تميّز (عليه السلام) بمناقب وفضائل لم تكن لاحد قبله ولا بعده، وكان الصحابة يتمنون ولو واحدة منها، على قول أحدهم «لكانت أحبُّ إليَّ من حُمُر النِعَم» ومن هذه الخصوصيات ولادته في بيت الله الحرام، تلك الفضيلة التي طفحت بها الكتب وتظافر على نقلها كبار المحدّثين والمؤرّخين، كالمسعودي في «مروج الذهب»، وسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص»، وابن طلحة الشافعي في «مطالب السؤول» وغيرهم، أذكر هنا نص كلام الحافظ الحاكم النيسابوري على ما أورده عنه الحافظ الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» قال:«ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمكّة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه، إكراماً له بذلك، وإجلالاً لمحلّه في التعظيم».
وقال شهاب الدين الالوسي صاحب التفسير المشهور، في «الخريدة الغيبيّة في شرح القصيدة العينية» لعبد الباقي العمري عند قول الشاعر:أنت العليُّ الذي فوق العُلى رفعا ببطن مكّة عند البيت إذ وضعا وكون الأمير - كرّم الله وجهه - ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا، وذكر في كتب الفريقين السنّة والشيعة... ولم يشتهر وضع غيره - كرم الله وجهه - كما اشتهر وضعه، بل لم تتَّفق الكلمة إلاّ عليه ; وما أحرى بإمام الأئمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين، وسبحان مَن يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين».وقال عند قول الشاعر العمري:
وأنت أنت الذي حُطت له قدمٌ * * * في موضع يده الرحمان قد وضعا«أحبَّ عليه الصلاة والسلام أن يكافئ الكعبة حيث ولد في بطنها بوضع الصنم عن ظهرها».
وقد ذكرت في باب مستقل قصّة صعود علي (عليه السلام) على منكب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورميه الاصنام، فلاحظه.
أمّا تفاصيل حادثة الولادة الميمونة فمروية في مصادر معتبرة كثيرة، منها: الإسناد مذكورة في المجلد الثاني من موسوعة علي في الكتاب والسنة للمؤلف ص20/ 21.
روى هؤلاء جميعاً بإسنادهم إلى سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب:
كنتُ جالساً مع العبّاس بن عبد المطّلب وفريق من بني عبد العزَّى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد - أم أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) - وكانت حاملةً به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق فقالت:
ربّ، إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ النبيّ الّذي بنى هذا البيت، وبحقّ المولود الّذي في بطني لمّا يسّرت عليَّ ولادتي.
قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح من ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرُمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أنَّ ذلك أمرٌ من أمر الله عزَّ وجلَّ.
ثمَّ خرجت في اليوم الرّابع وبيدها أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ثمَّ قالت:
إنّي فُضِّلتُ على مَن تقدَّمني من النساء، لانَّ آسية بنت مزاحم عبدت الله عزَّ وجلَّ سرّاً في موضع لا يحبُّ أن يعبد الله فيه إلاّ اضطراراً.
وأنَّ مريم بنت عمران كانت تتعبد في بيت المقدس فلما احست بالمخاض قيل لها هذا بيت عبادة لا ولادة فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً، ثم هزَّت النخلة اليابسة بيدها حتّى أكلت منها رطباً جنيّاً، فإنّي دخلتُ بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنّة وأوراقها، فلمّا أردتُ أن أخرج هتف بي هاتف:
يا فاطمة، سمّيه عليّاً فهو عليٌّ، والله العليّ الاعلى يقول: إنّي شققت اسمه من اسمي، وأدّبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الّذي يكسر الاصنام في بيتي، وهو الذي يؤذّن فوق ظهر بيتي ويقدّسني ويمجّدني، فطوبى لمن أحبّه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه.
وتسابق الشعراء إلى نظم بدائع القصائد في هذه الحادثة الميمونة، أذكر منها مقاطع من موشّحة العلاّمة الميرزا اسماعيل الشيرازي المتوفّى سنة 1305 هـ، التي ذكرها العلامة الاميني في كتابه «الغدير» ج6/ 29 - 31 نقتطف منها ما يلي:
مالكاً ثقل ولاء الاُممِ شاطئ الوادي طوى من حرمِ
بسنا أنواره في الظّلمِ إذ تجلّى نوره في آدمِ
جلَّ معناه فلمّا يُعلمِ فوطا تربته بالقدمِ
حيث لا يدنوه من لم يحرمِ وإليهم كلُّ فخر ينتمي
مولد أمير المؤمنين(عليه السلام )
أن مولد أميرالمؤمنين وإمام الموحدين ويعسوب المسلمين وقائد الغُرِّ المحجلين(عليه السلام ) وولادته حدثٌ عظيم لايمكن أن ينهض بمسؤولية تحليله بيان الباحث ، فضلاً عن بيان المتعبد !

