إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مواعظ من نهج البلاغة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مواعظ من نهج البلاغة

    الدرس الاول:حكمة الاختبار
    عن أمير المؤمنين عليه السلام:".. ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلّل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله، وأسباباً ذُلُلاً إلى عفوه".

    نهج البلاغة، الخطبة 192.


    7
    الامتحان الإلهيّ سنّة خالدة

    يشير الإمام عليّ عليه السلام إلى حقيقة وسنّة إلهية جارية على الناس في حياتهم الدنيوية، وهي سنّة الاختبار والامتحان، وهي حقيقة كثيراً ما أشار لها القرآن الكريم.
    يقول تعالى:
    ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ1.
    ويقول سبحانه:
    ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ2.

    "يفتنون" مشتقّ من "الفتنة" وهي في الأصل وضع الذهب في النّار لمعرفة مقدار خلوصه، ثمّ أطلق هذا التعبير على كلّ امتحان ظاهريّ ومعنويّ.


    9
    لماذا الاختبار الإلهيّ؟

    في مجال الاختبار الإلهيّ تطرح بحوث كثيرة. وأوّل ما يتبادر للذهن في هذا المجال هو سبب هذا الاختبار. فنحن نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم. فهل أنّ الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الاختبار لعباده، وهو العالم بكلّ الخفايا والأسرار؟! وهل هناك شيء خفي عنه حتّى يظهر له بهذا الامتحان؟!
    والجواب: إنّ مفهوم الاختبار الإلهيّ يختلف عن الاختبار البشريّ.

    اختباراتنا البشرية تستهدف رفع الإبهام والجهل، والاختبار الإلهيّ قصده "التربية" وإيصال الإنسان إلى الكمال بإخراج الدفائن المكنونة فيه.كثيراً ما تحدّث القرآن عن الاختبار الإلهيّ، باعتباره سنّة كونية مستمرّة من أجل تفجير الطاقات الكامنة، ونقلها من القوّة إلى الفعل، وبالتالي فالاختبار الإلهيّ من أجل تربية العباد، فكما أنّ الفولاذ يتخلّص من شوائبه عند صهره في النار، كذلك الإنسان يخلص وينقى في خضمّ الحوادث، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الصعاب والتحدّيات.


    الاختبار الإلهيّ يشبه عمل زارع خبير، ينثر البذور الصالحة في الأرض الصالحة، كي تستفيد هذه البذور من مواهب الطبيعة وتبدأ بالنموّ، ثمّ تصارع هذه البذرة كلّ المشاكل والصعاب بالتدريج، وتقاوم الحوادث المختلفة كالرّياح العاتية والبرد الشديد والحرّ اللافح، لتخرج بعد ذلك نبتة مزهرة أو شجرة مثمرة، تستطيع أن تواصل حياتها أمام الصعاب.

    ومن أجل تصعيد معنويات القوّات المسلّحة، يؤخذ الجنود إلى مناورات وحرب اصطناعية، يعانون فيها من مشاكل العطش والجوع والحرّ والبرد والظروف الصعبة والحواجز المنيعة. وهذا هو سرُّ الاختبارات الإِلهية.

    يقول سبحانه في موضع آخر من كتابه العزيز:
    ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ

    10

    وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ3.
    ويقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في بيان سبب الاختبارات الإلهية: "... وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الأَفْعَالُ الَّتي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوابُ وَالْعِقَابُ"4.

    أي أنّ الصفات الكامنة لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للثواب والعقاب، فلا بدّ أن تظهر من خلال أعمال الإنسان، والله يختبر عباده ليتجلّى ما يضمرونه في أعمالهم، ولكي تنتقل قابليّاتهم من القوّة إلى الفعل، وبذلك يستحقّون الثواب أو العقاب.

    لو لم يكن الاختبار الإلهيّ لما تفجّرت هذه القابليّات، ولما أثمرت الكفاءات، وهذه هي فلسفة الاختبار الإلهيّ في منطق الإسلام.

    الاختبار الإلهيّ عامّ

    نظام الحياة في الكون نظام تكامل وتربية، وكلّ الموجودات الحيّة تطوي مسيرة تكاملها، حتّى الأشجار تعبّر عن قابليّاتها الكامنة بالأثمار. من هنا فإنّ كلّ البشر، حتّى الأنبياء، مشمولون بقانون الاختبار الإلهيّ كي تنجلي قدراتهم.

    الامتحانات تشمل الجميع وإن اختلفت شدّتها وبالتالي تختلف نتائجها أيضاً، يقول سبحانه:
    ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ5.

    القرآن يعرض نماذج لاختبارات الأنبياء إذ يقول:
    ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ6.

    ويقول في موضع آخر بشأن اختبار النبيّ سليمان عليه السلام:
    ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ.. 7.

    11

    يقول الإمام عليّ عليه السلام: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَرَخَاءٍ وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ وَمَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ، وَلَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ، وَلَا كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ"8.

    ويقول عليه السلام: "إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ"9.


    طرق الاختبار

    إنّ اختبار الله تعالى للناس متنوّع ومتعدّد ولا يقتصر على الجانب السلبيّ.
    يقول سبحانه:
    ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ10.

    هذه الآية الكريمة تشير الى البلاء والاختبار في الجانب السلبيّ، لكنّ الآية التالية تعمّم الاختبار، يقول تعالى:
    ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ11.

    يروى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرض فعاده قوم فقالوا له: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحت بشرّ، فقالوا له: سبحان الله هذا كلام مثلك؟! فقال: يقول الله تعالى: "ونبلوكم بالخير والشرّ فتنة. فالخير الصحّة والغنى، والشرّ المرض والفقر، ابتلاءً واختباراً"12.


    12

    وعنه عليه السلام في قوله تعالى:﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ13: "ومعنى ذلك أنّه سبحانه يختبر عباده بالأموال والأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحقّ الثواب والعقاب"14.

    إذاً، فالامتحانات الإلهية تأتي بصور مختلفة:
    فالجماعة الذين يعيشون في محيط ملوّث بالمفاسد والوساوس تحيط بهم من كلّ جانب، فإنّ امتحانهم الكبير في مثل هذا الجوّ والظروف، هو أن لا يتأثّروا بلون المحيط وأن يحفظوا أصالتهم ونقاءهم.

    والجماعة الذين يعيشون تحت ضغط الحرمان والفقر، يرون أنّهم لو صمّموا على ترك رأس مالهم الأصيل "الإيمان" فإنّهم سرعان ما يتخلّصوا من الفقر والحرمان لكنّ ثمن ذلك هو فقدانهم للإيمان والتقوى والكرامة والحريّة والشرف، فهنا يكمن امتحانهم..

    وجماعة آخرون على عكس أُولئك غرقى في اللذائذ والنعم، والإمكانات المادية متوفّرة لديهم من جميع الوجوه، ترى هل يؤدّون في مثل هذه الظروف الشكر على النعم، أم سيبقون غرقى في اللذائذ والغفلة وحبّ الذات والأنانية، غرقى الشهوات والاغتراب عن المجتمع وعن أنفسهم؟!

    وجماعة منهم كالمتغرّبين في عصرنا، يرون بعض الدول بعيدة عن الله والفضيلة والأخلاق حقّاً، ولكنّها تتمتّع بالتمدّن المادّيّ المذهل والرفاه الاجتماعيّ. هنا تجذب هؤلاء المتغرّبين قوّة خفيّة إلى سلوك هذا النوع من الحياة أو سحق جميع القيم والأصول والأعراف التي يعتقدون بها، ويبيعون أنفسهم أذلّاء عملاء لتلك الدول،


    13

    ليوفّروا لهم ولمجتمعهم مثل هذه الحياة... وهذا نوع آخر من الامتحان.

    المصائب، والآلام والهموم، والحروب والنزاعات، والقحط والغلاء، وما تثيره الحكومات الأنانية لتجذبهم إليها وتستعبدهم به وأخيراً الأمواج النفسية القوية والشهوات، كلّ منها وسيلة للامتحان في طريق عباد الله، والسائرين في الميادين التي تتميّز فيها شخصيّة الأفراد وتقواهم وإيمانهم وطهارتهم وأمانتهم وحرّيتهم.. الخ.

    ولكن لا طريق للانتصار في هذه الامتحانات الصعبة لاجتيازها إلاّ الصبر والجدّ والسعي المستمر، والاعتماد على لطف الله سبحانه.

    ومن الطريف أنّنا نقرأ حديثاً عن أحد المعصومين في أصول الكافي في تفسير الآية
    ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ يقول فيه: "يُفتنون كما يُفتن الذهب، ثمّ قال: يخلصون كما يخلص الذهب"15.

    وعلى كلّ حال، فإنّ طالبي العافية الذين يظنّون أنّ إظهار الإيمان كاف بهذا المقدار ليكونوا في صفوف المؤمنين وفي أعلى علّيين في الجنّة مع النّبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، فهم في خطأ كبير.

    وعلى حدّ تعبير أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "والذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ولتغربلنّ غربلة، ولتساطنّ سوط القدر حتّى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم"16.


    14

    للمطالعة
    صبر وتحمّل الإمام عليّ عليه السلام

    بعد أحداث التحكيم في "دومة الجندل" أصبح الكثير من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بالأمس أعداءه اليوم، وهم الخوارج الذين خرجوا عن طاعته ورفعوا شعار "الحكم لله لا لك يا عليّ" وذلك بعد واقعة التحكيم. ولقد كان الإمام يعاني منهم الأمرّين خصوصاً أنّهم كانوا يعيشون في الكوفة وبين أتباعه.

    ويروى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان جالساً في أصحابه إذ مرّت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم، فقال عليه السلام:"إِنَّ أَبْصَار هذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ، وَإِنَّ ذلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا، فإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَة تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَهٌ كَامْرَأَة.

    فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافراً ما أفقهه.
    فوثب القوم لِيقتلوه.
    فقال: رُوَيْداً، إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْب!"17.

    وهذه الحادثة تبيّن لنا طبيعة الحياة السياسية الّتي أشاعها أمير المؤمنين عليه السلام في دولته الفتيّة بالرغم من كلّ الصعوبات والعراقيل الّتي أوجدها معارضوه في طريق هذه الدولة. فهذه الحادثة تبيّن:
    1 ـ سيطرة أمير المؤمنين عليه السلام على البلاد.
    2 ـ الجوّ الديمقراطيّ الّذي أشاعته حكومة الإمام عليه السلام.
    3 ـ سعة صدر الإمام عليه السلام وعفوه حتّى عن أعدائه.
    4 ـ إضافة إلى مسألة أخلاقية تبيّنها الحادثة وهي أسلوب القضاء على فوران الغريزة الجنسية بالالتجاء إلى الطريق الحلال في إشباعها.

  • #2
    الدرس الثاني:كيد الشيطان
    عن أمير المؤمنين عليه السلام:"اتّخذوا الشيطان لأمرهم مِلاكاً، واتّخذهم له أشراكاً. فباض وفرّخ في صدورهم. ودبّ ودرج في حجورهم. فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم. فركب بِهم الزَّلل وزيّن لهم الخَطَل فِعْلَ من قد شَرِكَهُ الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه".

    نهج البلاغة، الخطبة 7

    ملاك الأمر: ما به قوامه و ديمومته.
    الأشراك: جمع شرك حبائل الصيد.
    باض وفرّخ: كناية عن توطنه صدورهم وطول مكثه فيها، لأنّ الطائر لا يبيض إلا في عشّه. وفراخ الشيطان وساوسه.
    دبّ: مشى على اليدين والرجلين كالطفل.
    درج: مشى.
    الحجور: مفردها حجر الحضن وفلان نشأ في حجر فلان أي في كنفه و منعته.
    الزلل: الخطأ.
    زيّن: له الأمر حسّنه و الشي‏ء زخرفه.
    الخطل: أقبح الخطأ.


    17
    أخلاق الشيطان

    إنّ الإنسان المؤمن كما أنّه مدعوّ لمعرفة الله تعالى وأخلاقه ليتخلّق بها: "تخلّقوا بأخلاق الله" كذلك هو مدعوّ لمعرفة عدوّه الشيطان الرجيم ليبتعد عن أخلاقه.
    والشيطان هو كلّ موجود مؤذٍ مغوٍ طاغٍ متمرّد، إنساناً كان أم غير إنسان، وإبليس اسم الشيطان الذي أغوى آدم ويتربّص هو وجنده الدوائر بأبناء آدم دوماً1.

    وللشيطان أخلاق وصفات منها:

    1- الاستكبار والعصبية
    ففي خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: وهي تتضمّن ذمّ إبليس لعنه الله، على استكباره و تركه السجود لآدم عليه السلام، و أنّه أوّل من أظهر العصبية و تبع الحميّة، و تحذير الناس من سلوك طريقته.

    "فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ. فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ،


    19

    الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّل"2.

    لذلك على الإنسان المؤمن أن لا يتعصّب إلّا للحقّ والدين، ويبتعد عن أيّ عصبيّة أخرى حتّى لو كان لأهله وإخوته وأقاربه.

    2ـ اتّباع الهوى
    من صفات الشيطان اتّباع هواه، فهو يريد عبادة ربّه حسب هواه، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "أمر الله إبليس بالسجود لآدم، فقال: يا ربّ وعزّتك إنْ أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنّك عبادة ما عبدك أحد قطّ مثلها، قال الله جل جلاله: إنّي أحبّ أن أطاع من حيث أريد"3.

    وكم نرى من الناس من يتّصف بهذه الصفة حيث يريد ديناً حسب ما تشتهي نفسه، فبعضهم تقول له أطع الله، صلّ الصلوات الخمس، زكِّ، خمّس، انته عن المعاصي، يجيب: إنّما الإيمان في القلب، وينسى أو يتناسى أنّ الإيمان بالقلب لا يكفي إن لم يلزمه العمل الصالح. لذلك نرى في كثير من الآيات الكريمة قرناً دائماً بين الإيمان والعمل الصالح، يقول تعالى:
    ï´؟بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِï´¾4.
    ويقول سبحانه:
    ï´؟وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًاï´¾5.

    فنلاحظ في الآية الشريفة أنّ أيّ عمل للصالحات لا بدّ حتّى يؤتي ثمرته وهي دخول الجنّة أن يكون مقروناً بالإيمان.


    20

    خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ

    من الأمور التي تساعد على مجابهة الشيطان معرفة خططه، ومن خططه أنّه لا يوقع الإنسان المؤمن في المعاصي الكبيرة بخطوة واحدة وبشكل مكشوف،بل يعطيه السموم على جرعات، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة:
    ï´؟وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌï´¾ فعبارة (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) قد تشير إلى مسألة تربوية دقيقة، وهي أنّ الانحرافات تدخل ساحة الإِنسان بشكل تدريجيّ، لا دفعيّ فوريّ. فتلوُّث شابٍّ بالقمار، أو شرب الخمر، أو بالمخدّرات، يتمّ على مراحل:فمثلاً يشترك أوّلاً متفرّجاً في جلسة من جلسات لعب الورق، ظانّاً أنّه عمل اعتياديّ لا ضير فيه.

