه الشخصية الفريدة.
            للمطالعة
            كلمات حق لابن أبي الحديد في الإمام علي عليه السلام:

            "وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله..

            فقد علمت أنه استولى بنو أميّة على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكلّ‏ِ حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة أو يرفع له ذكراً، حتى حظروا أن يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسمّواً، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلّما كتم يتضوّع نشره، وكالشمس لا تستر بالرَّاح
            17، وكضوء النهار إن حجبت عنه عيناً واحدة أدركته عيون كثيرة.

            وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها"
            18.

            أنا وجميع من فوق التراب فداء تراب نعل أبي تراب‏
            (الصاحب بن عبّاد)


            "وإني لأطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود، ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرّهبان الذين لم يأكلوا لحماً ولم يرتقوا دماً، فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس (الشجاع)، وتارة يكون في صورة سقراط والمسيح بن مريم الإلهي.

            وأقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة (يعني الخطبة 216) منذ خمسين عاماً وإلى الآن أكثر من ألف مرّة، ما قرأتها قط إلا وأحدثت عندي روعة وخوفاً وعظمة أثّرت في قلبي وحبيباً، ولا تأمّلتها إلا وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودّي، وخيّلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف الإمام حاله"
            19.

            تعليق


            • #7
              الدرس السابع: القيم الأخلاقية
              يقول الإمام علي عليه السلام:

              "فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور"1.

              تعريف الأخلاق وضرورة القيم الأخلاقية:

              قبل معرفة القيم الأخلاقية، ينبغي معرفة ماذا نعني بالأخلاق؟

              الأخلاق هي الصفات النفسية التي نحدد على ضوئها كيف ينبغي أن نكون، وكيف نتصرف ونتعامل في حياتنا الاجتماعية، وكيف يتصرف بعضنا مع البعض الآخر.

              فالإنسان الفرد لا يعيش وحده في هذه الحياة، فهو بطبيعته اجتماعي يعيش ضمن مجتمع يحتك فيه بالآخرين، والقيم الأخلاقية بالإضافة على كونها كمالاً على المستوى الشخصي، لا بد منها أيضاً لكمال المجتمع وتحسين العلاقة بين الافراد، ومن هنا فلا بد من تحديد هذه القيم على ضوء العقل والشرع ثم الالتزام بها وتطبيقها على المستوى العملي.

              وإذا ما التزمنا بالقيم كانت السعادة الفردية والاجتماعية، في الدنيا والآخرة.

              وليصل الإنسان إلى السعادة لا بد أن يلتزم بمجموع القيم، لأنها نظام متكامل يكمل بعضه بعضاً.

              يقول تعالى:


              ï´؟أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَï´¾ 2.

              73
              القيم الأخلاقية:
              وسنشير فيما يلي إلى بعض القيم الأخلاقية على ضوء كلام أمير القيم والأخلاق سلام اللَّه عليه:

              1- التقوى والورع:

              قال الإمام علي عليه السلام:

              "التقى رئيس الأخلاق"3.

              وأكَّد ذلك بقوله عليه السلام:

              "أوصيكم بتقوى اللَّه الذي ابتدأ خلقكم"4.

              2- الحلم والعقل والتعقل:

              قال عليه السلام:

              "الحِلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك"5.

              3- الصبر والثبات وضبط النفس:

              أي تقوية القدرة على تحمل المشاكل والبلاءات، قال الإمام علي عليه السلام:

              "وعليكم بالصبر، فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه"6.

              4- رزانة الشخصية:

              يقول عليه السلام:

              "من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته".

              فعلى الإنسان أن يكرم نفسه عن الانزلاق في المفاسد المنبثقة عن جماح الشهوات، وإلا تردّى ولم يحترم من أبناء مجتمعه ومحيطه، وإذا كان كذلك لم يسمع له رأي ولا يعرف له قول فعندها يكون باطن الأرض خير له من ظاهرها.

              5- التواضع:

              وهو من القيم الأخلاقية المهمة التي يتمكن من خلالها التغلغل إلى القلوب، حتى

              74
              قلوب الأعداء، وذلك مما يكشف عن طيب السريرة وطراوة النفس وحسن العشرة وإدامة الشكر للَّه تعالى على نعمه.

              يقول عليه السلام:

              "وبالتواضع تتم النعمة"7.

              ويقول عليه السلام:

              ".. واعلم أن الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب"8.

              فالذي يقدّر نفسه تقديراً مبالغاً فيه، بحيث لا يرى إلا نفسه، فهو العالم وغيره الجاهل، وهو صاحب الرأي الحصيف وغيره لا رأي له، مثل هذا الشخص ستنفر عنه الناس وسيرى نفسه أنه يعيش لوحده في هذا العالم أو أنه الوحيد الذي يستحق العيش.

              يقول عليه السلام:

              ".. ولا وحدة أوحش من العجب"9.

              ويشير إلى خطر التكبر:

              "فاللَّه اللَّه... وسوء عاقبة الكبر"10.

              وذلك لما في الكبر من المنافاة مع ذل العبودية والخضوع للَّه (عزَّ وجلّ‏َ) وكذلك للشعور بالاستقلالية وميول النفس إلى الأنانية.

              6- احترام آراء الآخرين ومشاورتهم:

              من سبل اكتساب المعارف والنفوذ إلى القلوب، احترام أفكار الآخرين وآرائهم، والامتناع من أي شكل من أشكال الغرور والأنانية.

              يقول الإمام عليه السلام:

              "ولا مظاهرة أوثق من المشاورة"11.

              وفي كلام تحذيري له:

              "من استبد برأيه هلك"12.


              75
              7- حفظ كرامة الآخرين:

              ينبغي لنا أن نلتزم مبدأ "كتم السر" عند مواجهة زلاّت الآخرين وأخطائهم، وينبغي الحفاظ على سمعتهم وكرامتهم، فنحفظهم في غيبتهم كما نحفظهم في حضورهم وننتصر لهم عند تعرضهم إلى ما يفضحهم ويحقرهم أمام الآخرين.

              يقول الإمام عليه السلام:

              "... فاستر العورة ما استطعت، يستر اللَّه منك ما تحب"13.

              ونحن الذين قد نكون في أية لحظة عرضة للخطأ والزلل، أو يصدر منا سلوك أو فعل سي‏ء، علينا أن لا نعيب غيرنا، وخاصة إذا كان نفس العيب فينا.

              يقول الإمام عليه السلام:

              "أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله"14.

              8- الكلام الطيِّب:

              يرغب الجميع أن لا يسمعوا من أحد كلاماً خبيثاً مرّاً، وأن لا يكونوا عرضة للسعات ألسن الآخرين. فهل عوّدنا ألسنتنا على التفوه بالكلام الحسن؟ وعلى أن لا نجرح مشاعر الآخرين؟ إذا كنا نؤمن جميعاً بأدب الحديث فإلى أي مدى رعينا هذه القيمة الأخلاقية؟

              يقول عليه السلام:

              "المتقي بعيداً فحشه، ليناً قوله"15.

              وحين سمع من أنصاره من يسبون أعداءهم (جيش معاوية الباغي) نصحهم بمراعاة الأدب في الحديث حتى مع الأعداء، إذ قال عليه السلام:

              "إني أكره لكم أن تكونوا سبَّابين"16.

              بل الإسلام دائماً ينصحنا بأدب الحديث والموعظة الحسنة والكلام الطيب لأنه هو الذي يرفع العمل الصالح إلى الباري (عزَّ وجلّ‏َ) حتى يثبته تعالى في ميزان الحسنات.

              9- البشاشة:

              ليس من صفات المؤمن أن يكون مقطِّب الجبين، حزين الوجه كئيباً، فإن ذلك ينفّر


              76
              الآخرين منه. لذلك يوصي الإمام عليه السلام الإنسان أن يكون مبتسماً فبالابتسام يدخل الإنسان إلى قلوب الآخرين.

              يقول عليه السلام:

              "البشاشة حبالة المودة"17.