    ثمّ يشترك في اللعب نفسه للترويح عن النفس (دون ربح أو خسارة)، أو يتناول شيئاً من المخدّرات بحجّة رفع التعب أو المعالجة أو أمثالها من الحجج.
    وفي الخطوة الأخرى يمارس العمل المحرّم قاصداً أنه يمارسه مؤقتاً.
    وهكذا تتوالى الخطوات واحدة تلو الأخرى ويصبح الفرد مقامراً محترفاً أو مدمناً مريضاً.

    فوساوس الشيطان تدفع بالفرد على هذه الصورة التدريجية نحو هاوية السقوط. وليست هذه طريقة الشيطان الأصليّ فحسب، بل كلّ الأجهزة الشيطانية تنفّذ خططها المشؤومة على شكل "خُطُوات". لذلك يحذّر القرآن كثيراً من اتّخاذ الخطوة الأولى على طريق الانزلاق.

    يقول تعالى:
    ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌï´¾6. ويقول سبحانه: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا

    21

    خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِï´¾7.

    وعن الإمام عليّ عليه السلام: "وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ"8.
    وعنه عليه السلام: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ، وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً"9.


    ما يساعد الشيطان على الإنسان

    ثم إن هناك أموراً عديدة تساعد الشيطان على الإنسان منها:

    1ـ مجالسة أهل الهوى
    عن أمير المؤمنين عليه السلام: "وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ، محضرةٌ للشيطان"10.
    من هنا حذّر الإمام من مجالسة أهل الأسواق لأنّ أكثرهم أهل هوى: "وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ، فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ"11.

    2-الافتراق عن جماعة أهل الحقّ
    فعنه عليه السلام: "وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ"12.
    فلذلك لا بدّ أن يحرص الإنسان على البقاء في أجواء أهل الحق والذكر وعمل الخير ولا يشذّ عنهم كي لا يقع في شرك ومصيدة إبليس اللعين.


    22

    3ـ الظلم والكبر
    فعنه عليه السلام: "فاللهَ اللهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَ آجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَ سُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى، وَ مَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى، الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ"13.
    فلذلك لا بدّ من الاجتناب عن الظلم والكبر كي لا يقع المؤمن في مكيدة إبليس.

    4ـ الانشغال بعيوب غيره عن عيوب نفسه
    فعنه عليه السلام: "فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَ ارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ، وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ"14.
    وهذه آفّة عظيمة عند الإنسان حيث يلقي بالملامة دائماً على غيره ويبرّئ نفسه، بينما نجد الأولياء يقولون:
    ï´؟وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِï´¾15.

    5ـ الوقوع في الفتنة
    فعنه عليه السلام: "وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَ يَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنى"16.
    فلا بدّ من المعرفة والتعلم والوعي لكي يستطيع الإنسان أن يميّز بين الحقّ والباطل، وعليه بالرجوع إلى العلماء وإلى المخلصين الواعين من المؤمنين كي ينصحوه فلا يقع في الفتنة وبالتالي يضلّ الطريق.


    23

    6ـ الإعجاب بالنفس وحبّ المدح
    فعنه عليه السلام: "وَإِيَّاكَ والْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ"17.
    فإنّ الإعجاب بالنفس وانتظار مدح الناس له يؤدّي إلى محق العمل فيدخل إبليس من هذا الباب وتكون نهاية الإنسان التعب في الدنيا والخسران في الآخرة.

    7ـ الشكّ
    عنه عليه السلام: "وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ"18.
    لذلك لا بدّ من أن يخطو الإنسان المؤمن في كل خطواته بثقة وعلم ومعرفة ويقين لا سيما في المعتقدات، حتّى لا يقع تحت وطأة حوافر الشياطين.

    8 ـ الغضب
    فعنه عليه السلام: "وَاحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ"19.
    "وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ"20.
    ومن الواضح أنّ الغضب نار تشتعل في الإنسان فتطغى على العقل وبالتالي يقع بالمفسدة والضرر.

    9-الإفراط في حبّ النساء والخلوة بالأجنبية
    عن الإمام عليّ عليه السلام: "الفتن ثلاث: حبّ النساء وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر وهو فخّ الشيطان، وحب الدينار والدرهم وهو سهم الشيطان"21.


    24

    وفي الرواية أنّه قال إبليس لموسى عليه السلام: يا موسى لا تخل بامرأة لا تحلّ لك، فإنه لا يخلو رجل بامرأة لا تحلّ له إلا كنت صاحبه دون أصحابي22.
    فلشدّة خطورة هذه الخطوة ولأنها سريعة في إيقاع المؤمن بالمعصية يتدخّل إبليس بنفسه ليوقع المؤمن بما يغضب الله، لذلك لا بدّ من أخذ الحيطة للدين والحذر من الخلوة بالمرأة الأجنبية.

    10ـ حبّ المال والترف
    عنه عليه السلام من كتاب له إلى معاوية:" فإنّك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه، وبلغ فيك أمله، وجرى منك مجرى الروح والدم"23.
    وعنه عليه السلام: "إنّ الشيطان يدير ابن آدم في كلّ شيء، فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته"24.
    وهذه مصيبة عامّة البلوى، تأخذ بالإنسان برقبته وتورده المهالك، فعلى الإنسان أن يعي أنّ المال ليس إلّا وسيلة للعيش في هذه الدنيا الفانية برضا الله والتقرّب إليه فيها للوصول إلى ذلك العالم، فالمال وسيلة لرضا الله سبحانه، وليس هدفاً بنفسه.

    11-الحسد والعداوة
    يقول تعالى:
    ï´؟إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءï´¾25.
    وعن الإمام الصادق عليه السلام: "يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي، فإنهما يعدلان عند الله الشرك"26.


    25

    للمطالعة
    توبة النبيّ آدم عليه السلام

    خلق الله آدم عليه السلام ووهبه المعرفة الّتي يفرّق بها بين الحقّ والباطل، وأسكنه سبحانه داراً أرغد فيها عيشته، وآمن فيها محلّته، وحذّره إبليس وعداوته.
    ولكنّ إبليس اللعين انتهز منه غرّة فأغواه، وكان الحامل للشيطان على غواية آدم حسده له على الخلود في دار المقام ومرافقته الأبرار من الملائكة الأطهار، فأدخل عليه الشكّ في أن ما تناول منه سائغ التناول بعد أن كان قد نهاه الله عن تناول ما يوجب له اليقين بحظره عليه.

    يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "اغْتَرَّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الاَْبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ، وَالعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً، وَبِالاْغْتِرَارِ نَدَماً. ثُمَّ بَسَطَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَهُ في تَوْبَتِهِ، وَلَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ المَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، فَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الَبَلِيَّةِ، وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ"27.

    فقد أخرجهما مما كانا فيه وغفر خطيئتهما بعدما تابا ولم يرجعهما إلى الجنّة28، بل أهبطهما إلى الدنيا ليحييا فيها. ولو لم تكن الحياة الأرضية مع أكل الشجرة وظهور السوأة حتماً مقضياً، والرجوع إلى الجنّة مع ذلك محالاً، لرجعا إليها بعد حطّ الخطيئة، فالعامل في خروجهما من الجنّة وهبوطهما هو الأكل من الشجرة وظهور السوأة، وكان ذلك بوسوسة الشيطان اللعين29.
    هوامش
    1-انظر، الأمثل، الشيخ مكارم الشيرازي، ج1، ص171.

    2-نهج البلاغة، الخطبة 192.

    3-بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 2، ص 262.

    4-العصر: 1 ـ 3.

    5-النساء: 124.

    6-البقرة: 168.

    7-النور: 21.

    8-نهج البلاغة، الخطبة 151.

    9-م. ن، الخطبة 121.

    10-م. ن، الخطبة 86.

    11-م. ن، الكتاب 69.

    12-م. ن، الخطبة 127.

    13-نهج البلاغة، الخطبة 192.

    14-م. ن، الخطبة 157.

    15- يوسف: 53.

    16-نهج البلاغة، الخطبة 51.

    17-نهج البلاغة، الكتاب 53.

    18-م. ن، الحكمة 31.

    19-م. ن، الكتاب 69.

    20-م. ن، الكتاب 76

    21-بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج2، ص107.

    22-بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج13، ص350.

    23-نهج البلاغة، الكتاب 10.

    24-شرح أصول الكافي، المولى محمّد صالح المازندراني، ج9، ص337.

    25-المائدة: 91.

    26-بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 72، ص 278.

    27-نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج1، ص 20.

    28-يعتقد بعض الناس أن الجنّة الّتي كان فيها آدم هي جنّة الخلد، وهذا القول غير سليم حيث تنفيه الكثير من الروايات منها ما روي عن أبي عبد الله بعد أن سئل عن جنّة آدم، فقال: جنّة من جنان الدنيا،

    يطلع عليها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبداً. نور الثقلين 1: 62.

    29-تفسير الميزان، العلّامة الطباطبائي، ج1، ص 193 ـ 197.


    يتبع

    تعليق


    • #3
      الدرس الثالث:الشيطان أضعف ركناً
      عن أمير المؤمنين عليه السلام:"وعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ".

      نهج البلاغة، الخطبة 192.


      27
      ما يساعد الإنسان على الشيطان

      لقد أشرنا في الدرس السابق كيف يستطيع إبليس عبر خطوات أن يوقع الإنسان في الهاوية، ولا بدّ من التعرف إلى ما يساعد هذا الإنسان للتغلّب على إبليس، فإنّ الله سبحانه أودع هذه القوّة في الإنسان، ليستطيع الوصول إلى الجنّة بعد هذا الامتحان الكبير فيستحقّ بذلك رضا الله والجنّة. نذكر منها:

      1-العبادة
      في خطبة للإمام عليّ عليه السلام بعد أن يحذّر من الشيطان يذكر ما يحرس منه فيقول: "وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيّام في الأيّام المفروضات"1.

      2-الدعاء
      يقول تعالى:
      ï´؟وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَï´¾2.

      29

      وعن الإمام عليّ عليه السلام: "أكثر الدعاء تسلم من سورة الشيطان"3.
      فالدعاء وهو من لحظات الأنس مع الله سبحانه من أهمّ الأمور المقرّبة منه تعالى، والتي تعين على الابتعاد عن إبليس اللعين.

      3-ذكر الله
      عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال إبليس: خمسة أشياء ليس لي فيهنّ حيلة وسائر الناس في قبضتي: من اعتصم بالله عن نيّة صادقة واتّكل عليه في جميع أموره، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره، ومن رضي لأخيه المؤمن بما يرضاه لنفسه، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبه، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتمّ لرزقه"4.


      قصّة لطيفة

      روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه: لمّا نزلت هذه الآية:
      ï´؟وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ..ï´¾5صعد إبليس جبلاً بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيّدنا لمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية، فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، قال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها، فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها، قال: بماذا؟ قال: أعدهم وأمنّيهم حتّى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها فوكّله بها إلى يوم القيامة"6.

      4-الاعتصام بالقرآن والنبيّ والآل
      عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "من أحبّ أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة


      30

      الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوالِ عليّاً بعدي، وليعادِ عدوّه، وليأتمّ بالأئمّة الهداة من ولده، فإنّهم خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي، وسادة أمّتي، وقادة الأتقياء إلى الجنّة. حزبهم حزبي، وحزبي حزب الله عزّ وجلّ، وحزب أعدائهم حزب الشيطان"7.

      وعن الإمام عليّ عليه السلام: "فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ: فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَاسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ - وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللهِ عَلَيْكَ"8.

      وفي زمن غيبة الإمام المهديّ عجل الله فرجه الشريف ينبغي الاعتصام واللجوء إلى الوليّ الفقيه، فإنّه بما يملك من علم وعدالة وبصيرة وشجاعة وزهد في الدنيا ومخالفة لهواه، يؤمِن المؤمنين من الفتنة والاختلاف، فعن الإمام العسكريّ عليه السلام: "من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه"9.

      وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى قضاة الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم قاضياً، فقد جعلته عليكم قاضياً فتحاكموا إليه"10.

      وفي المكاتبة عن الإمام المهديّ عجل الله فرجه الشريف: "وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله"11.


      31

      5-البصيرة
      عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ألا وإنّ الشيطان قد جمع حزبه، واستجلب خيله ورجله، وإنّ معي لبصيرتي"12.
      فالإنسان المؤمن مدعوّ لامتلاك الوعي والبصيرة وزيادتهما لكي لا تنطلي عليه حيل ومكر الشياطين.

      7-التوكّل على الله
      ï´؟إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَï´¾13.


      إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً:ينبغي للإنسان المؤمن أن لا يخاف إلّا الله ولا يخاف من شياطين الإنس والجن، فإنّما يخوّف أولياءه:
      ï´؟إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَï´¾14.

      فكيد الشيطان ضعيف أمام صلابة ووعي وبصيرة الإنسان المؤمن:
      ï´؟إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًاï´¾15.

      وعن الإمام الكاظم عليه السلام في وصيّته لهشام: "فله - أي لإبليس - فلتشتدّ عداوتك، ولا يكوننّ أصبر على مجاهدته لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنّه أضعف منك ركناً في قوته، وأقلّ منك ضرراً في كثرة شرّه، إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم"16.

      فالشيطان ليس له سلطان على الإنسان إلا أن يساعده الإنسان على نفسه:
      ï´؟وَقَالَ

      32

      الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمï´¾17.

      فابرأ من الشيطان الضعيف قبل أن يبرأ منك يوم لا ينفع الندم:
      ï´؟كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَï´¾18.

      وعن الإمام عليّ عليه السلام: "إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ، وَمُتَخَلٍّ عَنْهُمْ"19.

      ونحن نرى بأمّ أعيننا كيف أنّ شياطين الإنس مثل أمريكا وإسرائيل يستعملون عملاءهم ثمّ يلفظونهم ويتركونهم لمصيرهم المشؤوم.
      فاحذروا أن تكونوا قرناء الشياطين بين طابقين من نار، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ‏"20.


      33

      للمطالعة
      إنّ الشيطان قد استقلَّهم

      كان الخريت بن راشد، مع ثلاثمائة رجل من بني ناجية مقيمين مع الإمام عليّ عليه السلام بالكوفة قدموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل، وشهدوا معه صفّين والنهروان، فجاء إلى عليّ عليه السلام في ثلاثين راكباً من أصحابه، فقال له: والله يا عليّ لا أطيع أمرك ولا أُصلّي خلفك وإنّي غداً لمفارقك.
      فقال له الإمام عليه السلام: ثكلتك أُمّك، إذاً تعصي ربّك وتنكث عهدك ولا تضرّ إلاّ نفسك، خبّرني لِمَ تفعل ذلك.

      قال: لأنّك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحقّ إذا جدّ الجدّ، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليهم زارٍ، وعليهم ناقم ولكم جميعاً مباين.
      فقال له الإمام عليه السلام: هَلُمَّ أدارسك الكتاب، وأُناظرك في السنن، وأُفاتحك أُموراً من الحقّ أنا أعلم بها منك، فلعلّك تعرف ما أنت له الآن منكر، وتستبصر ما أنت عنه الآن جاهل.
      قال: فإنّي عائد إليك.
      قال: لا يستهوينّك الشيطان، ولا يستخفنّك الجهل، ووالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منّي لأهدينّك سبيل الرشاد.
      فنفر الخريت مع أصحابه ليلاً ولم يعد إلى أميرالمؤمنين عليه السلام، فأرسل عليه السلام رجلاً من أصحابه يستعلم حالهم، فلمّا عاد إليه الرجل قال له: أأمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا؟ فقال الرجل: بل ظعنوا يا أمير المؤمنين.

      فقال عليه السلام: "بُعْداً لَهُمْ (كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ)! أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الاْسِنَّةُ إِلَيْهِمْ وَصُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهمْ، لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، إنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَقَلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّىءٌ مِنْهُمْ، وَمُخلٌّ عَنْهُمْ، فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهمْ مِنَ الْهُدَى، وَارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلاَل وَالْعَمَى، وَصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقّ، وَجِمَاحِهمْ فِي التِيهِ"21.

      تعليق


      • #4
        الدرس الرابع: اجتناب الشبهات
        عن أمير المؤمنين عليه السلام:"إنّ من صرّحت له العِبَرُ عمّا بين يديه من المَثُلات، حجزته التّقوى عن تَقحُّم الشّبهات".

        نهج البلاغة، الخطبة: 16.

        صرّحت: كشفت.
        العبر: بكسر ففتح جمع عبرة: الموعظة.
        المثلات: العقوبات.
        الشبهات: جمع شبهة: الالتباس، ما يلتبس فيه الحقّ بالباطل والحلال بالحرام.


        35
        إنّ قول الإمام عليّ عليه السلام فيه إشارة إلى أمرين لا بدّ من مراعاتهما لمن يريد السّلوك إلى الله تعالى، وهما:

        1ـ الاعتبار
        "إنّ من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات".

        يعتبر الإسلام ربط الماضي بالحاضر والحاضر بالماضي أمراً ضرورياً لفهم الحقائق، لأنّ الارتباط بين هذين الزمانين (الماضي والحاضر) يكشف عن مسؤولية الأجيال القادمة، ويوقفها على واجبها.

        وهذا يعني أنّ لله في الأُمم سنناً لا تختصّ بهم، بل هي سنن وقوانين عامّة في الحياة تجري على الحاضرين كما جرت على الماضين سواء بسواء، وهي سنن للتقدّم والبقاء وسنن للتدهور والاندحار، التقدّم للمؤمنين المتّقين المجاهدين المتّحدين الواعين، والتدهور والاندحار للأُمم المتفرّقة المتشتّتة الكافرة الغارقة في الذنوب والآثام.

        إنّ للتاريخ أهمّية حيوية لكلّ أمّة من الأُمم، لأنّ التاريخ يعكس الخصوصيات الأخلاقية والأعمال الصالحة وغير الصالحة، والأفكار التي كانت سائدة في الأجيال


        37

        السابقة، كما يكشف عن علل سقوط المجتمعات أو سعادتها، ونجاحها وفشلها في العصور الغابرة المختلفة.

        وبكلمة واحدة: إنّ التاريخ مرآة الحياة الروحية والمعنوية للمجتمعات البشرية وهو لذلك خير مرشد محذّر للأجيال القادمة.
        إنّ آثار الماضين خير عِبرة للقادمين، وبالنظر فيها والاعتبار بها يمكن للناس أن يعرفوا المسير الصحيح للسلوك والحياة.
        ولهذا نجد القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى السير في الأرض والنظر بإمعان وتدبّر في آثار الأُمم والشعوب التي سادت ثمّ بادت إذ يقول:
        ï´؟قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَï´¾1، ï´؟فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِï´¾2.

        وقد أشار الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الحقيقة في كلمات وخطب عديدة منها قوله:"فاعتبروا بما أصاب الأُمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته، ووقائعه ومُثُلاته واتّعظوا بمثاوي خدودهم، ومصارع جنوبهم واستعيذوا بالله من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدهر...

        واحذروا ما نزل بالأُمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال، وذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم وزاحت الأعداء له عنهم، ومدّت العافية به عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة واللزوم للألفة والتحاضّ عليها، والتواصي بها، واجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم وأوهن منّتهم، من تضاغن القلوب، وتشاحن الصدور وتدابر


        38

        النفوس، وتخاذل الأيدي..."3.

        ولذلك نرى القرآن الكريم عامراً بقصص الماضين، يقول سبحانه:
        ï´؟تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَاï´¾4،ï´؟وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَï´¾5. ï´؟كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًاï´¾6.ï´؟فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَï´¾7. ويقول أيضاً: ï´؟لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِï´¾8.

        2ـ التقوى

        "حجزه التّقوى عن التّقحّم فى الشّبهات".

        والوجه فيه هو أنّ الإنسان العاقل إذا اعتبر بما وقع من الحوادث على الأمم الماضية في القرون السّالفة وعلم أنّ العلّة و السّبب فيها لم تكن إلّا العصيان والمخالفة لأوامر الله تعالى وارتكاب المنهيات وعدم الانقياد للنّواميس الشّرعية التي بعث الله تعالى الأنبياء لأجلها فلا جرم يكون هذا الاعتبار مانعاً له عن الدخول في الشّبهات فضلاً عن المحرّمات.

        يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:"... للورع مراتب كثيرة: فورع العوام: الاجتناب عن الكبائر، وورع الخواصّ: الابتعاد عن الشبهات خشية الوقوع في المحرّمات. وورع أهل الزهد: الاجتناب عن المباحات للابتعاد عن وزرها. وورع أهل السلوك: ترك النظر إلى الدنيا لأجل الوصول إلى المقامات. وورع المجذوبين: ترك المقامات لأجل الوصول إلى باب


        39

        الله، ومشاهدة جمال الله. وورع الأولياء: الاجتناب عن التوجّه إلى الغايات"9.

        وقد أشير إلى ورع الخواصّ في روايات عديدة منها:عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "حلال بيّن و حرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشّبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم"10 و ذلك لأنّ الوقوف عند الشّبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

        وعن النّعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: "إنّ لكلّ ملك حمى وإنّ حمى الله حلاله و حرامه و المشتبهات بين ذلك كما لو أنّ راعياً رعى الى جانب الحمى لم يثبت غنمه أن تقع في وسطه فدعوا المشتبهات"11.

        وعن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: مَن الورعِ من النّاس؟ قال عليه السلام: "الذي يتورّع من محارم الله و يجتنب هؤلاء فإذا لم يتّق الشّبهات وقع في الحرام و هو لا يعرفه"12.

        وعن أبي عبد الله عليه السلام: "أورع النّاس من وقف عند الشّبهة..."13.


        ازدواج الشخصية

        إنّ هناك أناساً يملكون شخصية مزدوجة, فهم أتقياء ورعون محتاطون في أمور وغير مبالين في أمور أخرى.


        40

        يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:"نجد الكثير من ذوي الوسوسة التي لا مبرّر لها والجهلة المتنسّكين، لا يحتاطون في مواضع يجب الاحتياط فيها أو يستحب. هل سمعت أحداً يعيش حالة الوسوسة في الشبهات المالية؟ مَن من [الوسواسيين] دفع الزكاة والخمس مرات عديدة؟ وذهب إلى الحجّ لأداء الواجب مرات متكرّرة؟ وأعرض عن الطعام المشتبه؟ لماذا كانت أصالة الحلّية في الأطعمة المشتبهة جارية وأصالة الطهارة في مشكوك النجاسة غير جارية؟...

        كان أحد الأئمّة المعصومين [الإمام الكاظم] سلام الله عليه وعليهم السلام إذا ذهب لقضاء حاجته رشّ الماء على فخذيه، حتّى إذا ترشّحت لدى الاستبراء أو الاستنجاء قطرات من الماء لم يحسّ بذلك ـ فهو لم يحتط ولم يتوسوس ـ. وهذا المسكين الذي يرى نفسه محتذياً حذو الإمام المعصوم عليه السلام وآخذاً دينه منه، لا يتّقي لدى التصرّف في الأموال، ولا يحتاط تجاه الطعام بل يتّكل على قاعدة أصالة الطهارة ويأكل، ثم يقوم ويغسل فمه ويديه. إنّه حين الأكل يتمسّك بأصالة الطهارة وبعد أن يشبع يقول: كل شيء نجس
        "14.


        مثال لاجتناب الشبهات

        "إنّ تعويد النفس على الغيبة في الأحوال الجائزة، يضرّ بحالها أيضاً. لأن النفس تميل نحو الشرور والقبائح، فمن المحتمل أن ينجرّ [الإنسان] رويداً رويداً من الموارد الجائزة إلى مرحلة أخرى وهي الموارد المحرّمة , كما أنّ الدخول في الشبهات غير محمود، رغم جوازه، لأنّها حمى المحرّمات ومن الممكن أنّ الاقتحام في الحمى يفضي إلى الدخول في المحرّمات. يجب على الإنسان مهما أمكن أن يبعد النفس عن الغيبة في الأحوال


        41

        المسموحة، ويحترز عن الأمور التي يحتمل أن يكون فيها طغيان للنفس"15.


        قصص لاجتناب الشبهات

        دعا أبو عبد الله عليه السلام مولى له يقال له: مصادف، فأعطاه ألف دينار وقال: له تجهّز حتّى تخرج إلى مصر فإنّ عيالي قد كثروا، قال: فتجهّز بمتاع وخرج مع التجّار إلى مصر فلمّا دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خارجة من مصر فسألوهم عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة وكان متاع العامّة 16 فأخبروهم أنّه ليس بمصر منه شيء فتحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار ديناراً فلمّا قبضوا أموالهم وانصرفوا إلى المدينة فدخل مصادف على أبي عبد الله عليه السلام ومعه كيسان في كلّ واحد ألف دينار، فقال: جعلت فداك هذا رأس المال وهذا الآخر ربح، فقال: إنّ هذا الربح كثير ولكن ما صنعته في المتاع؟ فحدّثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا،: فقال: سبحان الله تحلفون على قوم مسلمين ألّا تبيعوهم إلّا ربح الدينار ديناراً، ثمّ أخذ الكيسين 17 فقال: هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في هذا الربح، ثمّ قال: يا مصادف مجادلة السيوف أهون من طلب الحلال18.


        قصّة أخرى

        إنّ المراجع لسيرة علمائنا الأبرار يلاحظ مدى احتياطهم وبعدهم عن الشبهات، وهذه بعض قبساتهم المعبّرة.

        يروى عن آية الله السيّد محمّد باقر الدرجه أي ما يلي:
        دعاه أحد التجّار الأثرياء مع عدد من العلماء والطلّاب، ومدّ سفرة وسيعة أنيقة مكلفة، عليها أنواع الأطعمة، وكعادته رحمه الله اكتفى بتناول مقدار قليل من الطعام،


        42

        وبعد الانتهاء من تناول الطعام وغسل الأيدي، قدّم صاحب الدعوى للسيّد سنداً يتضمّن أمراً حراماً بحسب فتواه، وطلب منه أن يوقّع عليه.
        أدرك (رضوان الله عليه) أنّ هذه الوليمة كانت مقدّمة لإمضاء هذا السند.

        إنّ فيها إذن شبهة الرشوة، فتغيّر لونه وارتعدت فرائصه وقال: أيّة إساءة أسأتها إليك حتّى وضعت في حلقي هذا الزقّوم؟..
        لماذا لم تأتِ بهذا السند قبل الغداء حتّى لا ألوّث يدي بهذا الطعام؟..
        ثمّ نهض مضطرباً ومضى مسرعاً إلى المدرسة وجلس بجوار الحديقة المقابلة لحجرته، ووضع إصبعه في فمه حتّى استفرغ، ثمّ تنفس الصعداء19.


        43

        للمطالعة
        عمّار والمغيرة

        قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمّار بن ياسر (رضي الله عنه) وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً:"دَعْهُ يَا عَمَّارُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلاَّ مَا قَارَبَتْهُ الدُّنْيَا، وَعَلَى عَمد لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ".
        قال ابن أبي الحديد: إنّ أصحابنا غير متّفقين على السكوت على المغيرة، بل أكثر البغداديين يفسّقونه، ويقولون فيه ما يقال في الفاسق، ولمّا جاء عروة بن مسعود الثقفيّ إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عام الحديبية نظر إليه قائماً على رأس رسول الله مقلّداً سيفاً، فقيل: من هذا؟
        قيل: ابن أخيك المغيرة.
        قال: وأنت ها هنا يا غدر! والله إنّي إلى الآن ما غسلت سوأتك.
        وكان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح، ولا إنابة ونيّة جميلة. كان قد صحب قوماً في بعض الطرق، فاستغفلهم وهم نيام، فقتلهم وأخذ أموالهم، وهرب خوفاً أن يُلحق فيُقتل، أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم، فقدم المدينة فأظهر الإسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا يردّ على أحد إسلامه، أسلم عن علّة أو عن إخلاص، فامتنع بالإسلام، واعتصم وحمى جانبه20.

        تعليق


        • #5
          الدرس الخامس:اتّباع الهوى وطول الأمل
          عن أمير المؤمنين عليه السلام:"أيّها النّاس: إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتّباع الهوى و طول الأمل، فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، و أمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة".

          نهج البلاغة، الخطبة 42.


          45
          يتحدّث أمير المؤمنين عليه السلام عن أمرين خطيرين على سلوك الإنسان نحو الله تعالى، الأمر الأول: اتّباع الهوى، الأمر الثاني: طول الأمل.

          الأمر الأوّل: اتّباع الهوى

          لا شكّ أنّ للنفس الإنسانية رغبات وغرائز ومتطلّبات وحاجات وميولاً مختلفة، فالإنسان -مثلاً- يحتاج إلى الارتباط بزوج ليلبّي حاجته الجسدية بالإضافة إلى حاجته للأولاد، ويحتاج إلى المال ليحفظ به نفسه وعياله ويطوّر حياته، ويحب أن يكون محترماً بين الناس عزيزاً، وأن يكون حراً.

          هذه بعض الحاجات والغرائز الموجودة في الإنسان، وجميعها ضروريّ لبقاء حياته، ولا شكّ أنّ مبدع الوجود خلقها جميعاً لهدف تكامليّ.
          والهدف التكامليّ يتحقّق بأن لا تتجاوز الغرائز والحاجات حدّها، وتخرج عن التوازن والحدّ الوسط إلى الإفراط أو التفريط، وذلك بالتمرّد على الشرع والعقل، وبذلك تكون سائرة مع الهوى المذموم وتابعة له.