              10-الجدّيَّة:

              إن كثرة المزاح له آثار سلبية على المستوى النفسي للإنسان حيث يجعل الشخصية هزيلة ويقف حاجزاً أمام التفكر بالقضايا ومواجهتها بشكل جدي، بل له آثاره السلبية حتى في المجتمع، فصحيح أن المطلوب من المؤمن أن يكون بشوش الوجه مبتسماً ولكن ليس المطلوب أن يكون كثير المزاح هزلياً، فالحالة الأولى تشيع حالة من الراحة واللين في المجتمع وأما الحالة الثانية فقد تصل إلى أذية الآخرين والاستهزاء بهم وتوتير العلاقات الاجتماعية.

              وكم من الناس يحسب بمزاحه أنه يدخل السرور على الآخرين ولكنه في الحقيقة يدخل الحزن والأذى على قلوبهم.

              يقول الإمام عليه السلام:

              "إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكاً"18.

              ويقول عليه السلام:

              "ما مزح امرؤ مزحة إلا مج من عقله مجة"19.

              11- العفو والصفح:

              فكما نحب أن يغفر لنا اللَّه تعالى، فلنغفر للآخرين، وكما نحب أن يغفر الناس لنا خطايانا، فلنغفر لهم، فكلّ‏ُ بني آدم محتاجون للمغفرة الإلهية، وكلهم ضعيف بذاته محتاج للرحمة والتسديد الإلهي.

              يقول الإمام عليه السلام:

              "... فاعفوا: ألا تحبون أن يغفر اللَّه لكم"20.


              77
              12- الصدق:

              كل الناس يريدون أن يعاملوا بصدق، وكلهم ناقمون على الكذب، ولكن الصادقين قليلون.

              يقول الإمام عليه السلام:

              "والصق بأهل الورع والصدق"21.

              "جانبوا الكذب فإنه مجانب الإيمان"22.

              13- أداء الأمانة:

              يقول عليه السلام:

              "... ثم أداء الأمانة، فقد خاب من ليس من أهلها"23.

              خصوصاً أن اللَّه تعالى أمرنا بأداء الأمانة إلى أهلها بصريح آياته، لما في ذلك من دلالة على الإيمان والورع والخوف من اللَّه تعالى.

              14- الكرم:

              فعلينا أن لا نبخل بما رزقنا اللَّه من واسع رزقه، فالبخل آفة الآفات.

              يقول الإمام عليه السلام:

              "البخل جامع لمساوئ العيوب"24.

              لأن البخيل يسيئ الظن باللَّه تعالى وكأن الذي رزقه أول مرة غير قادر على أن يرزقه، وهو يخشى الفقر مع وجود هذه النعم الكثيرة عنده التي هي من اللَّه تعالى أيضاً.

              15- الإحسان:

              إن صفة الاحسان والرغبة في القيام بتقديم الخدمات النافعة للآخرين لا تكتسب قيمتها إلا حينما لا تشوّه بعادة المنّ، فالمنّ‏َ يؤلم القلوب ويحزنها ويثير الجفاء ويقضي على آثار الأعمال الحسنة.

              يقول عليه السلام:

              "إياك والمن.. فإن المن يبطل الإحسان"25.


              78
              خلاصة الدرس
              1- إذا ما التزمنا بالقيم الأخلاقية كانت السعادة الفردية والاجتماعية، في الدنيا والآخرة.

              2- من القيم التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:

              1- الحلم والورع.
              2- الحلم والعقل والتعقل.
              3- الصبر والثبات وضبط النفس.
              4- رزانة الشخصية.
              5- التواضع.
              6- احترام آراء الآخرين ومشاورتهم.
              7- حفظ كرامة الآخرين.
              8- العفو والصفح.
              9- الإحسان.
              للحفظ
              من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

              "فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور".

              "إياك والمن.. فإن المن يبطل الإحسان".

              "أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله".

              "ولا مظاهرة أوثق من المشاورة".
              أسئلة حول الدرس
              1- كيف وصف أمير المؤمنين عليه السلام الحلم والعقل؟
              2- ما المقصود بقول أمير المؤمنين عليه السلام: "من استبد برأيه هلك"؟
              3- هل من صفات المؤمن أن يكون كئيباً حزيناً...؟
              4- ما معنى قول الإمام عليه السلام: "الاعجاب ضد الصواب وآفة الألباب"؟
              5- لماذا كان البخل جامعاً لمساوئ العيوب؟
              إقرأ
              الإمام علي عليه السلام من المهد إلى اللحد:

              من اشهرالكتب الحديثة التي كتبت عن حياة أمير المؤمنين كتاب "الإمام علي عليه السلام من المهد إلى اللحد"، لمؤلفه السيد محمد كاظم القزويني رحمه الله.

              يتميز الكتاب عن غيره من الكتب التي صنفت حول حياة أمير المؤمنين عليه السلام بأنه لم يتدخل في التحقيق التاريخي بل هو كتاب يسرد الأحداث كما رويت عن طريقنا من ولادة الأمير عليه السلام إلى شهادته بالتفصيل.

              ويتميز أيضا بالسلاسة القصصية، لدرجة أن هذا الكتاب بات الكتاب الأهم لمن يريد الإطلاع السريع على حياة أمير المؤمنين عليه السلام ولمن لا يرغب في أن يدخل في الجدليات التاريخية والأبعاد الماورائية للأحداث.

              يقول المؤلف في مقدمته: "... كلمة العظيم لا تكفي لبيان عظمة الرجل وخصوصا بعد أن استعملت هذه الكلمة في الكثير ممن يستحق ذلك أو لا يستحق...

              فكيف أستطيع أن أصف الإمام‏ عليه السلام حق الوصف وأؤدي واجب المقام حق الأداء وكلما حاولت أن أطير بقلمي إلى أرفع مستوى في البيان وأعلى درجة في الأداء مع ذلك كله فالعجز عن التعبير لا يفارقني"
              ....

              كتاب "الإمام علي عليه السلام من المهد إلى اللحد" يتألف من ثلاثمائة وإثنتين وخمسين صفحة من الحجم الكبير، يمكن مطالعته حتى للناشئة والأحداث.
              للمطالعة
              قيم الإمام علي عليه السلام وتواضعه‏

              قال العلامة المجلسي رحمه اللَّه: "بالإسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال:

              "أعرف الناس بحقوق إخوانه، وأشدّهم قضاء لها أعظمهم عند اللَّه شأناً، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند اللَّه من الصدِّيقين، ومن شيعة علي بن أبي طالب حقّاً.

              ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان أب وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين أيديهما، ثم أمر بطعام فاحضر، فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل، وجاء ليصب على يد الرجل، فوثب أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ الإبريق ليصبّ‏َ على يد الرّجل، فتمرّغ الرّجل في التراب، وقال: يا أمير المؤمنين، اللَّه يراني وأنت تصبّ علي يدي؟

              قال عليه السلام: اقعد واغسل فإن اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) يراك وأخوك الذي لا يتميّز منك ولا ينفصل عنك يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنة مثل عشرة أضعاف أهل الدنيا وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها.

              فقعد الرّجل، فقال له علي عليه السلام: أقسمت بعظيم حقي الذي عرفته ونحلته، وتواضعك للَّه حتى جازاك عنه بأن تدنيني لما شرّفك به من خدمتي لك لمّا غسلت مطمئنّاً كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبراً، ففعل الرّجل ذلك، فلمّا فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية، وقال: يا بني، لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ولكنّ اللَّه (عزَّ وجلّ‏َ) يأبى أن يسوِّي بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان، لكن قد صبّ الأب على الأب، فليصبّ الابن على الابن، فصبّ محمد بن الحنفية على الابن"
              .

              ثم قال الحسن بن علي العسكري عليه السلام:

              "فمن تبع عليّاً على ذلك فهو الشيعي حقاً".

              تعليق


              • #8
                الدرس الثامن: الغرائز وتوجيهها
                يقول الإمام علي عليه السلام:

                "... فمثلت إنساناً ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، معجوناً بطينة الألوان المختلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة"1.

                مقدمة:

                إن الإنسان مخلوق مختلف الغرائز والرغبات، يحكمه الصراع بين العقل والشهوة، وليس هو ذا بعد واحد، كالحيوان الذي تحكمه الشهوة فقط، أو كالملاك الذي يحكمه العقل فقط، وهذا ما يشير إليه كلام الإمام علي عليه السلام أعلاه.

                وجهالة الإنسان بتركيبته، وما غرز بنفسه، سيبعده عن اللَّه تعالى، لأن عرف نفسه عرف خالقه.

                كما يشير إلى ذلك قول الأمير عليه السلام:

                "اعرف نفسك تعرف ربك".

                فلو قصّر الإنسان ولم يسعَ لمعرفة نفسه التي هي أقرب إليه من غيرها، والتي هي أولى بمعرفتها فإنه سيتحوَّل إلى كائن حيواني مفترس، وسيخسر الخسران المبين، وهل بعد خسران النفس من خسران.

                يقول الإمام عليه السلام:

                "من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر"2.

                وكيف يحاسب نفسه من لا يعرفها.


                83
                ويقول عليه السلام محذراً من سقوط الإنسان تحت هواه:

                "وكم من عقل أسير تحت هوى أمير"3.

                وبعد معرفتك لنفسك عليك أن تجدّ وتجتهد، لا أن تستسلم وتتكاسل.

                كما يقول الإمام عليه السلام:

                "فعليكم بالجد والاجتهاد والتأهب والاستعداد والتزوّد في منزل الزاد"4.

                وعليك أن تهذِّب غرائزك بعد أن تعرفها، لأنه إن لم تتولّى ذلك بنفسك فلن يتولّى الغير ذلك.

                يقول الأمير عليه السلام:

                "أيها الناس تولّوا من أنفسكم تأديبها واعدلوا بها عن ضراوات عاداتها"5.

                فقدرك أيها الأخ العزيز على قدر همّتك.

                كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

                "قدر الرجل على قدر همّته"6.

                1- غريزة الأكل والشرب:

                لا بد لكل كائن حي أن يأكل وأن يشرب من أجل استمرار حياته، وهذا أمر طبيعي قد جعله الله تعالى في غريزة الإنسان ليضمن بقاءه واستمراره، ولكن تتحول هذه الغريزة من نعمة تحافظ على الإنسان إلى نقمة تضيع أهدافه إذا تحول الأكل والشرب ليصبح قضية الإنسان الرئيسية و هدفه الأساسي فيضحي من أجل ذلك بكل قيمه الإنسانية.

                يقول الإمام علي عليه السلام:

                "ولا تُدخلوا بطونكم لَعَق الحرام فإنكم بعين من حرّم عليكم المعصية وسهَّل لكم سبل الطاعة"7.

                ثم يجري مقارنة مهمة فيقول عليه السلام:

                "إن البهائم همها بطونها، وأن السباع همها العدوان على غيرها"8.


                84
                وأما الإنسان فهذه الأمور عنده وسائل لتحقيق همه الأساسي وهو الفوز وسعادة الآخرة ورضوان الله تعالى.

                ويقول عليه السلام:

                "فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها"9.

                2- غريزة الزواج:

                يرتبط استمرار وجود النوع الإنساني بغريزة الزواج، وهذا أمر طبيعي قد خلقه الله تعالى في الإنسان بل وحث الإنسان على الزواج وجعله مستحباً وجعله من الأمور التي يحرز بها الدين، كما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

                "من تزوج أحرز نصف دينه".

                ولكن إذا لم تربّ هذه الغريزة ولم يسيطر عليها ولم تهذّب، فإنها كذلك ستتحول من نعمة إلى نقمة وستجر الفرد والمجتمع إلى الانهيار والانحراف فيصبح كالحيوان همه إشباع بطنه وفرجه ويصبح من أهل النار والغضب الإلهي والعياذ بالله ومصداقاً للحديث النبوي الشريف:

                "أكثر ما تلج به أمتي النار الأجوفان: البطن والفرج".

                ويقول الإمام عليه السلام:

                "... فرحم اللَّه رجلاً نزع عن شهوته وقمع هوى نفسه"10.

                فالمؤمن يقمع هوى النفس حتى يسيطر على غرائزه لتكون طوع أمره فيوجهها بما يريد الله تعالى، ولا يتركها تطغى حتى تسيطر عليه وتستعبده فتذله في الدنيا ويكون من الخاسرين في الآخرة والعياذ بالله.

                3- غريزة الغضب:

                من الطبيعي أن تشهد حياة الإنسان الاجتماعية، وقوع هجمات خارجية، لذلك لا بد لكل كائن حي أن يمتلك قدرة على الدفاع عن نفسه ووسائل وأدوات للمحافظة عليها ووقايتها والرد على هجمات العدو، لذلك فإن رب الخليقة الحكيم قد وهب لكل كائن


                85
                حي إنساناً وحيواناً من وسائل الدفاع ما يتناسب وحاجته وطريقته في الدفاع عن النفس، وما غريزة الغضب إلا واحدة من تلك الوسائل، فهي مقدسة وثمينة حينما يتعلق الأمر بالدفاع عن النفس والمجتمع والأموال والأعراض، ويعد استخدامها شكلاً من أشكال الصراع والجهاد، ولكنها إن لم تهذّب ولم تستخدم في مواضع الدفاع الحقة بما رسمه اللَّه تعالى، فإنها ستكون وسيلة مدمرة تدل على الجنون.

                إذ قال الإمام علي عليه السلام:

                "الحدّة ضرب من الجنون لأن صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم"11.

                لذلك فإن غريزة الغضب من النعم الإلهية التي يمكن الاستفادة منها بالاتجاه الإنساني بعد تنميتها والسيطرة عليها وتهذيبها.

                4- غريزة التطلع نحو الحرية:

                وهو السبيل الصحيح لبلوغ السعادة والتكامل، ومحاربة الظلم والجور والاستبداد، ولكن ينبغي لنا ألا ننسى أن سوء استغلال الحرية أمر غير مقبول، إذ ينبغي عدم التذرع بالتطلع إلى الحرية للتمرد على القوانين الإلهية والاجتماعية، أو الإعراض عن الوالدين والأساتذة والمربين الحريصين، أو الاحتجاج بالحرية في القبول لمختلف أشكال العبودية والفساد التي تتعارض مع حرية الإنسان الحقيقية.

                يقول الإمام علي عليه السلام مخاطباً مالك الأشتر:

                "... فاملك هواك وشُحّ‏َ بنفسك عما لا يحل لك"12.

                وفي موضع آخر يأمرعليه السلام كميل بن زياد بتوجيه أسرته نحو المحاسن بالمراقبة والاشراف الصحيح، يقول له:

                "... يا كميل، مُر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم ويُدلجوا في حاجة من هو نائم"13.

                ولا يتصور العبد أن التحرر في الإبتعاد عن الدين، بل العكس هو الصحيح فالابتعاد


                86
                عن الشرع الإلهي هو وقوع في حبائل الشيطان الرجيم ووقوع تحت أسره وتسلطه، ومما يوصي به الإمام علي عليه السلام ولده الإمام الحسن عليه السلام:

                "ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللَّه حراً"14.

                5- غريزة الخوف:

                الخوف مقبول بالدرجة التي تخلق لدينا روح الحذر والتدبير وتخيفنا من عواقب الذنوب والسيئات وانهيار شخصيتنا وقيمنا.

                يقول الإمام علي عليه السلام:

                "رحم اللَّه امرءاً سمع حُكماً فوعى... راقب ربَّه وخاف ذنبه"15.

                ولكن إذا لم تتم السيطرة على غريزة الخوف وتهذيبها وتوجيهها فإنها ستجر الإنسان نحو الانزواء والجبن والهوان والشك والتردد والمذلة، وهنا ينبغي مكافحته. فالخوف من الله كمال، والخوف من غيره نقص وضعف وهوان.

                ويؤكد الإمام عليه السلام على عدم واقعية هذا الخوف عندما يقول:

                "إذا هبت أمراً فقع فيه، فإنه شدّة توقيه أعظم مما تخاف منه"16.

                6- غريزة حب التفوق:

                إن الرغبة الكامنة في الإنسان في التقدم على أقرانه وبني جنسه والانطلاق نحو الأمام، صفة بناءة، ولكن إذا لم تهذب هذه الغريزة فإنها تؤدي إلى الأنانية، والاستبداد، وحب الهيمنة، والغطرسة والاستئثار، وإزاحة الآخرين، وحرمانهم من حقوقهم، مما يخلق حالة فاجعة ومدمرة تكون أساساً لكل أشكال الاستبداد، والاستغلال، والاستعمار الاقتصادي والثقافي، وعندها ينبغي محاربتها وحصرها لكي تصبح أساساً للتسابق والمسارعة إلى الخيرات.