          فالحاجة الجسدية إذا خرجت عن التوازن إلى التفريط بأن لا يتزوّج، أو إلى الإفراط بأن يلبّي حاجته هذه بأيّ شيء دون رقيب أو حسيب من دين أو عقل، بأن


          47
          يرتكب المحرّمات مثلاً - والعياذ بالله - فهذا وذاك اتّباع للهوى.

          والحاجة إلى جمع المال إذا أبطلها الإنسان وزهد فيها زهداً سلبياً، أو انكبّ على الجمع من أيّ طريق وبأيّ وسيلة ولو كانت من حرام كالسرقة والغصب والاحتيال والربا، فهذا وذاك من اتّباع الهوى.

          وحبّ الاحترام والعزّة بين الناس إذا أعدمه الإنسان وأذلّ نفسه، أو إذا طلب الجاه بطرق منحرفة، فكلا الحالتين من اتّباع الهوى.
          وحبّ الحرية إذا أبطله الإنسان وأصبح يألف العبودية للاستعمار مثلاً، أو أرخى لنفسه العنان دون ضابط، فكلاهما من اتّباع الهوى.
          وهكذا كلّ حاجات الإنسان إذا خرجت عن الاعتدال فهي تتبع الهوى والهوى يصدّ عن الحقّ كما قال الإمام عليه السلام.

          وقد حذّرنا الله تعالى من اتّباع الهوى في كثير من آيات القرآن، منها، قال سبحانه:
          ï´؟أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَï´¾1 ï´؟وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِï´¾2.

          والروايات في ذمّه كثيرة، منها عن الإمام عليّ عليه السلام: "والشّقيّ من انخدع لهواه وغروره.... ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان، ومحضرة للشيطان..."3.

          "عباد الله: لا تركنوا إلى جهالتكم، ولا تنقادوا لأهوائكم، فإنّ النازل بهذا المنزل نازل بشفا جرف هار، ينقل الرّدى على ظهره من موضع إلى موضع.."4.


          48

          رغبات النفس لا تنتهي

          يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "اعلم أيها العزيز، أنّ رغبات النفس وآمالها لا تنتهي ولا تصل إلى حدّ أو غاية. فإذا اتّبعها الإنسان ولو بخطوة واحدة، فسوف يضطرّ إلى أن يتّبع تلك الخطوة خطوات، وإذا رضي بهوى واحد من أهوائها، أجبر على الرضى بالكثير منها. ولئن فتحت باباً واحداً لهوى نفسك، فإنّ عليك أن تفتح أبواباً عديدة له.

          إنّك بمتابعتك هوى واحداً من أهواء النفس توقعها في عدد من المفاسد، ومن ثم سوف تُبتلى بآلاف المهالك، حتّى تنغلق ـ لا سمح الله ـ جميع طرق الحقّ بوجهك في آخر لحظات حياتك، كما أخبر الله بذلك في نصّ كتابه الكريم، وكان هذا هو أخشى ما يخشاه أمير المؤمنين ووليّ الأمر، والمولى، والمرشد والكفيل للهداية والموجِّه للعائلة البشرية عليه السلام
          "5.

          وهذا يعني أنّ على الإنسان أن يقطع الطريق على الهوى من بداية الطريق حتّى لا يسقط في الهاوية السحيقة؛ لأنّ الإنسان في البدايات هو أقدر على السيطرة على الأمور من المراحل المتقدّمة فضلاً عن النهايات.

          سدّ طرق الحرام

          إنّ قطع الطريق على الشهوة المحرّمة ينبغي أن يكون من أوّل الطريق فلا ينبغي للإنسان أن يتبع هواه في أن ينظر النظر المحرّم سواء النظر المباشر أم عبر الإعلام، أو يختلي بامرأة لا تحلّ له، أو يمازح امرأة لا يجوز له ممازحتها،أو يختلط مع النساء بشكل لا ضابط فيه، فإنّ كلّ ذلك مقدّمات إن لم يقطعها الإنسان من أوّل الطريق يخشى عليه أن يقع في الهاوية السحيقة.

          فإنّ هوى النفس كالنار لا تشبع، وعليك أن تقطع عليه المزيد بقناعتك بحلال


          49

          الغرائز والميول والاحتياجات.

          وقد حذّر الإمام عليّ عليه السلام من أوّل الهوى وبداياته: "إيّاكم وتمكّن الهوى منكم، فإنّ أوّله فتنة وآخره محنة"6، وعنه عليه السلام: "أوّل الشهوة طرب، وآخرها عطب"7، وعنه عليه السلام: "إيّاكم وغلبة الشهوات على قلوبكم، فإنّ بدايتها ملكة، ونهايتها هلكة"8، وعنه عليه السلام: "كم من شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً"9.

          فعلى الإنسان المؤمن أن يحذر الهوى كما يحذر أعداءه، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم، فليس شيء أعدى للرجال من اتّباع أهوائهم، وحصائد ألسنتهم"10و"أشجع الناس من غلب هواه"11 كما عن رسول الله.

          مرّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقوم يتشايلون حجراً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: نختبر أشدّنا وأقوانا، فقال: ألا أخبركم بأشدّكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحقّ، وإذا ملك لم يتعاطَ ما ليس له بحقّ"12.
          فإذا كنّا نريد الجنّة فعلينا بنهي النفس عن الهوى،يقول سبحانه:
          ï´؟وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىï´¾13.


          الأمر الثاني: طول الأمل

          ينبغي الإلفات إلى أنّ أصل (الأمل) ليس فقط غير مذموم بل له دور مهمّ في إدامة حركة الحياة والتطوّر البشريّ في الأبعاد المادية والمعنوية.


          50

          إذا سُلب الأمل من قلب (الاُمّ) فإنّها لا تجد دافعاً لإرضاع طفلها وتحمُّل أنواع المشقّة والألم بتربيته وتنشئته كما ورد هذا المعنى في الحديث النبويّ الشريف "اَلاَْمَلُ رَحْمَةٌ لاُِمَّتِي وَلَوْلاَ الاَْمَلُ مَا رَضِعَتْ وَالِدَةٌ وَلَدَهَا وَلاَ غَرَسَ غَارِسٌ شَجَرَهَا"14.

          إنّ من يعلم مثلاً بأنّ هذا اليوم هو آخر يوم من حياته أو أنّه سيموت بعد أيّام قليلة ويغادر الدنيا فإنّه سيترك جميع ما في يده من أعمال ونشاطات في دائرة المعيشة والعلاقات الإجتماعية. وفي الحقيقة فإنّ ذلك يعني انطفاء شعلة الحياة. ولعلّ أحد الأسباب لخفاء الأجل هو أن يبقى الإنسان في حالة الأمل والرجاء ويعيش الحركة الطبيعية في أمور المعيشة.

          عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتّى يغرسها فليغرسها"15.

          وعن المسيح عليه السلام أنّه: "بينما عيسى ابن مريم عليه السلام جالس وشيخ يعمل بمسحاة ويثير الأرض، فقال عيسى عليه السلام: اللهمّ انزع منه الأمل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة، فقال عيسى: اللهمّ اردد إليه الأمل، فقام فجعل يعمل، فسأله عيسى عن ذلك، فقال: بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي: إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير؟ فألقيت المسحاة واضطجعت، ثم قالت لي نفسي: والله لا بدّ لك من عيش ما بقيت، فقمت إلى مسحاتي"16.

          ومن هنا قال الشاعر:

          أعلّل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

          فالأمل ضروري لإيجاد التحرّك أكثر لدى أفراد المجتمع من موقع النظر إلى المستقبل في حركة الحياة.


          51

          ولكنّ نفس هذا الأمل الّذي يُعدّ رمز حركة الإنسان وسعيه في حياته الدنيوية والماء الّذي يسقي أرض حياته الميّتة ويُنعش إحساساته وعواطفه بغد أفضل، نفس هذا الأمل إذا تجاوز حدّه المرسوم أصبح على شكل سيل مدمّر يأتي على الأخضر واليابس ويُغرق الإنسان في وحل حبّ الدنيا والظلم والجريمة والإثم.

          يروى عن الإمام الكاظم عليه السلام: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً"17. فالشطر الأول من الحديث يشير إلى الأمل الإيجابيّ لإعمار الدنيا، والشطر الثاني من الحديث يشير إلى ضرورة أن لا ينسى الإنسان الموت لإعمار الآخرة.

          وقد حذّر الإسلام من طول الأمل المذموم الذي يُنسي الآخرة، قال تعالى واصفاً الكفّار:
          ï´؟ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَï´¾18 وقال سبحانه: ï´؟أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَï´¾19.

          وعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه واله وسلم قوله: "أرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَطُولُ الاَْمَلِ وَالْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا"20.

          وعن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله: "َمَنْ اَطَالَ اَمَلَهُ سَاءَ عَمَلُه"21.

          وعن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الإمام الحسين عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: "اِنَّ صَلاَحَ اَوَّلِ هَذِهِ الاُْمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ وَهَلاَكَ آخِرِهَا بِالشُّحِّ (بِالشَّكِّ) وَالاَْمَلِ"22.


          52

          من العوامل المهمّة لانتصار المسلمين في صدر الإسلام الإيمان واليقين الراسخ بالإضافة إلى عدم اهتمامهم بزخارف الدنيا وبريقها، حيث تسبّب ذلك في أن يرد المسلمون الأوائل إلى ميدان القتال والجهاد بشجاعة فائقة وشوق بالغ فلم يكونوا يرون إلاّ الله تعالى والدار الآخرة.

          ولكن عندما امتدّت إليهم الآمال الطويلة وملكتهم العلائق الدنيوية وخدعتهم ظواهر الدنيا حلّ الشكّ والترديد محلّ اليقين، والشغف بأُمور الدنيا محلّ الزهد، وبدأوا يتراجعون أمام أعدائهم ويسلكون سبيل التخلّف والانحطاط الحضاريّ والثقافيّ، فلا سبيل لهم اليوم لتجديد عظمتهم الأولى سوى إحياء اليقين والزهد وقصر الأمل وذكر الموت والآخرة وعدم نسيانهما.

          ففي وصية رسول الله لأبي ذرّ: "يا أبا ذرّ: إيّاك والتسويف بأهلك، فإنّك بيومك ولست بما بعده، فإن يكن لك غد فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غد، لم تندم على ما فرّطت في اليوم. يا أبا ذرّ: كم من مستقبل يوماً لا يستكمله، ومنتظر غداً لا يبلغه. يا أبا ذر: لو نظرت إلى الأجل ومصيره لأبغضت الأمل وغروره. يا أبا ذرّ: كن كأنّك في الدنيا غريب أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أصحاب القبور. يا أبا ذرّ: إذا أصبحت لا تحدّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح"23.


          وفي رواية: أنّه اجتمع عبدان من عباد الله فقال أحدهما للآخر: ما بلغ من قصر أملك؟ فقال: أملي إذا أصبحت أن لا أمسي، وإذا أمسيت أن لا أصبح. فقال: إنّك لطويل الأمل. أما أنا فلا أؤمل أن يدخل لي نفَس إذا خرج، ولا يخرج لي نفَس إذا دخل.

          ويروى أنّ حذيفة قال يوماً لرجل: أراك إذا دخلت الكنيف أبطأت في مشيتك وإذا خرجت أسرعت، فقال: أدخل وأنا على وضوء وأخرج وأنا على غير وضوء فأخاف أن


          53

          يدركني الموت قبل أن أتوضّأ، فقال له حذيفة: إنّك لطويل الأمل، لكنّي أرفع قدمي فأخاف أن لا أضع الأخرى حتّى أموت24.

          قد لا تستطيعون أن تكونوا قصيري الأمل بهذه الدقّة ولكن أعينوا رسول الله والأئمة والأولياء قدر مستطاعكم.
          أعاننا الله على محاربة الهوى وطول الأمل، فانتصارنا عليهما مقدّمة مهمّة لانتصارنا على أعداء الله والإنسانية.


          54

          للمطالعة
          الاستغفار والتوبة الحقيقية

          قال شخص بحضرة أمير المؤمنين عليه السلام: أَسْتَغْفِرُ اللهَ!
          فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاِْسْتِغْفَارُ؟ إنَّ الاْسْتِغْفَارَ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَان:

          أَوَّلُهَا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى.
          وَالثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً.
          وَالثَّالِثُ: أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْـمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللهَ عزّ وجلّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ.
          وَالرَّابِعُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَة عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا.
          وَالْخَامِسُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بالاَْحْزَانِ، حَتَّى يَلْصِقَ الْجِلْدُ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ.
          وَالسَّادِسُ: أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ الْمَعْصِيَةِ.
          فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ25.

          تعليق


          • #6
            الدرس السادس: الوفاء توأم الصدق
            عن أمير المؤمنين عليه السلام:"أيّها النّاس إنّ الوفاء توأم الصّدق و لا أعلم جُنّةً أوقى منه. ولا يَغْدِرُ من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كَيْساً و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله، قد يرى الحُوّلُ القُلّب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين".

            نهج البلاغة، الخطبة 41.

            الجُنّة: بضم الجيم: الوقاية.
            الكيس: العقل.
            الحوّل: البصير بتحويل الأمور.
            القلّب: الخبير بتقلّبها.
            ينتهز: يبادر.
            الحريجة: التحرّز.


            57
            نقض العهد من الكبائر

            إِنّ قضية الوفاء بالعهد والميثاق تعتبر واحداً من أهم مستلزمات الحياة الاجتماعية، إِذ بدونها لا يتمّ أيّ نوع من التعاون والتكافل الاجتماعيّ، وإِذا فقد نوع البشر هذه الخصلة فقدوا بذلك حياتهم الاجتماعية وآثارها أيضاً.

            ولهذا تؤكّد مصادر التشريع الإِسلاميّ ـ بشكل لا مثيل له ـ على قضيّة الوفاء بالعهود التي قد تكون من القضايا النوادر التي تمتاز بهذا النوع من السعة والشمولية، لأنّ الوفاء لو انعدم بين أبناء المجتمع الواحد لظهرت الفوضى وعمّ الاضطراب فيه وزالت الثقة العامّة. وزوال الثقة يعتبر من أكبر وأخطر الكوارث.

            ونقض العهد من الكبائر، وقد استَشْهَدَ الإمام الصادق عليه السلام لاعتبار هذا الذنب من الكبائر بقوله تعالى:
            ï´؟وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِï´¾1. وفي أكثر من موضع في القرآن الكريم، اعتبر الوفاء بالعهد واجباً، يقول تعالى: ï´؟وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاًï´¾2.

            59

            ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِï´¾3.