                يقول الإمام عليه السلام لمالك الأشتر:

                "... يا مالك، وإياك والاستئثار بما للناس فيه أسوة... فإنه مأخوذ منك لغيرك"17.


                87
                ويقول عليه السلام:

                "ولا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها"18.

                وفي موضع آخر يتحدث عن حب التفوق المقبول فيقول عليه السلام:

                "اللهم إني أوّل من أناب وسمع وأجاب، لم يسبقني إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة"19.

                ويقول عليه السلام:

                "فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها"20.

                7- روح التقليد والاقتداء:

                عندما تكون روح تقليد الآخرين واتباعهم ضمن اطار حب تقليد الرموز واتباع القدوات الحسنة الكاملة وباتجاه المحاسن والقيم الأخلاقية والمسيرة التكاملية، فهي مقبولة ومطلوبة.

                يقول الإمام علي عليه السلام:

                "انظروا أهل بيت نبيكم عليهم السلام فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى"21.

                ولكن لئن لم تهذَّب روح التقليد والطاعة والاقتداء وتوجه توجيهاً سليماً، فقد تحمل محلها روح التقليد الأعمى، فتصاب المجتمعات الإنسانية بالانحرافات والمآسي الاجتماعية يقول الإمام عليه السلام:

                "ولا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم لحذرهم، وخلطتم بصحتكم مرضهم، وأدخلتم في حقكم باطلهم، وهم أساس الفسوق"22.

                وذلك مثل تقليد المجتمعات المتخلفة للغرب في فسوقه وفساده.

                بناء على ما تقدّم، يجب على الإنسان وهو أشرف المخلوقات وخليفة اللَّه في أرضه، أن يسيطر على غرائزه وميوله ويهذبها لكي يتمكن من الانطلاق إلى الكمال ويبلغ السعادة الإنسانية الحقيقية.


                88
                خلاصة الدرس
                1- إن الإنسان مخلوق مختلف الغرائز والرغبات، يحكمه الصراع بين العقل والشهوة، وليس هو ذا بعد واحد، كالحيوان الذي تحكمه الشهوة فقط، أو كالملاك الذي يحكمه العقل فقط.

                2- على الإنسان أن يجد في معرفة نفسه التي هي مقدمة لمعرفة ربه.

                3- بعد أن يتعرف الإنسان على نفسه لا بد له من السلوك باتجاه تهذيبها والسير بها نحو الله تعالى.

                4- أول المسائل التي ينبغي للإنسان فعلها للوصول إلى رضا الله تعالى هو تهذيب الغرائز بحيث لا يترك زمامه لهوى نفسه الأمارة.

                5- من الغرائز الموجودة في الإنسان:

                1- غريزة الأكل والشرب.
                2- غريزة الزواج.
                3- غريزة الغضب.
                4- غريزة اكتساب العادات.
                5- غريزة حب التفوق.
                6- غريزة التطلع نحو الحرية.
                7- غريزة الخوف.
                للحفظ
                من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

                "من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر".

                "كم من عقل أسير تحت هوى أمير".

                "قدر الرجل على قدر همّته".

                "الحدّة ضرب من الجنون لأن صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم".
                أسئلة حول الدرس
                1- ما هو الأثر المترتب على جهل الإنسان بنفسه؟
                2- ماذا يجب على الإنسان بعد أن يعرف نفسه؟
                3- إذا هذبت غريزة الغصب فما الفائدة منها؟
                4- ما هو البعد الذي نستشفه من قول الإمام عليه السلام:
                "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللَّه حراً"؟
                5- إذا لم يهذب الإنسان غريزة التقليد والاقتداء فإلى ماذا يؤول به الأمر؟
                إقرأ
                الديوان المنسوب لأمير المؤمنين عليه السلام

                كتاب جمعه ورتبه عبد العزيز الكرم، وقد جمع فيه أشعارا كثيرة ذكرها التاريخ عن أمير المؤمنين عليه السلام. وتتميز الأشعار التي نسبت لأمير المؤمنين عليه السلام بجزالة العبارة التي فيها، وبلاغة المضمون، كما أن تنوعها في مختلف المضامين أعطى الديوان جاذبية ترغب القارى‏ء في الانتقال من قصيدة إلى أخرى من دون أن يشعر بالتعب أو الملل وسنستعرض بعض الأشعار المنسوبة إليه عليه السلام، فمن أبيات الحكمة قوله:

                لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم آخره يأتيك بالندم‏
                تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم‏


                ومنها أيضا: أنا بالدهر عليم وأبو الدهر وأمه‏
                ليس يأتي الدهر يوما بسرور فيتمه‏


                ومن القصائد المشهورة في الديوان القصيدة المناجاة المنظومة التي أولها:

                تباركت ياذا الجود والمجد والعلا تباركت تعطي من تشاء وتمنع‏

                ومنها القصيدة الزينبية المشهورة وفيها مواعظ وحكم كثيرة وهي من الشعر الراقي وهي مؤلفة من ست وستين بيتاً لم يخل بيت منها من موعظة أو حكمة.
                للمطالعة
                أخلاق مالك الأشتر

                ورد في سيرة مالك الأشتر رحمه الله أنه مر ذات يوم في سوق بمدينة الكوفة، وكان سيره متسماً بالسكون والوقار والتواضع، مرتدياً الثياب العادية الرخيصة.

                فنظر شاب إليه ولم يعرفه بالطبع فاستحقره ورماه بقشرة بطيخ كانت في يده بقصد أن يهينه بذلك.

                لكن مالك الأشتر رغم شدته على أعداء الدين كان رؤوفاً ورحيماً بالمؤمنين، فقد أكمل سيره ولم يلتفت إليه حتى بنظره.

                فقال رجل للشاب غير المؤدب:
                هل تعلم من كان هذا الرجل؟
                فقال الرجل:
                لا، لا أعرفه.
                فقال له الرجل:
                هذا مالك الأشتر قائد جيش أمير المؤمنين عليه السلام.

                فذهب هذا الرجل خائفاً يفتش عنه ليعتذر منه فوجده في المسجد فجلس عنده ليقدم اعتذاره إليه فقال له مالك رحمه الله:

                جئت إلى المسجد كي أدعو الله أن يغفر لك..

                وهنا أكبر الشاب هذا القائد ذو الأخلاق العالية على حلمه وأخلاقه وتواضعه.

                تعليق


                • #9
                  الدرس التاسع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
                  يقول الإمام عليه السلام:

                  "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق اللّه سبحانه"1.

                  مقدمة:

                  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الإسلامية، حيث يهدف إلى التخلية والتحلية، فالنهي عن المنكر يخلِّي الفرد والمجتمع والأمة من الانحرافات السلوكية والروحية، والأمر بالمعروف يحلِّي الفرد والمجتمع والأمة بالفضائل السلوكية والروحية.

                  وهو ضمانة بقاء تعاليم الدين وقيمه حيّة، فبه انتشر الدِّين الإسلامي في أصقاع الأرض، وبه أقيمت أركان الدين وفروعه.

                  وهذا ما يؤكده قول أمير المؤمنين عليه السلام:

                  "قوام الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود"2.

                  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلق اللّه:

                  وقد اهتم القرآن الكريم بهذه الفريضة، قال تعالى:

                  ï´؟وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَï´¾ 3.

                  وقال سبحانه:

                  ï´؟وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِï´¾ 4.

                  93
                  وقد جعله أمير المؤمنين عليه السلام خلقاً من أخلاق اللّه سبحانه حيث يقول:

                  "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق اللّه سبحانه"
                  5.

                  كما ورد.

                  وماذا يعني أمير المؤمنين بهذا القول؟

                  يعني ما أشار إليه اللّه تعالى في كتابه الكريم حيث يقول سبحانه:
                  ï´؟إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَï´¾6.

                  ï´؟وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ*قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ...ï´¾7.

                  وفي المقابل خلق الشيطان هو عكس خلق اللّه تعالى حيث أن الشيطان يأمر بالفحشاء وفعل السيئات ويوسوس في صدور الناس لترك ما فيه خير ومصلحة ويعد الناس دائماً بالفقر.

                  كما يقول تعالى:
                  ï´؟الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء...ï´¾8.

                  ï´؟... وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَّï´¾9.

                  فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقاً من أخلاق اللّه، وعكسه خلقاً من أخلاق عدو اللّه والإنسانية الشيطان، فحري بنا أن نكون متخلقين بأخلاق خالقنا وبارئنا "تخلقوا بأخلاق اللّه" كما ورد في الحديث، وتاركين لأخلاق عدو اللّه وعدونا الشيطان الرجيم.


                  94
                  دور الأنبياء والأئمة والصالحين:

                  والأنبياء العظام والأئمة عليهم السلام والصالحون، قد تخلَّقوا بأخلاق اللّه فكانوا المصلحين الآمرين بالمعروف والعدل والناهين عن المنكر والظلم.

                  يقول أمير المؤمنين عليه السلام في خصوص دور الأنبياء عليهم السلام:

                  "واصطفى سبحانه من ولده (آدم) أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم"10.

                  "ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ"11.

                  وفي خصوص الرسول ‏صلى الله عليه وآله وسلم يقول الإمام علي‏ عليه السلام:

                  "بلغ عن ربه معذراً ونصح لأمته منذراً"12.

                  "فبلغ رسالات ربه غير وانٍ ولا مقصِّر"13.

                  وفي خصوص نفسه عليه السلام يقول:

                  "اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شي‏ء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتُقام المعطّلة من حدودك..."14.

                  "وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب"15.

                  وكذلك أبناء أمير المؤمنين المعصومين عليهم السلام كانوا حاملين للواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمثال الأوضح الحسين الشهيد ملهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. حيث أن مقولته المشهورة ما تزال تصدح إلى يومنا الحاضر:

                  "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر...".


                  95
                  أما الصالحون فالتاريخ ببابك يحدثك عن بطولاتهم في هذا الميدان.

                  يقول الأميرعليه السلام في وصفهم:

                  ""أهل الذكر" ويأمرون بالقسط ويأتمرون به وينهون عن المنكر ويتناهون عنه"16.

                  أما أهل الضلال:

                  "المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا"17.

                  فوظيفتنا إذن أن نتخلّق بأخلاق اللّه والأنبياء والأئمة عليهم السلام لنكن من الصالحين المصلحين، ولا نكن من أهل الضلال الفاسدين المفسدين.

                  انتشار المنكر والفساد:

                  ولقد حذر الإمام علي‏ عليه السلام من انتشار المنكر والفساد وعدم ردِّه، لما يحمل ذلك (أي عدم النهي) من تبعات خطيره على الأمة في الدنيا والآخرة.

                  فقال عليه السلام من قلب متوجِّع:

                  "فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ظهر الفساد، فلا منكر مغيِّر، ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا اللّه في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده؟ هيهات! لا يخدع اللّه عن جنتّه..."18.

                  ولفت الإمام عليه السلام إلى أنه سينتشر من بعده المنكر والفساد، فقال عليه السلام:

                  "وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شي‏ء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على اللّه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حقّ‏َ تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرِّف عن مواضعه، ولا في البلاد شي‏ء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر..."19.

                  وعلينا أن نعرف كيف نأمر بالمعروف وكيف ننهى عن المنكر بتفكر وتعقِّل وتخطيط، وها نحن نقف من خلال كلام الأميرعليه السلام على بعض معالم وفنّ‏ِ هذه الفريضة.


                  96
                  1- النهي عن المنكر بعد التناهي:

                  من أخلاق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن يكون مأتمراً بما يأمر منتهياً عما ينهى حتى يؤثر كلامه في الآخرين.

                  يقول الإمام عليه السلام:

                  "وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه، فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي"20.

                  بل لعن الأمير عليه السلام من يأمر بالمعروف ولا يعمل به، وينهى عن المنكر ويفعله، فقال:

                  "لعن اللّه الأمرين بالمعروف التاركين له والناهين عن المنكر العاملين به"21.

                  أما الأمير عليه السلام فقد كان نموذجاً للتحلي بصفة النهي بعد التناهي فيقول عليه السلام:

                  "أيها الناس إني، واللّه، ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها"22.

                  بعد أن تتخلّق بهذه الصفة حينئذ يمكن لكلامك أن يكون مؤثراً يدخل إلى القلب ويفعل فعله.

                  2- الرفق هو الأساس الأول:

                  إن توجيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الآخرين ثقيل جداً عليهم، لأن ذلك يجعل المأمور والمنهي في موقع التخطئة والتقريع، الأمر الذي يخدش الكبرياء ويؤذي النفس.

                  من هنا علينا أن يكون هدفنا هداية المدعو ونصحه، لا تقريعه وإحراجه، وتنفيس غيظنا منه:

                  ï´؟ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...ï´¾ 23.

                  فلتختر الكلمة الطيبة الرفيقة ما وسعك ذلك، كما يقول الأمير عليه السلام:

                  "وارفق ما كان الرفق أرفق"24.


                  97
                  وعليك بالتودّد:

                  "فالتودد نصف العقل"25.

                  وذلك بالبشاشة:

                  "والبشاشة حبالة المودّة"26.

                  إذا لم تنفع هذه الوسيلة نأتي إلى خطوات أخرى ذكرت في الكتب الفقهية.

                  وأخيراً:

                  إن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم اللّه، فكن ممن رحمه اللّه تعالى فانه عن السوء وأمر بالمعروف.

                  "ولا يكون المحسن والمسي‏ء عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك... تدريباً لأهل الإساءة على الإساءة"27.

                  "فإن اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن اللّه السفهاء لركوب المعاصي والحلماء لترك التناهي"28.

                  واعلم أن من عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتولاّها الظالمون.

                  "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم"29.


                  98
                  خلاصة الدرس
                  1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الإسلامية، وتهدف هذه الفريضة إلى التخلية والتحلية، فالنهي عن المنكر يخلِّي الفرد والمجتمع والأمة من الانحرافات السلوكية والروحية، والأمر بالمعروف يحلِّي الفرد والمجتمع والأمة بالفضائل السلوكية والروحية.

                  2- إن أهل البيت عليهم السلام كانوا الحاملين للواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمثال الأوضح الحسين الشهيد عليه السلام فهو ملهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

                  3- من أخلاق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن يكون مأتمراً بما يأمر منتهياً عما ينهى حتى يؤثر كلامه في الآخرين.

                  4- إن توجيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الآخرين ثقيل جداً عليهم، لأن ذلك يجعل المأمور والمنهي في موقع التخطئة والتقريع، الأمر الذي يخدش الكبرياء ويؤذي النفس، فعلى القائم بهذه الفريضة أن يراعي الأساليب التي لا تمس مشاعر الآخرين بسوء بحيث يترك الانطباع الحسن لديهم.
                  للحفظ
                  من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

                  "قوام الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود".

                  "فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ظهر الفساد، فلا منكر مغيِّر، ولا زاجر مزدجر، أفهذا تريدون أن تجاوروا اللّه في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده؟ هيهات! لا يخدع اللّه عن جنتّه...".

                  "وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كلِّه كلمة عدل عند إمام جائر".
                  أسئلة حول الدرس
                  1- أوضح كيف يهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى التحلية والتخلية؟
                  2- إلى من أنيط دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدرجة الأولى؟
                  3- ما هي أخلاقيات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟
                  4- ما المقصود بالتناهي؟
                  5- ما هي عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
                  إقرأ
                  طب الإمام علي عليه السلام

                  كتاب "طب الإمام علي عليه السلام" كتاب لمؤلفه محسن عقيل العاملي، يتألف من أربعمائة وسبعين صفحة من القطع الكبير.

                  يتناول صاحب الكتاب ما ورد من أسماء الأطعمة والأدوية على لسان أمير المؤمنين‏ عليه السلام موضحا ما فيها من التحليل العلمي الحديث والفوائد المكتشفة حديثا ومما يقوله الكاتب في مقدمته على هذا الكتاب:

                  "لقد تناولت في هذا البحث بعض الأطعمة، والمسائل الطبية التي وردت في أحاديث الإمام علي عليه السلام موضحا فيها التركيب التحليلي، والقيمة الغذائية، ومبيناً الاستخدامات الطبية لها كدواء، في ضوء ما أظهره الطب والعلم الحديث وما كشفت عنه التجارب المعملية الجديدة...".