            ï´؟وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْï´¾4.

            والروايات في قبح نقض العهد كثيرة منها:
            عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "لا دين لمن لا عهد له"5.
            وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "الخُلف يوجب المقت عند الله وعند الناس، قال تعالى:
            ï´؟كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَï´¾6 "7.

            وعن الإمام الباقر عليه السلام: "أربعة أسرع شي‏ء عقوبة: رجل أحسنت إليه ويكافئك بالإحسان إليه إساءة. ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك، ورجل عاهدته على أمر فمن أمرِك الوفاء به ومن أمرِه الغدر بك. ورجل يصل قرابته ويقطعونه"8.
            إنّ قبح نقض العهد من الشناعة بحيث لا أحد على استعداد لأن يتحمّل مسؤوليته بصراحة إلاّ النادر من الناس حتّى أنّ ناقض العهد يلتمس لذلك اعذاراً وتبريرات مهما كانت واهية لتبرير فعلته.

            نقض العهد على نحوين

            1ـ نقص العهد مع الله تعالى:

            ï´؟
            وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ* أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَï´¾9.

            60

            إنَّ الله تعالى خلق أرواح البشر في عالمٍ قبل الحياة الدنيا بنحو لديهم إدراك وشعور ولياقة للمخاطبة والمكالمة، وأخذ منهم إقراراً بربوبيّته، وعهداً بأن يثبتوا على ذلك ولا يشركوا به ولا ينحرفوا عن رسالات الأنبياء، ولا يتّبعوا الشيطان، وعاهدهم الله تعالى في مقابل ذلك على أن يعينهم ويرحمهم ويسكنهم جنّته، وإذا لم يفوا بما عاهدوا الله عليه في ذلك العالم لم يعطهم ما عاهدهم عليه.

            ونقض العهد الإلهيّ من الذنوب الكبيرة.

            ومن أنواع العهد مع الله تعالى أن يقول مثلاً: عاهدت الله، أو عليّ عهد الله أن أفعل كذا أو أترك كذا، إذا رُزقت العافية أو رجعت من السفر سالماً أن أدفع مبلغاً ما للفقير.
            فالعهد مع الله إذا تحقّقت شروطه الموجودة في كتب الفقه يجب الالتزام به. وقد ذمّ الله تعالى من ينقض العهد مع الله بقوله:
            ï´؟وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ*فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَï´¾10.

            وقد وصف الله تعالى من ينقض العهد معه بقوله:
            ï´؟وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًاï´¾11.

            الآية تشير إِلى (رايطة) تلك المرأة التي عاشت في قريش زمن الجاهلية، وكانت هي وعاملاتها يعملن من الصباح حتّى منتصف النهار في غزل ما عندهنّ من الصوف والشعر، وبعد أن ينتهين من عملهنّ تأمرهنّ بنقض ما غزلن، ولهذا عُرفت بين قومها بـ (الحمقاء)12.


            61

            فما كانت تقوم به (رايطة) لا يمثّل عملاً بلا ثمر ـ فحسب ـ بل هو الحماقة بعينها، وكذا الحال بالنسبة لمن يبرم عهداً مع الله وباسمه، ثمّ يعمل على نقضه، فهو ليس بعابث فقط، وإِنّما هو دليل على انحطاطه وسقوط شخصيته.

            2 ـ معاهدة الناس
            فيجب الوفاء بالعهود معهم ويحرم نقضها كما في قوله تعالى:
            ï´؟وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاًï´¾13.
            ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِï´¾14،ï´؟وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَï´¾15. وعن الرسول صلى الله عليه واله وسلم : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفِ إذا وعد"16.
            فهو يشمل العهود والمواثيق الخاصّة بين الأفراد في القضايا الاقتصادية والمعاشية، وفي العمل والزواج، وهو يشمل أيضاً المواثيق والمعاهدات بين الحكومات والشعوب.


            خلف الوعد من صفات اليهود والمنافقين

            وقد ذمّ الله تعالى اليهود لاتّصافهم بصفة نقض العهود مع الله ومع الناس، يقول تعالى:
            ï´؟إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَï´¾17.

            نزلت هذه الآية في يهود بني قريظة الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن لا يعينوا أعداء الإسلام، ثمّ نقضوا عهدهم


            62

            في معركة بدر حيث زوّدوا المشركين بالسلاح، ثمّ قالوا لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم : نسينا عهدنا، وعاهدوه مرّة ثانية ثم نقضوا عهدهم في معركة الخندق، حيث اتّحدوا مع أبي سفيان في حربه ضدّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

            وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في صفات المنافق: "ثلاث من كنَّ فيه كان منافقاً وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف"18.


            احترام المعاهدة

            إنّ الوفاء بالعهد لا يختصّ بالمسلمين فيما بينهم فقط بل ينبغي لهم أن يفوا بما عاهدوا عليه غير المسلمين.
            عن الإمام الصادق عليه السلام: "ثلاثة لم يجعل لأحد فيها رخصة: برّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر"19.
            وبعد اقتدار المسلمين وقوّة شوكتهم أمر الله تعالى في سورة براءة بجهاد المشركين وتطهير مكّة المعظّمة من الشرك وعبادة الأصنام لكنّه استثنى أولئك المشركين الذين كان بينهم وبين المسلمين معاهدة.

            قال سبحانه:
            ï´؟إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَï´¾20.

            والشواهد كثيرة من تاريخ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على مزيد اهتمامه صلى الله عليه واله وسلم بالوفاء بالعهد.
            من جملة تلك الشواهد ما حدث في صلح الحديبية بينه صلى الله عليه واله وسلم وبين مشركي مكّة، والّذي يقضي أنَّ من حقِّ قريش أن تقبل من يلجأ إليها من المسلمين ولا يحقّ للمسلمين أن يقبلوا من يلجأ إليهم من قريش.

            يروي أبو رافع: أرسلتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلّما رأيته أشرق في قلبي نور الإسلام فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لا أعود إلى قريش.


            63

            يروي أبو رافع: أرسلتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلّما رأيته أشرق في قلبي نور الإسلام فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لا أعود إلى قريش.

            فقال صلى الله عليه واله وسلم : "إنّي لا أخالف عهداً عاهدته، ارجع إليهم".
            ولكنّ المؤسف أنّه بعد رسول الله جاء من يتسمّى باسم المسلمين ولكنّه لا يحفظ عهداً، أمثال معاوية وعمرو بن العاص حيث كانا ينتهزان الفرصة من أوّل الحرب في صفّين في إجراء الحيلة برفع المصاحف فلمّا ظهرت لهما آثار الفتح والغلبة من الإمام عليّ عليه السلام و أصحابه تمسّكا بالقرآن حيلة منهما، ثمّ بعد هذه القضيّة وقبلها لم يعملا به أصلاً كما هو شأن الخائن. وأنت إذا تأمّلت المقام وتصفّحت الكتب تعلم أنّ الغدر في الأمور من صدر الخلقة ووجود البشر في هذه الدّنيا كان بمعزل عن الأنبياء والأوصياء والصّلحاء بل كان أنيساً رفيقاً للفجّار والفسّاق. وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام: "وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين".

            وقضيّة صلح معاوية مع الإمام الحسن ونقض معاوية لبنود الصلح معروفة تاريخياً.


            فلسفة احترام العهد

            كما هو معلوم فإِنّ الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع تمثّل أهمّ دعائم رسوخ المجتمع، بل من دعائم تشكيل المجتمع وإِخراجه من حالة الآحاد المتفرّقة وإِعطائه صفة التجمّع، بالإِضافة لكون أصل الثقة المتبادلة يعتبر السند القويم للقيام بالفعاليات الاجتماعية والتعاون على مستوى واسع.

            والعهد والقسم من مؤكّدات حفظ هذا الارتباط وهذه الثقة، وإِذا تصوّرنا مجتمعاً كان نقض العهد فيه هو السائد، فمعنى ذلك انعدام الثقة بشكل عامّ في ذلك المجتمع، وعندها سوف يتحوّل المجتمع إلى آحاد متناثرة تفتقد الارتباط والقدرة والفاعلية الاجتماعية.

            ولهذا نجد أنّ الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة تؤكّد باهتمام بالغ على مسألة


            64

            الوفاء بالعهد والأيمان، وتعتبر نقضها من كبائر الذنوب.
            وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إِلى أهمية هذا الموضوع في الإِسلام والجاهلية واعتبره من أهمّ المواضيع في قوله عند عهده لمالك الأشتر "فإِنّه ليس من فرائض الله شيء الناس أشدّ عليه اجتماعاً من تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر"21.
            وجملة "لما استوبلوا من عواقب الغدر" معناها: لما نالهم من وبال من عواقب الغدر.

            ونجد في أحكام الحرب الإِسلامية أنّ إِعطاء الأمان من قبل فرد واحد من جيش المسلمين لشخص أو كتيبة من كتائب العدوّ يوجب مراعاة ذلك على كلّ المسلمين!
            نُقل عن الإِمام عليّ عليه السلام أنّ العهد حتّى لو كان بالإِشارة يجب الوفاء به، وذلك في قوله عليه السلام: "إذا أومى أحد من المسلمين أو أشار إِلى أحد من المشركين، فنزل على ذلك فهو في أمان"22.

            من الآثار السلبية لنقض العهود والأيمان شياع سوء ظنّ الناس وتنفّرهم من الدين الحقّ، وتشتّت الصفوف وفقدان الثقة حتّى لا يرغب الناس في الإِسلام، وإِنْ عقدوا معهم عهداً فسوف لا يجدون أنفسهم ملزمين بالوفاء به. وهذا ما يؤدّي لمساوئ ومفاسد كثيرة وبروز حالة التخلّف في الحياة الدنيا.

            يقول المؤرّخون والمفسّرون: من جملة الأُمور التي جعلت الكثير من الناس في صدر الإِسلام يعتنقون هذا الدين الإِلهيّ العظيم هو التزام المسلمين الراسخ بالعهود والمواثيق ورعايتهم لأيمانهم.


            65

            ونظراً لما لهذا الأمر من أهميّة قال سلمان الفارسيّ: "تهلك هذه الأُمّة بنقض مواثيقها"23.
            أيْ أنّ الوفاء بالعهد والميثاق كما أنّه يوجب القدرة والنعمة والتقدّم، فنقضهما يؤدّي إِلى الضعف والعجز والهلاك.
            والكلام الذي يجري على الوفاء يجري على الصدق فإنّهما توأمان كما قال الإمام عليه السلام.
            فالصدق من علامات صدق الإيمان ورأسه، عن الإمام عليّ عليه السلام: "الصدق أقوى دعائم الإيمان"24.

            وعنه عليه السلام: "الصدق رأس الدين"25. وعنه عليه السلام: "الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرُّك، على الكذب حيث ينفعك"26.
            وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربّما لهج بالصلاة والصوم حتّى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة"27.

            هذا وطريق الصدق هو طريق الأنبياء والأولياء الربّانيين، حيث كانوا يتجنّبون كلَّ كذب وغشِّ وخداع وحيلة في أفكارهم وأقوالهم وأعمالهم، وهذا بخلاف شياطين الإنس من الزعماء والرؤساء والملوك الذين ديدنهم الكذب والخداع والغشّ، وهذا من أسباب فشل المسلمين، ذلك أنَّهم اتّبعوا شياطين الإنس الكاذبين وتركوا الأشخاص الصادقين، في حين أنَّ الله تعالى أمرنا أن نكون مع الصادقين
            ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينï´¾28.

            66

            للمطالعة
            أنين عقيل من حرارة الحديد

            كان لفاطمة بنت أسد، أُم عليّ عليه السلام، أربعة أولاد، وهم على الترتيب: طالب، عقيل، جعفر، وعليّ عليه السلام، وكان عقيل ثاني أبناء أبي طالب واعياً وشجاعاً وسريع الجواب، وكان حاضراً في معركة صفّين مع أميرالمؤمنين عليه السلام. وكما وقف عقيل مع أخيه الإمام عليّ عليه السلام ضدّ أعدائه، وقف ابنه مسلم بن عقيل مع ابن عمّه الإمام الحسين عليه السلام في واقعة كربلاء.

            يقول الإمام عليّ عليه السلام في خطبة له:"وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أمْلَقَ حَتَّى اسْتماحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الاَْلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمَعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ، مُفَارِقاً طَرِيقِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَف مِنْ أَلَمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَار سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أَتَئِنُّ مِنَ الأَذَى وَلاَ أَئِنُّ مِنْ لَظىً؟!"29.

            سأل معاوية عقيلاً يوماً عن قصّة الحديدة المحماة، فبكى وقال: نعم، أقويت وأصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تندّ صفاته، فجمعت صبياني وجئته بهم، والبؤس والضرّ ظاهران عليهم. فقال: ائتني عشيّة لأدفع إليك شيئاً، فجئته يقودني أحد ولْدي فأمره بالتنحّي، ثمّ قال: ألا فدونك! فأهويت حريضاً قد غلبني الجشع أظنّها صرّة، فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً! فلما قبضتها نبذتها وخرْت كما يخور الثور تحت يد جازره، فقال لي: ثكلتك أُمّك! هذا من حديدة أوقدت له30 نار الدنيا، فكيف بي وبك غداً إن سلكنا في سلاسل جهنم؟ ثمّ قرأ:
            ï´؟إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونï´¾31 ثمّ قال: ليس لك عندي فوق حقّك الّذي فرضه الله لك إلاّ ما ترى، فانصرف إلى أهلك.
            فجعل معاوية يتعجّب ويقول: هيهات! هيهات! عقمت النساء أن يلدن مثله32.

            تعليق


            • #7
              الدرس السابع:لا تسألوا فوق الكفاف
              عن أمير المؤمنين عليه السلام:"الْحَمْدُ لِلهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلَا مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ وَلَا مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ وَلَا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ وَلَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ.وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاءُ وَلِأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلَاءُ وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضْرَاءُ وَقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ وَلَا تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ الْكَفَافِ وَلَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلَاغِ".

              نهج البلاغة، الخطبة 45.


              69
              معنى القناعة

              الرضا بالكفاف يعني القناعة "والقناعة... الرضا بالقسم... وفي الحديث: "القناعة كنز لا يفنى"؛ لأنّ الإنفاق منها لا ينقطع، كلّما تعذر عليه شي‏ء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي. وفي الحديث: "عزّ من قنع وذلّ من طمع، لأنّ القانع لا يذلّه الطلب فلا يزال عزيزاً... وفي المثل: خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع..."1.

              فالقناعة لغة هي الرضا بالقسم، وهو يلتقي مع معناها في المرتكزات الشرعية حيث تعني القناعة: أن يقنع الإنسان بما قسم الله له من الأمور الدنيوية، بمعنى أنّ الإنسان إذا كانت طاقته لا تتحمَّل أن يتقدّم مادياً، وظروفه لا تساعده، فعليه أن يقنع بما هو عليه من المستوى الماليّ، إلى أن يفتح الله عليه باباً من أبوابه الحلال. وهذا لا يعني أن لا يسعى الإنسان إلى تحسين حاله المادّيّ إن استطاع عن طريق الكسب الحلال.

              ولا تعمُّ القناعة الأمور المعنوية، فالإسلام دعا المسلمين إلى التزوّد والتنافس


              71

              في الأمور المعنوية، كالعلم والإيمان والتقوى والخصال الأخلاقية الحميدة.
              قال تعالى:
              ï´؟وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونï´¾2.

              وقال سبحانه:
              ï´؟وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىï´¾3.

              وعن الإمام عليّ عليه السلام: "إن كنتم لا محالة متنافسين، فتنافسوا في الخصال الرغيبة"4.

              المجتمع الغربيّ والحرص‏

              وإذا أردنا أن نعرف أهميّة صفة القناعة، فما علينا إلّا أن ننظر إلى المجتمعات المادية، كالمجتمعات الغربية (أوروبا وأمريكا)، فإنّ هذه المجتمعات لا قناعة فيها، وقيمها قيم مادية، يتنافس الناس في هذه البلاد على جمع الأموال وتحصيل المناصب، ويتكالبون على الدنيا نهماً وشراسة، لذلك وقع هذا المجتمع في أمراض روحية ونفسية وسلوكية خطيرة.

              وإليكم تقرير يشهد لما نقول: ففي إحصاء صدر في الولايات المتحدة الأميركية "أنّ أكثر من 6% من السكّان يعانون نوعاً من سوء التوافق (أي تعب نفسيّ)، وأنّ واحداً من كلّ عشرة من السكّان يحتاج إلى معونة الطبيب النفسيّ إن عاجلاً أو آجلاً، وأنّ واحداً من كلّ ثمانية عشر شخصاً ينفق بعض الوقت في مشفى عقليّ، وأنّ عدد من يدخلون في المشافي في كلّ عامّ يساوي عدد من يتخرّجون من الجامعات، وأنّ المصابين بأمراض عقلية أي جنون يشغلون من أسرّة المشافي أكثر مما يشغله جميع المرضى بكافّة الأمراض الأخرى، وأنّ نصف من يتردّدون على أطبّاء لعلل جسمية يعانون في الواقع من اضطرابات نفسية"5.


              72

              فمن هذا التقرير نشهد مدى ما يعانيه المجتمع الغربيّ من متاعب نفسية وأمراض نفسية، وما ذلك إلّا لأنّهم يحبّون المال حبّاً جمّاً ويحرصون على جمعه والاستزادة منه، تاركين
              التنافس على المعنويات.

              فالمجتمع الغربيّ لا يعيش الحياة الطيّبة التي تسبّبها القناعة. سُئل الإمام عليّ عليه السلام عن قوله تعالى:
              ï´؟فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةï´¾6، قال: "هي القناعة"7. فمن الأمور المهمّة في طمأنينة الروح، وسعادة الحياة، وطيب العيش، وراحة البال، القناعة الّتي هي كنز لا ينفد.


              آفات الحرص‏

              ولعدم القناعة على مستوى الفرد (والتي تنسحب على المجتمع) آفات كثيرة منها:

              1- الغمُّ في الدنيا: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القزّ كلّما ازدادت على نفسها لفّاً كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّاً"8.

              2 -الحسد: فإنّ من لا يقنع بما رزُق، فمن المحتمل أن يقع في آفّة الحسد. والوقاية من آفّة الحسد والطمع سكينة وعافية، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "صحّة الجسد من قلّة الحسد"9. أمّا الطمع فصاحبه طول حياته هائم وحائر، كيف يجمع ويدَّخر.

              3 -الوقوع في الشّرّ: فغير القانع ربَّما يسلك مسالك منحرفة لكي يحصل على الأموال، فربّما يسرق أو يغصب أو يقتل، يقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "خير المؤمنين


              73

              القانع، وشرّهم الطامع"10.

              4- فساد النفس: يقول الإمام عليّ عليه السلام: "أعون شي‏ء على صلاح النفس القناعة"11، فالحرص لا يساعد على صلاح النفس.

              5- ذلّة النفس: في الحديث: "ثمرة القناعة العزّ"12 فمن لا يقنع يذلّ نفسه.
              إلى كثير من الآفّات التي تشكّل خطورة كبيرة على حياة الإنسان الدنيوية ومصيره في الآخرة.


              علاج الحرص والطمع (عدم القناعة)

              1 - أن تعرف مضارّ عدم القناعة، وتأخذ العبرة من المجتمعات والأشخاص المبتلين بعدم القناعة.

              2 - أن لا تطلب فوق طاقتك، وفوق ظروفك، بمعنى أن ترضى بما قسم الله لك، وبما أعطاك من طاقة، وهيّأ لك من ظروف.

              3 - أن يكون اهتمامك في المعنويات، وتنافسك في معالي الأخلاق، لا في اكتساب الأموال.

              4 - أن تأخذ بنصيحة الإمام الصادق عليه السلام: "أنظر إلى من هو دونك في المقدرة ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة، فإنّ ذلك أقنع لك بما قسم لك"13.

              ونصيحة أخرى للإمام الصادق عليه السلام، فقد جاءه شخص يشكو إليه عدم القناعة فقال له: "إن كان


              74

              ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك فكلّ ما فيها لا يغنيك"14.

              5 - أن تعرف أنّ الله يوم القيامة لا ينظر إلى الأموال بل ينظر إلى الأعمال الخالصة
              ï´؟يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍï´¾15.

              عن النبيّ الأكرم: "اقنع بما أوتيته يخف عليك الحساب"16.


              خاتمة

              إذا أردتم راحة الدنيا قبل الآخرة، وسعادة الأولى قبل الآخرة، فما عليكم إلّا بالتمسُّك بصفة القناعة في المادّيات.
              وإن كنتم لا تقنعون، فلتكن عدم قناعتكم في المعنويات، فلتتنافسوا فيها، لتعمر نفوسكم وعقولكم بالغنى، فإنّ الغنى الحقيقيّ هو غنى المعنويات، لا غنى المادّيات.
              عن نوف البكاليّ قال: "بتّ ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام فكان يصلّي الليل كلّه، ويخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء ويتلو القرآن، قال: فمرّ بي بعد هدوء من الليل، فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين، قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك الذين اتّخذوا الأرض بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، والقرآن دثاراً، والدعاء شعاراً، وقرضوا من الدنيا تقريضاً، على منهاج عيسى ابن مريم عليه السلام..."17.

              وقال عليه السلام: "طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله"18.


              75

              للمطالعة
              طلب المزيد والكمال المطلق‏

              يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "لا يخفى على كلّ ذي وجدان أنّ الإنسان، بحسب فطرته... يعشق الكمال التامّ المطلق، ويتوجّه قلبه شطر الجميل على الإطلاق والكامل من جميع الوجوه، وهذا من فطرة الله التي فطر الناس عليها...

              غير أنّ كل امرى‏ء يرى الكمال في شي‏ء ما، حسب حاله ومقامه، فيتوجّه قلبه إليه، فأهل الآخرة يرون الكمال في مقامات الآخرة ودرجاتها، فقلوبهم متوجّهة إليها. وأهل الله يرون الكمال في جمال الحقّ، والجمال في كماله...

              وأهل الدنيا عندما رأوا أنّ الكمال في لذائذها، وتبيّن لأعينهم جمالها، اتّجهوا فطرياً نحوها. ولكن على الرغم من كلّ ذلك، فإنّه لمّا كان التوجّه الفطريّ والعشق الذاتيّ قد تعلّق بالكمال المطلق، كان ما عدا ذلك من التعلّقات عرضياً ومن باب الخطأ في التطبيق.

              إنّ الإنسان مهما كثُر ملكه... ومهما نال من الملكات النفسية أو الكنوز الدنيوية أو الجاه والسلطان، ازداد اشتياقه شدّة، ونار عشقه التهاباً.
              فصاحب الشهوة، كلّما ازدادت أمامه المشتهيات، ازداد تعلّق قلبه بمشتهيات أخرى ليست في متناول يده، واشتدّت نار شوقه إليها.
              كذلك النفس التي تطلب الرئاسة، فهي عندما تبسط لواء قدرتها على قطر من الأقطار، تتوجّه بنظرةٍ طامعة إلى قطر آخر، بل لو أنّها سيطرت على الكرة الأرضية برمّتها، لرغبت في التحليق نحو الكرات الأخرى للاستيلاء عليها.

              إلا أنّ هذه النفس المسكينة لا تدري بأنّ الفطرة إنّما تتطلّع إلى شي‏ء آخر... إنّه لمّا كان الإنسان متوجّهاً قلبياً إلى الكمال المطلق، فإنّه مهما جمع من زخرف الحياة فإنّ قلبه يزداد تعلّقاً بها. فإذا اعتقد أنّ الدنيا وزخارفها هي الكمال ازداد ولعه بها، واشتدّت حاجته إليها، وتجلّى أمام بصره فقره إليها، بعكس أهل الآخرة الذين أشاحوا بوجوههم عن الدّنيا، فكلّما ازداد توجّههم نحو الآخرة، قلّ التفاتهم واهتمامهم بهذه الدنيا، وتلاشت حاجتهم إليها، وظهر في قلوبهم الغنى، وزهدوا في الدنيا وزخارفها، كما أنّ أهل الله مستغنون عن كلا العالَمَيْن (الدنيا والآخرة)،... وكلّ حاجتهم نحو الغنيّ المطلق..."19.

              تعليق


              • #8
                الدرس الثامن: الأهل والعشيرة
                عن أمير المؤمنين عليه السلام:"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيْرَتِهِ وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَلْسِنَتِهِمْ وَ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ وَ أَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ وَ أَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ وَ لِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يَرِثُهُ غَيْرُهُ.... وَ مَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ وَ مَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ".

                نهج البلاغة، الخطبة23.

                الحيطة: بفتح الحاء- الرعاية، وبكسرها الصيانة: والمعنيان متقاربان.
                الشعث: بفتح العين- التفرّق. والنازلة: المصيبة.
                لسان الصدق: حسن الذكر بالحقّ..
                الحاشية: الجانب والجناح.


                79
                الإسلام دين التواصل

                إنّ من يراجع مصادر الإسلام، من خلال القرآن الحكيم والأحاديث الشريفة، يرَ بكلّ‏ِ وضوح وجلاء، حقيقة وهي: أنّ كثيراً من وصايا الإسلام وواجباته وأحكامه تدعو إلى إزالة الحجب والحواجز القائمة بين الناس جماعات وأفراداً.

                يقول تعالى:
                ï´؟وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْï´¾1.

                فالقاعدة الأولية في الإسلام هي التعارف والتعاون وتبادل الخبرات بين الأمم فلا ينبغي للمسلمين التقاطع والتحارب مع الشعوب الأخرى، بل السلام والوئام هما الحاكمان على علاقات المسلمين مع غيرهم.

                فالإسلام لا يخاف أيّ فكر آخر؛ لأنّه يملك الحجّة والدليل والبرهان على صدقيّته، وإنّما يخاف مَن لا منطق عنده ولا حجّة.

                وكما دعا الإسلام إلى الوئام مع غير المسلمين فبالضرورة دعا إلى ذلك بين المسلمين أنفسهم.

                قال تعالى:
                ï´؟وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْï´¾2.

                81

                وعن رسول الله: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعت سائر الأعضاء بالسهر والحمّى"3.

                فإذا ما تكاتف المجتمع داخلياً، وأمِن من داخله، فحينئذ من السهولة أن ينتصر على أعدائه، أمّا إذا كان المجتمع مقاطعاً بعضه بعضاً، فحينئذ على هذا المجتمع السلام، ولن يستطيع
                أن ينتصر على أعدائه.

                والتاريخ الإسلاميّ يؤكِّد لنا هذه الحقيقة، أنّ المسلمين تراجعوا حينما تقاطعوا، وإذا أرادوا الرجوع إلى ميدان قيادة الأمم فما عليهم إلّا أن يتواصلوا ويتكاتفوا.
                وهذا التواصل ينبغي أن يبدأ في العشيرة والأسرة والعائلة، أي بين الأرحام، ليكون البيت الداخلي آمناً، ومن ثمَّ ينجرّ الكلام إلى الوحدة والتواصل الاجتماعيّ الإسلاميّ بشكل عام والإنسانيّ بشكل أعمّ.

                وهذا الجانب من العلاقة الحسنة مع العشيرة هو ما يدعو إليه أمير المؤمنين.

                بين العصبية وصلة الرحم

                رغم أنّ الإسلام دعا إلى التواصل والمرحمة، لكنّه في الوقت نفسه نهى عن التعصُّب الأعمى للعائلة والأرحام.
                يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية، ومن آثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به وحمايتهم، بما في ذلك الارتباط الدينيّ أو المذهبيّ أو المسلكيّ، وكذلك الارتباط بالوطن وترابه...

                والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة، وتكون سبباً في إيجاد مفاسد في الأخلاق وفي العمل...
                إنّ المرء إذا تعصّب لأقربائه أو أحبّته ودافع عنهم، فما كان بقصد إظهار الحقّ ودحض الباطل، فهو تعصّب محمود ودفاع عن الحقّ والحقيقة...


                82

                أما إذا تحرّك بدافع قوميته وعصبيته بحيث أخذ بالدفاع عن قومه وأحبّته في باطلهم وسايرهم فيه ودافع عنهم، فهذا شخص تجلّت فيه السجيّة الخبيثة، سجيّة العصبية الجاهلية، وأصبح عضواً فاسداً في المجتمع... وصار في زمرة أعراب الجاهلية..."4.

                جاء في الكافي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "من تعصَّب أو تعصِّب له فقد خُلِع رِبقُ الإيمان من عنقه"5.
                وعنه عليه السلام قال: "من تعصّب عصّبه الله بعصابة من النار.."6.
                فصلة الرحم والأقرباء والتعاون معهم والتكافل مطلوبة إسلامياً، ولكن إذا كان التعاون معهم على الباطل والظلم فهذا غير مطلوب، يقول تعالى:
                ï´؟وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِï´¾7.

                وقد أمرنا الله تعالى في كتابه الكريم، أن لا نكون متعصِّبين لمن يمتُّ إلينا بصلة القربى، وأن يكون رائدنا هو الحقّ‏ُ والعدل، وأن نقول الحقّ ولو على أرحامنا، قال تعالى:
                ï´؟وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىï´¾8.