                  أما إمامنا العظيم أمير المؤمنين عليه السلام فقد وردت عنه من التعاليم والارشادات الصحية في أنواع المداواة والمعالجات وحفظ الصحة واستدفاع البلايا والأمراض والمضرات بالأدوية والأغذية، أخبار كثيرة وروايات متظافرة... إلخ.

                  فكتاب "طب الإمام علي عليه السلام" كتاب متخصص ببعض الأقوال التي وردت عنه عليه السلام والتي تختص في مجال محدد وهو الطب.
                  للمطالعة
                  الإمام علي عليه السلام والأطفال‏

                  يروي الكاتب المسيحي جورج جرداق القصة التالية عن مناقب أمير المؤمنين علي‏ عليه السلام ويقول معلقاً: وأنا أكتب هذه القصة عن محبة علي عليه السلام وحنوه على الأطفال والأيتام انهمرت عيناي بالدموع، فابتلت الأوراق التي بين يدي وتبلل ما كنت كتبته.

                  والقصة كما يلي:

                  ذات ليلة جاء علي عليه السلام بالطعام إلى أسرة فقدت معيلها وفيها أيتام، فوجد بين الأيتام طفلاً لا يهدأ، فسأله الإمام عليه السلام عن سبب ذلك.

                  فقال الطفل:
                  إن الأطفال يقولون لي أن لا أب لك.

                  فقال له الإمام عليه السلام:
                  قل لهم إن علياً هو أبي.

                  فلم يهدأ الطفل، وقال:
                  إن أطفال جيراننا لهم حصان خشبي وأنا ليس عندي مثله.

                  فجاءه الإمام عليه السلام به ليفرح ويلعب به.

                  ولكن الطفل لم يهدأ وبدأ يتذرع بالذرائع الواحدة تلو الأخرى، وقال للإمام عليه السلام:
                  أريد حصاناً أركبه ويسير بي!

                  وفي ذلك الليل انحنى أمير المؤمنين وخليفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين ليركب الولد على ظهره وقال:
                  ها أنا قد صرت حصاناً لك.

                  فاستمر الإمام عليه السلام بإركاب الطفل على ظهره والسير به حتى استحوذ التعب على الطفل وغفا فوق ظهر الإمام عليه السلام فوضعه في سريره وغادر الدار.

                  تعليق


                  • #10
                    الدرس العاشر: الدنيا في نهج البلاغة
                    ما هي الدنيا:

                    يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

                    "وأحذركم الدنيا فإنها منزل قُلعةٍ1 وليست بدار نجعة2 قد تزينت بغرورها، وغرَّت بزينتها. دارها هانت على ربها، فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرِّها وحياتها بموتها، وحلوها بمرها، لم يُصفها اللّه تعالى لأوليائه، ولم يضنّ‏َ بها على أعدائه. خيرها زهيد وشرها عتيد وجمعها ينفد، وملكها يُسلبُ، وعامرها يخرب"3.

                    إن نظرة الإنسان للدنيا ستحدد له أهدافه وأولوياته وطرق عمله وستنعكس على مسلكيته فيها. وبالتالي فإن نظرة الإنسان للدنيا ستصنع شخصيته وتحدد مآله ومصيره.

                    من هنا أكثر الإمام عليه السلام من وصف الدنيا وفصل ذلك بأساليب متعددة. فكيف يقدم الإمام عليه السلام هذه الدنيا؟

                    هناك عدة صفات أساسية تتميز بها الدنيا أشار إليها الإمام عليه السلام تتلخص بما يلي:

                    1- الدنيا دار فناء:

                    "فإنها منزل قلعة وليست بدار نجعة".

                    ويقول عليه السلام:

                    "ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وغِير وعبر"4.

                    فالدنيا ليست ملازمة للإنسان وإنما هي مرحلة يمر بها وجسر يعبره. وهذه المرحلة إذا قسناها بالمراحل التي يمر بها الإنسان منذ خلقه الله تعالى إلى أن يترك الدنيا ثم


                    103
                    حياة البرزخ التي هي أطول بكثير من عمر الإنسان في الدنيا، ثم الآخرة التي سيخلد فيها، سنجد الدنيا مقابل ذلك زهيدة جداً، لا قيمة لها.

                    وهذا ما عبر عنه أمير المؤمنين عليه السلام في العديد من كلماته:

                    "وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها..."5.

                    "ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز..."6.

                    هذه الدنيا التي تمر بهذه السرعة والتي يخبر تعالى عنها في القرآن الكريم:

                    ï´؟قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَï´¾ 7.

                    كم تستحق أن يلتفت إليها الإنسان ويصرف من طاقاته وإمكاناته التي أعطاه الله تعالى؟ هل تساوي نصف أو ربع أم أنها ليست شيئاً يذكر أمام المراحل الأخرى التي يعيشها؟ فلماذا يعطيها أكثر مما تستحق؟ ولماذا يتوجه إليها بكل مجهوده ويصرف فيها كل طاقاته وهو يعلم أنه سيتركها بعد لحظات؟! أليس حرياً بالعاقل أن يصرف طاقاته فيما هو أبقى له؟

                    أفلا قرأنا بقلوبنا هذه الكلمات النورانية لأمير المؤمنين عليه السلام:

                    "خيرها زهيد وشرها عتيد وجمعها ينفذ وملكها يسلب وعامرها يخرب".

                    ويقول عليه السلام:

                    "عباد اللّه أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها والمبلية لأجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلاً فكأنهم قد قطعوا، وأمّوا8 علماً فكأنهم قد بلغوه... وما عسى أن يكون بقاءُ من له يوم لا يعدوه وطالب حثيث من الموت يحدوه9 ومزعج في الدنيا حتى يفارقها رغماً، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها..."10.


                    104
                    2- الدنيا دار غرور:

                    إن من صفات الدنيا السيئة أنها دار غش وخداع. فهي تزين كل قبيح وتقدمه للإنسان بأبهى صورة. تماماً كسراب الصحراء القاحلة:

                    "قد تزينت بغرورها وغرت بزينتها".

                    هذه الزينة التي تتألف من عدة عناصر تجمعها كلمة أمير المؤمنين عليه السلام:

                    "فإني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حُفَّت بالشهوات وتحببت بالعاملة وراقت بالقليل وتحلَّت بالآمال وتزينَّت بالغرور، لا تدوم حبرتها11 ولا تؤمن فجعتها غرّارة ضرّارة، حائلة12 زائلة نافذة13بائدة14 أكّالة غوّالة15"16.

                    فقد تزينت بظاهرها "حلوة" واستدرجت الإنسان بشهواته "حفت بالشهوات" وأغفلته عن قصر عمرها وتركه لها من خلال الآمال "تحلت بالآمال".

                    3- الدنيا دار امتحان:

                    إن الإنسان ممتحن في كل لحظة من لحظات هذه الدنيا وسيجد البلاء والامتحان ومحاولات الاستدراج والمعاصي في أي موقع كان:

                    "فخلط حلالها بحرامها وخيرها بشرها وحياتها بموتها وحلوها بمرها لم يصفها الله تعالى لأوليائه ولم يضن بها على أعدائه".


                    الانغماس في الدنيا:

                    الإمام علي‏ عليه السلام حذر من الانغماس والغرق في الدنيا لما لها من تأثير سلبي إذا استخدمت بغير طاعة اللّه تعالى ولم يكن المأخوذ منها ما يغذي الحياة الآخرة لأنه يجب أن تكون في نظرنا وسلوكنا أنها مزرعة للآخرة وعوناً عليها فنأخذ منها ما ينسجم مع مشروعنا الأخروي والسعادة الأخروية الحقيقية. ولا نقبل عليها مع تجاهل النتائج والآثار والمآل، بل إن ذلك يرتبط بسلسلة من الأخطار الجسيمة على مستوى الفرد


                    105
                    والمجتمع، فيتفكك بذلك المجتمع ويعيش الأفراد فيه حالة الجشع والطمع لا ينظر إلى الأمور بواقعية ولا يقيسها بميزان العقل كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

                    "ومن عشق شيئاً أعشى17 بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة قد خرقت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه وولهت عليها نفسه فهو عبد لها، ولمن في يده شي‏ء منها، حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها"18.