                أسباب القطيعة

                هناك أسباب عديدة تؤثّر سلباً على علاقات الناس وتواصلهم، وتنسحب هذه الأسباب على علاقات الأقارب والأرحام منها:


                1 - سيطرة روح المادّية على المجتمع والأفراد، مما يسبِّب تمحور كلّ إنسان حول ذاته، بالشكل الذي يؤدّي إلى عدم الاهتمام بالآخرين. وهذا ما نراه


                83

                في المجتمعات الغربية التي لا تقيس علاقاتها مع الآخرين إلّا بالقياس المادّي، ويختصرون علاقاتهم بقياس الجيب وما يحويه من المال.
                وهذه الروح المادّية رفضها الإسلام العزيز، داعياً إلى عدم الاستغراق في حبِّ الدنيا، وحبِّ المال، المؤدّيين إلى كثير من المساوئ، ومنها قطع الرحم.
                إنّنا نرى كثيراً من الأغنياء المنكبّين على جمع المال، لا يتواصلون مع أقاربهم، وما ذلك إلّا لأنّهم فقراء، لا يستفيدون منهم شيئاً، بمقياس الجيب والمصالح المادّية.
                وهذا ما نبّه عليه أمير المؤمنين عليه السلام: "أيّها الناس إنّه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ودفاعهم عنه... ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة وتقبض منهم عنه أيد كثيرة
                "9.

                2 - التكبُّر: يؤدّي بالإنسان الذي تغلّب عليه حبّ العظمة، إلى التكبُّر على الآخرين واحتقارهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من كبر"10. وإذا كان التكبُّر مذموماً في الإسلام، فإن التكبُّر على ذي الرحم أشدُّ قبحاً؛ فكم نرى غنياً، أو ذا جاه، لا يصل رحمه الفقير أو الذي لا جاه له، ولا يعرف له قرابته ويتكبَّر عليه، أمّا إذا رأى رحمه الغنيّ الوجيه احترمه، وهذا في الحقيقة ليس صلة للرحم، بل اعتناء بالمال والمصالح الضيّقة، لا بشخص الرحم، فهذا قد احترم المال ولم يحترم قريبه، ألا يعلم هذا المتكبِّر أنّ الله
                ï´؟لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍï´¾11.

                3 - سوء الظنّ: وهو مسبِّب للكثير من العداوات والأحقاد، وكم من أخوين تقاطعا لأنّهما أساءا الظنّ؟ وكم من عائلات وأسر تفكّكت بسبب هذه الخصلة المدمِّرة؟


                84

                ولذلك حذّرنا الله من هذه الرذيلة:ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌï´¾12.
                والأحاديث في هذا الصدد كثيرة منها ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال: أمير المؤمنين عليه السلام: "ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً"13.

                4 - الحسد: وهو أيضاً ماحق للدِّين، ومقطِّع أوصال الأحبّة والمؤمنين، ولقد حذّرتنا الشريعة الإسلامية من هذه الخصلة.
                ï´؟أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِï´¾14.
                ï´؟وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَï´¾15.
                وعن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال لأصحابه: "ألا إنّه قد دبّ إليكم داءُ الأمم من قبلكم وهو الحسد ليس بحالق الشعر لكنه حالق الدين"16. ألم يكن الحسد سبباً لقتل قابيل لأخيه هابيل؟ فعن الإمام الصادق عليه السلام: "والحسد أصله من عمى القلب... وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً..."17.
                ألم يحاول إخوة النبيّ يوسف عليه السلام قتله انطلاقاً من صفة الحسد، وقصّته معروفة؟

                5- الغيبة: وهي أيضاً مسبّبة لتفكّك العوائل، في حين أنّ الله تعالى ينهانا عنها لمصلحتنا.


                85

                ï´؟وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُï´¾18.

                6 - النميمة، والحقد، والغضب، وفحش الكلام، وعدم وجود الاحترام المتبادل، فضلاً عن الغزو الثقافيّ الغربيّ لنا، بحيث نكاد نصير كالغرب في أخلاقه وقيمه وتوجّهاته.
                هذه الأسباب لم نفصِّل فيها، حتّى لا يطول المقام، ويحسن مراجعة الكتب الأخلاقية، التي تتحدَّث عن هذه المواضيع بإسهاب، وتعطي العلاج لهذه الرذائل، فبعلاجها يعالج موضوع قطيعة الرحم، وكثير من العداوات والأحقاد في المجتمع ككلّ.

                خاتمة

                لقد تبيّن ممّا مر أنّه لا العصبية الجاهلية مقبولة ولا القطيعة للرحم مقبولة أيضاً، وإنّما المطلوب من الإنسان المؤمن أن يتقرّب من عشيرته وأهله وأقاربه وأرحامه، بشتّى أنواع التقرّب الذي يرضي به الله سبحانه وتعالى، لأنّه إن انقطع عنهم فقد خسروا هم رجلاً واحداً بينما هو قد خسر العشيرة كلّها، وأمّا إذا تواصل وتقرّب منهم بالحقّ فقد كسب رضا الله في الآخرة وعشيرته وأقاربه وأهله في الدنيا، حيث يجد عونهم ومؤازرتهم له في الشدائد والنوائب.
                أعاننا الله على التواصل الحسن مع الناس ومع أقاربنا.


                86

                للمطالعة
                الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأحد ولاته الخونة

                من كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبديّ19 وقد كان استعمله على بعض النواحي، فخان الأمانة في بعض ما ولّاه من أعماله:"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيَما رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَ تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً، وَلاَ تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَاداً، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بَخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ.
                وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً، لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْل أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَة، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى خِيَانَة.

                فَأقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هذَا إِنْ شَاءَ اللهُ"20.
                وفد الجارود على النبيّ صلى الله عليه واله وسلم في سنة تسع، وقيل: في سنة عشر، وذكر صاحب الاستيعاب: أ نّه كان نصرانياً فأسلم وحسن إسلامه.

                تعليق


                • #9
                  الدرس التاسع: معرفة الزمان وأهله
                  عن أمير المؤمنين عليه السلام: "حسب المرء... من عرفانه، علمه بزمانه".

                  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 75، ص 80.


                  89
                  أهمّيّة الزمن

                  يقسم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالزمان، كما في قوله تعالى:
                  ï´؟وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ *إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِï´¾1.ï´؟وَالضُّحَىï´¾2.
                  وفي قوله تعالى:
                  ï´؟وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَï´¾3.

                  وما تلك الأقسام بالزمان إلّا للإشارة إلى أهميَّة الزمان. والزمان مؤلّف من ماض وحاضر ومستقبل، ومن الضروريّ للإنسان أن يعرف الماضي أي التاريخ الذي مضى على الناس أفراداً وجماعات؛ ليعتبر ويتّعظ، فيأخذ بحسنات الماضي ويترك سيئاته وضلاله وهفواته. يقول الإمام عليّ عليه السلام في وصيّته للإمام الحسن عليه السلام: " أي بُنيّ إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتّى عدت كأحدهم. بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من


                  91

                  ضرره، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله وتوخّيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر..."4.

                  معرفة الحاضر والمستقبل

                  ومن المهمّ للإنسان أيضاً أن يعرف حاضره أي عصره وزمانه الذي يعيش فيه، فلكلّ عصر أهله وخصائصه وضروراته ومتطلّباته وأولويّاته، وهي تنطلق من المتغيرات الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية الطارئة على مفاصل الحياة. فالمؤمن الواعي هو الذي يفهم أهل عصره وضروراته ومتطلّباته، ويدرك المشاكل والأولويّات..
                  أمّا أولئك الذين لا يدركون هذه المسائل، أو لا يتفاعلون معها بسبب عدم انتمائهم إلى عصرهم، فهم الهامشيون المنعزلون الذين يحسبون أنّهم يعيشون في صحراء منعزلة فلا يقدرون على التأثير ولا على المعالجة، بل يقفون دوماً متأسّفين ومتحسّرين وشاكين ومشتبهين ومستسلمين.

                  وهذا ما أشار إليه أمير كلّ زمان الإمام عليّ عليه السلام: "حسب المرء... من عرفانه، علمه بزمانه" وعنه عليه السلام: "أعرف الناس بالزمان، من لم يتعجّب من أحداثه"
                  5، وعنه عليه السلام: "مَن أمنَ الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه"6. و في وصية أمير المؤمنين للحسن صلوات الله عليهما "يا بُنيّ إنّه لا بدّ للعاقل من أن ينظر في شأنه، فليحفظ لسانه، وليعرف أهل زمانه"7.

                  وعن الإمام الصادق عليه السلام: "العالم بزمانه، لا تهجم عليه اللوابس"8. واللوابس تعني الشبهات.


                  92

                  ومعرفة العصر الحاضر تفيد في قراءة المستقبل وفي صناعته، فإنّنا بصناعتنا للحاضر نصنع مستقبل أولادنا وأحفادنا.
                  من أسباب ضياع فلسطين أنّ أهل ذلك العصر لم يقرأوا حاضرهم بشكل صحيح، لذلك لم يصنعوا مستقبل أولادهم وأحفادهم بشكل صحيح.
                  فعلينا أن لا نضع الحقّ على الزمان في فشلنا وتراجعنا وانهزامنا فـ
                  ï´؟إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمï´¾9.

                  عن الريّان بن الصلت: أنشدني الرضا عليه السلام لعبد المطّلب:

                  يعيب الناس كلّهم زمانا
                  وما لزماننا عيب سوانا
                  نعيب زماننا والعيب فينا
                  ولو نطق الزمان بنا هجانا
                  وإنّ الذئب يترك لحم ذئب
                  ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
                  لبسنا للخداع مسوك طيب
                  وويل للغريب إذا أتانا
                  10

                  علم الأنبياء والأئمّة بزمانهم

                  كان الأنبياء جميعهم يدركون متطلّبات عصورهم، فيقودون مجتمعاتهم على أساسه. وإن نسخ الأديان الماضية من قبل الأنبياء من أولي العزم أفضل دليل على إثبات دور الزمان في القيادة، حسب رؤية الأديان السماوية كلها.

                  إنّ معرفة العصر في الحقيقة أحد العناصر الأصلية للوعي السياسيّ والاجتماعيّ. وكلّما ازدادت معرفة القائد بشعبه وأدرك مطالبه وحاجاته المادية والمعنوية بنحو أدقّ وأحاط بنقاط قوّته وضعفه كان أنجح.

                  ولا جرم أنّ الأنبياء عليهم السلام جميعاً كانوا يتّسمون بهذه الصفة.

                  ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما كلّم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم العباد بكنه عقله قطّ. قال


                  93

                  رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم"11.

                  وتدلّ دراسة سيرة النبيّ صلى الله عليه واله وسلم - من منظار معرفته بزمانه وإدراكه لمتطلّبات عصره - على أنّه نموذج بارز للقائد العارف بزمانه، يتلوه أمير المؤمنين عليّ عليه السلام والأئمّة من بعده.

                  وفي عصرنا الحاضر الوليّ الفقيه هو من يتولّى قيادة الأمّة فهو العارف بزمانه فلذلك لا تهجم عليه اللوابس، فينبغي لنا إطاعته ففي طاعته هدي من الضلال وأمان من الفتنة ومن كيد الأعداء.

                  .... يقول الإمام الخمينيّ رضوان الله تعالى عليه في دور معرفة الزمان في هداية الناس وقيادتهم، وفي ضرورة الاطّلاع على متطلّبات العصر بوصفه شرطاً للاجتهاد:" الزمان والمكان عنصران حاسمان في الاجتهاد. والمسألة التي كان لها حكم في الماضي ربّما يكون لها حكم جديد في العلاقات التي تحكم الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية لنظام من الأنظمة. أي: إن المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجعل الموضوع الأوّل الذي لم يختلف عمّا كان عليه في الماضي من حيث الظاهر موضوعاً جديداً يتطلّب حكماً جديداً لا محالة.

                  وينبغي للمجتهد أن يلمّ بقضايا عصره. ولا يستسيغ الناس والشباب بل حتّى العوامّ أن يقول المرجع والمجتهد: لا رأي لي في القضايا السياسية، فالاطّلاع على كيفية التعامل مع الاقتصاد العالميّ، ومعرفة ضروب السياسة والسياسيين ومعادلاتهم المفروضة، وإدراك الموقع الذي يحتلّه النظام الرأسماليّ والشيوعيّ في العالم، والتعرّف على نقاط قوّتهما وضعفهما إذ هما اللذان يحدّدان استراتيجية التسلّط على العالم، كلّ ذلك من صفات المجتهد الجامع
                  "12.


                  94

                  من أسباب نجاح غير المؤمنين

                  إنّ هناك أسباباً لتقدّم ونجاح وانتصار بعض الكفّار والفاسقين في الحياة الدنيا، وتأخّر بعض المؤمنين، ومن هذه الأسباب أنّ الطائفة الأولى رغم خلوّهم من عنصر الإيمان يتحلّون - أحياناً - ببعض نقاط القوّة الّتي يحقّقون في ظلّها ما يحقّقون من المكاسب، ويحرزون ما يحرزون من النجاحات، فيما تعاني الطائفة الثانية من نقاط ضعف توجب تأخّرهم وانحطاطهم. فنحن نعرف أشخاصاً - رغم انقطاعهم عن الله - يتّسمون بالجديّة الكبيرة في أعمالهم، ويتحلّون بالاستقامة والعزم، والتنسيق والتعاون فيما بينهم، والمعرفة بقضايا العصر ومتطلّباته، ومقتضياته ومستجدّاته، ومن الطبيعيّ أن يحقّق هؤلاء مكاسب كبيرة ويحرزوا انتصارات ونجاحات في حياتهم المادية، وما هم في هذا الأمر - في الحقيقة - إلّا مطبقين لتعاليم الدين وبرامجه من دون إسنادها إلى الدين وإعطائها صفته وصبغته.

                  وفي المقابل، هناك أشخاص متديّنون أوفياء للعقائد الدينية، لكنّهم بسبب غفلتهم عن تعاليم الدين الحيوية يعانون من الجبن والإحجام، ويفتقرون إلى الشهامة والاستقامة ويفقدون عنصر الثبات والاستمرار والاتّحاد والتعاون، وقراءة العصر والواقع، وطبيعيّ أن يصاب هذا الصنف من الناس بإخفاقات متلاحقة وهزائم متتابعة. ولكنّ هذه الهزائم والإخفاقات ليست أبداً بسبب إيمانهم بالله، بل هي بسبب ما بهم من نقاط الضعف، وما بأنفسهم من عوامل الهزيمة، وموجبات السقوط والإخفاق.

                  إنّهم يتصوّرون (وبالأحرى يظنّون) بأنّهم سيتنصرون بمجرّد إيمانهم بالله وانتسابهم إلى الدين في جميع المجالات، وينجحون في جميع المواقف، في حين جاء الدين بسلسلة من البرامج والمناهج العملية الحيوية للتقدّم والنجاح في الحياة، يستلزم تجاهلها الفشل والسقوط والهزيمة. إنّ لكلّ شيء سبباً، ولكلّ نجاح مفتاحه الخاص، ووسيلته الخاصة، وقد أتى الدين بكلّ ذلك، وبيّنه في تعاليمه وتوصياته،


                  95

                  فلا يمكن أن يتحقّق نجاح بغير هذه التعاليم وبغير هذه الوسائل، ومن هذه التعاليم المهمّة المعرفة بالزمان.
                  فالنجاح في الحياة والانتصار يقتضيان الوعي ولا يكفي الإيمان الساذج البسيط.