                    وبهذا يصل إلى مرحلة لم تعد تنفعه المواعظ ولا تفيده الزواجر حتى يصل إلى يوم يقول يا ليتني كنت تراباً، أو يطلب من اللّه تعالى العودة حتى يعمل صالحاً من جديد.

                    يقول عليه السلام:

                    "لا يزدجر من اللّه بزاجر، ولا يتعظ منه بواعظ وهو يرى المأخوذين على الغِرَّة19 حيث لا إقالة ولا رجعة، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون"20.


                    إحذر الدنيا:

                    كان عليه السلام يحذر الناس دائماً من هذا الزمان الذي وصلوا إليه من قلة السالكين في طريق الخير والمقبلين على الدنيا وشرورها.

                    يقول عليه السلام:

                    "وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً، ولا الشر فيه إلا إقبالاً ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً..."21.

                    وفي مواجهة ذلك لا بد من جهاد النفس وترويضها بالأساليب المناسبة لها. فإذا وجدت نفسك قد غرقت في الدنيا حتى صارت الدنيا أكبر همك فعليك أن تتذكر الأنبياء والأولياء وموقفهم من الدنيا ومقدار استفادتهم منها.


                    106
                    فهذا أمير المؤمنين عليه السلام يقول:

                    "ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضي‏ء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه22 ومن طعمه بقرصيه23 ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فواللّه ما كنزت من دنياكم تبراً24 ولا ادخرت من غنائمها وفرا. ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا25، ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منه إلا كقوت أثاثٍ دبرة26 ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة27".


                    ولكم في رسول الله أسوة حسنة:

                    يقول أمير المؤمنين‏ عليه السلام:

                    "ولقد كان في رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ما يدلك على مساوي‏ء الدنيا وعيوبها: إذ جاع فيها مع خاصته28 وزويت عنه29 زخارفها مع عظيم زلفته30 فلينظر ناظر بعقله: أكرم اللّه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أم أهانه، فإن قال أهانه، فقد كذب واللّه العظيم بالإفك العظيم، وإن قال: أكرمه فليعلم أن اللّه قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه..."31.

                    ويقول عليه السلام في موضع آخر:

                    "قد حقَّر الدنيا وصغرها وأهون بها وهوَّنها، وعلم أن اللّه زواها عنه اختياراً وبسطها لغيره احتقاراً، فأعرض عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها عن نفسه وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشاً32، أو يرجو فيها مقاماً، بلَّغ عن ربِّه معذراً ونصح لأمته منذراً. ودعا إلى الجنة مبشراً وخوَّف من النار محذِّراً"33.


                    107
                    حال أهل الإيمان مع الدنيا:

                    هنا نورد وصف أمير المؤمنين عليه السلام لأهل الإيمان وأولياء اللّه مع هذه الدنيا كيف تعاملوا معها وماذا كانت تعني لهم وما هو مدى وقعها في نفوسهم وهم ليسوا بأنبياء ولا أئمة، لكن بإيمانهم وثقتهم باللّه تعالى وعبادتهم الحقيقية التي تربطهم باللّه تعالى ومن خلال تفكرهم بأحوال الماضين الذين جمعوا الدنيا كهارون وقارون، علموا بأن النفس مظانها في غدٍ جدث ينقطع في ظلمته أخبارها وتغيب آثارها ولا يأخذ معه الإنسان إلا عمله الخالص للّه تعالى.

                    فيقول سلام اللِه عليه في وصف المتقين ونظرتهم إلى الدنيا:

                    "... أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها..."34.

                    ويقول ‏عليه السلام في موضع آخر:

                    "... والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه..."35.

                    ويقول‏ عليه السلام في موضع آخر يصف الزاهدين:

                    "... كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها، فكانوا منها كمن ليس منها، عملوا فيها بما يُبصرون، وبادروا فيها ما يحذرون، تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة، ويرون أهل الدنيا يعظمون موتى أجسادهم وهم أشدُّ إعظاماً لموتى قلوب أحيائهم"36.

                    وأيضاً يقول عليه السلام في وصف أوليائه:

                    "... إن أولياء اللّه هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها وخشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالاً ودركهم بها فوتاً..."37.


                    108
                    ثم يقول عليه السلام في موضع آخر:

                    "أولئك واللّه الأقلون عدداً والأعظمون عند اللّه قدراً، وصحبوا الدنيا بأبدان أوراحها معلقة بالمحل الأعلى... آه آه شوقاً إلى رؤيتهم...."38.

                    هذه هي بعض أحوال أهل الإيمان مع الدنيا حيث نراهم يعيشون في هذه الدنيا ولكن تطلعهم الحقيقي إلى الحياة الأبدية الأخرى حيث رضا اللّه ورضوانه ونرى كيف يتشوق الإمام لرؤيتهم تكريماً لهم بالفوز الذي حازوه.

                    يقول عليه السلام:

                    "فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ39 وقراضة الجلم40 واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم وارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم"41.


                    109
                    خلاصة الدرس
                    1- لم تكن الدنيا تعني شيئاً عند أمير المؤمنين عليه السلام وإنما هي دار ممر ومعبر إلى دار القرار وهي دار فناءٍ وعناء.

                    2- إن على القائد أن يكون المبادر دائماً إلى فعل الخيرات قبل الآخرين ومن هم تحته من المنقادين. حتى يصح أن يكون قدوة يقتدي به الغير في الفعل والعمل بل على القائد في موقعه أن يتحمل أكثر من غيره كما كان أمير المؤمنين عليه السلام.

                    3- بعد أن تولى أمير المؤمنين عليه السلام السلطة كافح التحول الذي طرأ على الأمة والانحراف عن السنة بأسلوبين: الأول الأسلوب الكلامي من خلال المواعظ وتعميم الثقافة الإسلامية. والثاني الأسلوب العملي من خلال بسط العدل في المواساة في العطاء والمعاملة بين كل شرائح المجتمع.

                    4- أراد أمير المؤمنين عليه السلام لأهل الإيمان وأولياء اللّه أن يتعاملو مع الدنيا بالتفكر وطرح التساؤلات المنطقية. ومن خلال تفكرهم بأحوال الماضين الذين جمعوا الدنيا كهارون وقارون وكلهم علموا بأن النفس مظانها في غدٍ جدث ينقطع في ظلمته أخبارها وتغيب آثارها ولا يأخذ معه الإنسان إلا عمله الخالص للّه تعالى.

                    فيقول عليه السلام في وصف المتقين ونظرتهم إلى الدنيا:

                    "... أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها".
                    للحفظ
                    من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام:

                    "إن الدنيا دار فناءٍ وعناءٍ وَغِيَرٍ وَعِبَرْ".

                    "واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتَّعظ بكم من بعدكم وارفضوها ذميمة، فإنها قد رَفَضَتْ من كان أشغف بها منكم".

                    "ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه. ومن طعمه بقرصيه. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد..."
                    .
                    أسئلة حول الدرس
                    1- كيف كانت نظرة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الدنيا؟
                    2- لماذا حذَّر الإمام عليه السلام من الدنيا؟
                    3- ماذا فعل حب الدنيا بالناس بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؟
                    4- كيف كافح الإمام عليه السلام ظاهرة حب الدنيا بين الناس؟
                    5- كيف كانت حياة أمير المؤمنين عليه السلام أيام حكمه من حيث الترف أو الفقر؟
                    إقرأ
                    علي عليه السلام إمام البررة

                    كتاب "علي عليه السلام إمام البررة"، هو شرح لأرجوزة نظمها المرجع الكبير الراحل وزعيم الحوزة الدينية في النجف الأشرف السيد أبو القاسم الخوئي‏رحمه الله.

                    شرح هذه الأرجوزة وحقق ما ورد فيها من الإشارات والأخبار العلامة السيد مهدي السيد حسن الموسوي الخراساني، وقدم له العلامة السيد علي الحسيني البهشتي..