                  96

                  للمطالعة
                  أنين الإمام عليّ عليه السلام في محراب العبادة

                  دخل ضرار بن ضمرة الكتّانيّ على معاوية فقال له: صف لي عليّاً.

                  فقال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك!
                  قال له: وإذ لابدّ منه فإنّه والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته! كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب! كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّالا نكلّمه هيبة له، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، كان يعظّم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ـ وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه ـ يتمثّل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول:يا ربّنا يا ربّنا ـ يتضرّع إليه ـ ويقول للدنيا: أبي تعرّضت؟ أَإِليَّ تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري قد طلّقتك ثلاثاً فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك يسير، آه آه من قلّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

                  فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها وجعل ينشّفها بكمّه، وقد اختنق القوم بالبكاء13.

                  تعليق


                  • #10
                    الدرس العاشر: ذكر الموت
                    عن أمير المؤمنين عليه السلام:"وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ إِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ وَ طَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ وَ أُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ".

                    نهج البلاغة، الخطبة 88.


                    99
                    كيف نذكر ما نخاف؟

                    يوصي الإمام عليّ عليه السلام في هذه الخطبة من نهج البلاغة بذكر الموت والحال أنّ أكثر الناس يخاف الموت، فكيف نوصيهم بذكره؟ فإنّ الإنسان يبتعد عن ذكر ما يخيفه، وينساه أو يتناساه لكي لا يتألّم ولا يقلق ولا يزعج باله ويشغل خاطره.

                    أسباب الخوف من الموت

                    في الحقيقة إنّ للخوف من الموت أسباباً:


                    1-الخوف من الفناء والعدم
                    إنّ كراهة معظم الناس للموت وخوفهم منه لأجل أنّ الإنسان حسب فطرته التي فطرها الله سبحانه، وجبلّته الأصيلة، يحبّ البقاء والحياة، ويتنفّر من الفناء والممات، وحيث إنّ في فطرة الإنسان هذا الحبّ وذاك التنفّر، فإنّه يحبّ ويعشق ما يرى فيه البقاء، ويحبّ ويعشق العالم الذي يرى فيه الحياة الخالدة، ويهرب من العالم الذي يقابله. وحيث إنّ كثيراً من الناس لا يؤمن إيماناً يقينياً بعالم الآخرة، ولا تطمئنّ قلوبهم نحو الحياة الأزلية، والبقاء السرمديّ لذلك العالم، فإنّهم يحبّون هذه الدنيا، ويهربون من الموت حسب تلك الفطرة والجبلّة.


                    101

                    إنّ أكثر الناس تنشدّ قلوبهم إلى تعمير الدنيا، وتغفل عن تعمير الآخرة، ولهذا لا يرغبون في الانتقال من مكان فيه العمران والازدهار إلى مكان فيه الدمار والخراب. وهذا ناتج من نقص في الإيمان والاطمئنان. وأمّا إذا كان الإيمان كاملاً، فلا يسمح الإنسان لنفسه أن يشتغل بأموره الدنيوية المنحطّة ويغفل عن بناء الآخرة.

                    2ـ الجهل بالموت
                    عن الإمام الجواد عليه السلام - لمّا سئل عن علّة كراهة الموت -: "لأنّهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عزّ وجلّ لأحبّوه، ولعلموا أنّ الآخرة خير لهم من الدنيا، ثم قال عليه السلام: يا أبا عبد الله1 ما بال الصبيّ والمجنون يمتنع من الدواء المنقّي لبدنه والنافي للألم عنه؟ قال: لجهلهم بنفع الدواء، قال عليه السلام: والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً إنّ من استعدّ للموت حقّ الاستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما إنّهم لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم لاستدعوه وأحبّوه أشدّ ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفّات واجتلاب السلامة"2.

                    وعن الإمام العسكري عليه السلام: "دخل عليّ بن محمّد على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت، فقال له: يا عبد الله تخاف من الموت لأنّك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتّسخت وتقذّرت وتأذّيت من كثرة القذر والوسخ عليك وأصابك قروح وجرب وعلمت أنّ الغسل في حمّام يزيل ذلك كلّه أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك أو تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا ابن رسول الله، قال: فذاك الموت هو ذلك الحمّام، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاوزته فقد نجوت من كل غمّ وهمّ وأذى، ووصلت إلى كلّ


                    102

                    سرور وفرح، فسكن الرجل واستسلم ونشط وغمض عين نفسه ومضى لسبيله"3.

                    3ـ الخوف من العقاب
                    ومثل هذا الخوف يلاحق المذنبين المؤمنين بالآخرة، فيخافون أن يحين حينهم وهم مثقلون بالآثام والأوزار، فينالوا جزاءهم، ولذلك يودّون أن تتأخّر ساعة انتقالهم إلى العالم الآخر.

                    ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "لا تكن ممّن... يكره الموت لكثرة ذنوبه، و يقيم على ما يكره الموت له... يخشى الموت، و لا يبادر الفوت"4.
                    وعن الإمام أبي عبدِالله عليه السلام قال: "جاء رَجُلٌ إلى أبي ذَرٍّ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ ما لَنا نَكرَهُ المَوْتَ؟ فَقالَ: لأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيا وأَخْرَبْتُم الآخِرَةَ، فَتَكْرهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِن عِمْرانٍ إلى خَرابٍ، فَقَالَ لَهُ: فَكَيْفَ تَرى قُدُومَنا عَلَى الله؟ فَقالَ: أمَّا المُحْسِنُ مِنْكُمْ فَكَالغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أهْلِهِ، وَأَمَّا المُسِيءُ مِنْكُمْ فَكَالآبِقِ يُرَدُّ عَلَى مَوْلاَهُ...."5.

                    هذه الأسباب للخوف من الموت ـ خوف العدم والجهل بالموت وخوف العقاب - عالجها الإسلام حيث أحيا في القلوب الإيمان باليوم الآخر، وبذلك أبعد شبح الفناء والانعدام من الأذهان، وبيّن أنّ الموت انتقال إلى حياة أبدية خالدة منعّمة.

                    ومن جهة أخرى دعا الإسلام إلى العمل الصالح والابتعاد عن عصيان الله تعالى، كي يبتعد الإنسان عن الخوف من العقاب.

                    التهيّوء لساعة الموت

                    وكوننا نحن مؤمنين بالحياة بعد الموت وأنّه ليس فناءاً وأنّه قنطرة نعبرها إمّا الى جنّة وإمّا إلى نار- كما عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "الموت الموت ! ألا ولا بدّ من الموت،


                    103

                    جاء الموت بما فيه، جاء بالروح والراحة والكرّة المباركة إلى جنّة عالية لأهل دار الخلود، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه بالشقوة والندامة وبالكرّة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم"6، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "وما بين أحدكم و بين الجنة أو النار إلّا الموت أن ينزل به، و إنّ غاية تنقصها اللحظة، و تهدمها السّاعة، لجديرة بقصر المدّة، و إنّ غائباً يحدوه الجديدان: اللّيل و النّهار، لحريّ بسرعة الأوبة، و إنّ قادماً يقدم بالفوز أو الشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غداً"7 - إذا كان الموت هكذا بهذه الخطورة والمصيرية ينبغي لنا أن نتهيّأ لتلك الساعة التي لا مفرّ منها لأيّ أحد.

                    وعن الإمام عليّ عليه السلام: "وبادروا الموت وغمراته، وامهدوا له قبل حلوله، وأعدّوا له قبل نزوله"8.
                    فالإنسان الحكيم لا يغمض عينيه عن الأمور الخطيرة والمصيرية ولا يفعل كالنعامة التي تضع رأسها في التراب متوهّمة أنّ الذئب الآتي إليها لن يفترسها!
                    الإنسان الحكيم يتهيّأ للأمور الخطيرة والمصيرية ولا ينساها ولا يتناساها لأنها لا تنساه.
                    فالموت لا ينسانا وإن نسيناه أو تناسيناه "وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم؟".

                    التفكّر بالموت:إنّ الله تعالى كما أنّه خلق الحياة كذلك خلق الموت:
                    ï´؟الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ

                    104

                    لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُï´¾9.
                    فالإنسان المؤمن عليه أن يفكّر في الحياة الدنيا وفي الموت الذي هو قنطرة للحياة الأبدية الباقية: ï´؟كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ..ï´¾10.

                    ولكنّ المؤسف أنّ الإنسان يفكّر في دنياه الزائلة ولا يفكّر في الموت الذي هو باب إلى الآخرة الى الحياة السرمدية، بل إنّ التفكير بالموت له تأثير على حياته الدنيوية فضلاً عن آخرته.

                    فإنّ وجهة نظر الإنسان نحو الموت وما بعده مهمّة جداً في حياته، فكلّما كانت نظرته واقعية وموضوعية وصحيحة، كلّما كانت حياته سعيدة ونشطة ومتحرّكة ومتفائلة، والعكس صحيح أيضاً.

                    فتركيبة الإنسان النفسية ومن ثمّ سلوكه وأخلاقه تتأثّر جداً من خلال نظرته إلى الموت وما بعده.
                    فليس التفكير في الموت وما بعده أو بالأحرى ليس الاعتقاد بوجهة نظر معيّنة تجاه الموت وما بعده فكرة عابرة تمرّ بالخيال وترحل، ولو حاول الإنسان أن يخرجها من خياله وشعوره، فإنّها ستنزل رغماً عنه إلى لا شعوره وعقله الباطنيّ وكيانه النفسيّ وتطبعه بطابع معيّن إمّا سلباً أو إيجاباً.

                    فعلى هذا ليس التفكير في الموت وما بعده موتاً بل حياة، أي له دخالة في حياة الإنسان وبنائه الروحيّ والنفسيّ والعقليّ.

                    وأنتم إذا دقَّقتم جيداً ستعرفون؛ أنّ الإنسان إذا كانت نظرته إلى الموت على أنّه فناء ستكون تركيبته النفسية معقّدة خائفة متشائمة مضطربة مستهترة متحلِّلة،


                    105

                    أمّا إذا كانت نظرته على النقيض من ذلك واعتقد بأنّ الموت ليس انحلالاً تامّاً ولا فناءً محضاً، إنّما حياة ثانية لها نكهتها الخاصّة، فستكون حياته النفسية وتركيبته الروحية متفائلة مطمئنة ملتزمة.

                    اكتشاف ما بعد الموت يحيي أمماً وأفراداً

                    يقول بعض الفلاسفة: "إنّ اكتشاف الموت هو الذي ينتقل بالشعوب والأفراد إلى مرحلة النضج العقليّ أو البلوغ الروحيّ"11.
                    صحيح قول هذا المفكّر وتؤيّده الوقائع التاريخية، وللتدليل على هذه الفكرة نعطيكم مثالاً واحداً.
                    كان أكثر الأمّة العربية قبل الإسلام منكراً للحياة بعد الموت، يقول تعالى:
                    ï´؟وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَï´¾12.
                    ï´؟أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدï´¾13.
                    ï´؟أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونï´¾14.

                    فكيف كانت حياتهم؟ كانت حياتهم حياة جهلٍ وتخلّف وتبعيّة، ولكن عندما جاء الإسلام، وغيّر نظرتهم إلى الموت وما بعده، تغيَّر العرب تغيّراً جذرياً، فانطلقوا في الدّنيا بكل انشراح وقوّة وغيّروا مجرى التاريخ بعد أن كانوا هملاً.

                    فيتبيّن ممّا مرّ أنّ ذكر الموت والتفكّر فيه وعدم نسيانه ضروريّ للفرد والمجتمع، فهو صمّام أمان للفرد، ودفع للمجتمع للتغيير، فشتّان بين من يحسب الموت فناء ومن يقطع بأن الموت حياة أخرى، فالأوّل جبان كما عليه اليهود
                    ï´؟وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ

                    106

                    مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَï´¾15، ï´؟لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَï´¾16، والثاني شجاع كما عليه أبناء الإسلام.

                    ولهذا الاعتقاد درجات يترقّى فيها الإنسان حتّى يصبح الموت بالنسبة له أمراً عادياً على حدّ تعبير الإمام عليّ بن الحسين : "لا أبالي وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا".


                    107

                    للمطالعة

                    الموت بعزّ أفضل من العيش بذلّ

                    كان نزول الإمام عليّ عليه السلام بصفين لليالٍ بقين من ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين. وكان أبو الأعور السلميّ على مقدّمة معاوية، وكان قد ناوش مقدّمة الإمام عليّ عليه السلام وعليها الأشتر النخعيّ مناوشة ليست بالعظيمة، ثمّ انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعاً، فسبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقنّاسرين إلى جانب صفّين، وساق الأشتر يتبعه، فوجده غالباً على الماء، وكان في أربعة آلاف من أهل العراق، فدعا الأشتر بالحارث بن همام النخعيّ فأعطاه لواءه ثمّ صاح الأشتر في أصحابه فدتكم نفسي شدّوا شدّة المحرج الراجي للفرج فإذا نالتكم الرماح التووا فيها فإذا عضّتكم السيوف فليعضّ الرجل على ناجذه فإنّه أشدّ لشؤون الرأس ثمّ استقبلوا القوم بهامكم.

                    وعن صعصعة قال: أقبل الأشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتّى كشفهم عن الماء وحمل أبو الأعور وحمل الأشتر عليه فلم ينتصف أحدهما صاحبه.
                    وقال عمرو بن العاص لمعاوية، لمّا ملك أهل العراق الماء: ما ظنّك يا معاوية بالقوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه؟ ما أغنى عنك أن تكشف لهم السوءة؟

                    فقال له معاوية: دع عنك ما مضى فما ظنّك بعليّ بن أبي طالب؟
                    قال: ظنّي أ نّه لا يستحلّ منك ما استحللت منه وأنّ الّذي جاء له غير الماء.
                    وقال أصحاب الإمام عليّ عليه السلام له: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك.

                    فقال: لا، خلّوا بينهم وبينه لا أفعل ما فعله الجاهلون فسنعرض عليهم كتاب الله وندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا وإلاّ ففي حدّ السيف ما يغني إن شاء الله.
                    قال: فو الله ما أمسى الناس حتّى رأوا سقاتهم وسقاة أهل الشام ورواياهم وروايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنساناً17.
                    وكان ممّا قاله الإمام عليه السلام لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه على شريعة الفرات:
                    "قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّة، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ.
                    أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّة
                    ِ"18.

                    تعليق

                    عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
                    يعمل...
                    X