                    يتألف الكتاب من ثلاثة مجلدات من القطع الكبير وقد أورد فيه الشارح الأبيات بشكل متلاحق معلقا على كل بيت أو شطر بما يحمله من الأخبار أو الإشارات إلى مناقب الأمير صلوات الله وسلامه عليه. فالكتاب على هذا يتميز بعدة جوانب أهمها:

                    * أنه يحتوي على مادة أدبية متميزة لمن يهوى الأدب.

                    * أنّ هذه الأرجوزة قد نظمها عالم كبير ومحقق خبير وضليع كالسيد الخوئي‏ رحمه الله.

                    * أن المطالع لهذا الكتاب لا بدّ وأن يخرج منه بثقافة متميزة تختص بالجوانب الولائية والخصائص الإلهية لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

                    مقتطفات من الأرجوزة:


                    هذا علي صاحب اللواء قد خصه النبي بالإخاء
                    يكفيه هذا شرفاً ومفخرا أبعد هذا شبهة ماذا ترى‏
                    شبّهك النبي بالسفينة سفينة لنوحٍ القديمة
                    تدور دورا أو يدور الحقّ‏ُ مداره حولك لا ينشقّ‏ُ


                    على أن الكتاب على طوله لا يعتبر كتابا مملا لأن غناه بالأبيات لا ترغب القارى‏ء بالقراءة فقط. بل يمكنه إذا أحب أن يحفظ أبيات هذه الأرجوزة حتى لا ينسى أي فضيلة لإمامه عليه السلام.
                    للمطالعة
                    الدنيا

                    مقتطفات من وصية للإمام علي ابن أبي طالب إلى ابنه الحسن عليهما السلام42.

                    "من الوالد الفانِ، المقر للزمان43، المُدبر العمر، المستسلم للدهر الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، والظاعن عنها غداً إلى المولود المؤمِّل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام44ورهينة45 الأيام ورميَّة46 المصائب، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور وغريم المنايا وأسير الموت وحليف الهموم، وقرين الأحزان، ونصب الآفات47 وصريع الشهوات، وخليفة الأموات.

                    أما بعد، فإنّ‏َ فيما تبيّنتُ من أدبار الدنيا عني، وجموح الدهر48 علي وإقبال الآخرة إليّ‏َ ما يَزَعُني49عن ذكر من سواي، والاهتمام بما ورائي50 غيرَ أني حيثُ تفرّد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدفني51 رأي وصرفني عن هواي وصرَّح لي محض أمري، فأفضى بي إلى جدٍّ لا يكون فيه لعب وصدقٍ لا يشوبه كذب ووجدتك بعضي بل وجدتك كليّ‏ِ حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي. أحْيِ قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة وقوه باليقين ونوره بالحكمة، وذلِّله بذكر الموت وقرره بالفناء52 وبصرِّه فجائع الدنيا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأيام واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم فانظر فيما فعلوا وعمَّا انتقلوا وأين حلَّوا ونزلوا.

                    يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها، وزوالها وانتقالها وأنبأتك عن الآخرة وما أُعِدَّ لأهلها فيها، وضَرَبَتُ لك فيهما الأمثال، لتعتبر بها،



                    وتحذو عليها، إنما مثل من خبر53 الدنيا كمثل قومٍ سَفْرٍ54 نبأ55 بهم منز جديب56، فأمّوا منزلاً خصيباً وجَنَاباً مريعاً57 فاحتملوا وعثاء58 الطريق وفِراق الصديق، وخشونة السَّفر وجشوبه59المطعم، ليأتوا سعةَ دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشي‏ءٍ من ذلك ألماً ولا يرون نفقة فيه مغرماً، ولا شي‏ء أحبّ إليهم مما قرَّبهم من منزلهم وأدناهم من محلّهم.

                    واعلم يا بني أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في منزل قُلْعة60 ودار بلغة61 وطريق إلى الآخرة، وأنك طريدُ الموت الذي لا ينجو منه هاربه ولا يفوته طالبه، ولا بدَّ أنه مدركه، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة، قد كنت تحدِّث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك. أي بنيّ، إنِّي وإن لم أكن عُمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عُدْتُ كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليّ‏َ من أمورهم قد عُمِّرتُ مع أوَّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعهُ من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمرٍ نخيله62 وتوخيت لك جميلة وصرفت عن مجهولة. واعلم أن أمامك عقبةً كؤوداً63 المُخِفّ‏ُ64 فيها أحسن حالاً من المثقل65، والمبطئ عليها أقبح حالاً من المسرع، وأن مهبطك بها لا محالة على جنة أو على نار، فارتد66 لنفسك قبل نزولك، ووطِّئ المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب67 ولا إلى الدنيا منصرف"68.
                    هوامش
                    1- قلعة: ليست بمستوطنة وثابتة.
                    2- نجعة: طلب الكلأ في موضعه، أي ليست محط الرحال ولا مبلغ الآمال.
                    3- خطبة 113.
                    4- خطبة 11-224.
                    5- خطبة 17-3.
                    6- خطبة 3-128.
                    7- المؤمنون: 112-114.
                    8- أمّوا: قصدوا علماً.
                    9- يحدوه: يسوقه.
                    10- خطبة 99.
                    11- حبرتها: سرورها ونعمتها.
                    12- حائلة: متغيرة.
                    13- نافذة: فانية.
                    14- بائدة: هالكة.
                    15- غوّالة: مهلة.
                    16- خطبة 109.
                    17- أعشى: أعمى.
                    18- خطبة 109-10.
                    19- الغيّرة: البعثة والغفلة.
                    20- نفس المصدر السابق.
                    21- خطبة 129.
                    22- طمريه: ثوبان باليان.
                    23- قرصيه: رغيف الشعير اليابس.
                    24- تبرا: فتات الذهب والفضة قبل صياغته.
                    25- طمرا: الثوب الخلق البالي.
                    26- دبره: التي عقر ظهرها فقلّ‏َ أكلها.
                    27- مقرة: مرَّة.
                    28- أي مع خصوصية وتفضله عند اللّه.
                    29- أي ابتعدت عنه.
                    30- أي قربه.
                    31- خطبة 160.
                    32- رياشاً: اللباس الفاخر.
                    33- خطبة 109.
                    34- نهج البلاغة، خطبة المتقين.
                    35- نهج البلاغة، ج‏3، ص‏74.
                    36- نهج البلاغة، ج‏2، ص‏225.
                    37- نهج البلاغة، ج‏4، ص‏101.
                    38- نهج البلاغة، ج‏4، ص‏38.
                    39- الحثالة: ما لا خير فيه من القشور، والقرظ: نوع من النبات يستعمل في الدباغة.
                    40- الجلم: مقرض يجز به الصوف، والقراض: ما يسقط منه عند الجز.
                    41- نهج البلاغة، ج‏1، ص‏79.
                    42- من وصية له عليه السلام 31.
                    43- المعترف له بالشدة.
                    44- هدف الأمراض ترمي إليه سهامها.
                    45- المرهونة أي أنه في قبضة الأيام وحكمها.
                    46- ما أصابه السهم.
                    47- لا تفارقه العلل.
                    48- استقصاؤه وتغلبه.
                    49- يكفني ويصوّني.
                    50- كناية عن الآخرة.
                    51- صرفني.
                    52- اطلب منه أن يقر بالفناء.
                    53- عرف الدنيا.
                    54- المسافرون.
                    55- لم يوافقهم المقام لوخامته.
                    56- المقحط لا خير فيه.
                    57- كثير العشب.
                    58- مشقته.
                    59- الجشوبة الغلظ.
                    60- أي لا يملك لنازله أو لا يدري متى ينتقل عنه.
                    61- الكفاية وما يبلغ به من العيش.
                    62- المختار المصفى.
                    63- صعبة المرتقى.
                    64- الذي خفف حمله.
                    65- من أثقل ظهره بالأوزار.
                    66- ارتده ابعث رائداً من طيبات الأعمال توقفك الثقة به على جودة المنزل.
                    67- الاستعتاب الاسترضاء، أي أن اللَّه تعالى لا يسترضى بعد اغضابه إلا باستئناف العمل.
                    68- لا انصراف إلى الدنيا بعد الموت.



                    يتبع

                    تعليق

                    عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
                    يعمل...
                    X