أي حادثة حدثت دونتها مصادر الشيعة والسنة ، لكن فقهها وتحليل لطائف كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله )وإشاراته النبوية فيها ، لم يكتب بعد !
ونحن نكتفي بالإشارة الى كلمة واحدة من حديث واحد ، روته مصادر الشيعة والسنة ! فقد كان شهر رجب عند العرب في الجاهلية شهراً ممتازاً ، ومن لم يستطع الحج منهم في ذي الحجة ، زار الكعبة في رجب ، وأدى ما كانوا يؤدونه عندها من مناسك
في تلك المناسبة، وفي اليوم الثالث عشر من شهر رجب ، والمسجد ممتلئ بالطائفين من قبائل العرب ، كانت امرأة تطوف حول البيت ، لكن أي امرأة؟ إن الحديث الذي نبحث فقرة منه حديث في حقها ، فعندما توفيت كفنها رسول الله(صلى الله عليه وآله )بقميصه ، وصلى عليها ، وكبر في صلاته سبعين تكبيرة ! ثم نزل في قبرها ، ودعا لها ولقنها الشهادة !
روى الحاكم النيسابوري: (لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم كفنها رسول الله(صلى الله عليه وآله )في قميصه وصلى عليها، وكبر عليها سبعين تكبيرة، ونزل في قبرها فجعل يومي في نواحي القبر كأنه يوسعه، ويسوي عليها، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان، وحثا في قبرها، فلما ذهب قال له عمر بن الخطاب:يا رسول الله رأيتك فعلت على هذه المرأة شيئاً لم تفعله على أحد!فقال: يا عمر إن هذه المرأة كانت أمي التي ولدتني! إن أباطالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة، وكان يجمعنا على طعامه، فكانت هذه المرأة تفضل منه كله نصيبنا فأعود فيه وإن جبريل(عليه السلام )أخبرني عن ربي عز وجل أنها من أهل الجنة، وأخبرني جبريل(عليه السلام ) أن الله تعالى أمرسبعين ألفاًمن الملائكة يصلون عليها) !(المستدرك:3 /108) إن هذه المرأة كانت أمي التي ولدتني كلمة ينبغي للباحثين الشيعة والسنة أن يفكروا فيها ! فماذا عنى النبي(صلى الله عليه وآله )بقوله هذا ؟!إن كلام النبي(صلى الله عليه وآله )حكمه حكم التنزيل ، فهو لا ينطق عن الهوى ، وكلامه بعد كلام الله تعالى ، ومنطقه ميزان الحقيقة وعندما تكون رتبة القائل بعد الله تعالى ، فمن يستطيع أن يصل الى عمق الحق الذي يحويه كلامه ؟!
تلك المرأة العظيمة التي كانت تطوف حول البيت، أحست بالمخاض وبدل أن يهديها ربها الى خارج البيت ، هداها الى داخل بيته ، أول بيت وضع للناس ، فدخلت الى الكعبة ، وخرجت منها الى العالم بتحفة ، الى الآن لم تدرك البشرية قيمتها ! جاءت الى قومها بمولودها تحمله ، والى الآن لم تدرك البشرية معنى ذلك المولود !في دائرة الوجود توجد كلمتان: نحن ، وأنا ويوجد في دائرة (نحن) في قوس الصعود ، شئ هو أشرف مصاديقها يقع في قمة هرم تلك السلسلة كما يوجد في دائرة كلمة (أنا) في قوس النزول الذي يبدأ به تنزل الفيض ، نقطة هي أيضاً أشرف من في الوجود ، وهذه النقطة مع النقطة الأعلى في دائرة (نحن) هما أشرف مافي الوجود ! أقول هذا الكلام لكي يتأمل أصحاب الفكر غير المتعصبين من كل الفرق الإسلامية فيما سأقوله ، ويتفكروا بأنفسهم ، ثم يصدروا حكمهم ، لأن ما أقوله مقدمات لاتخرج كلمة منها عن قطعي الكتاب والسنة !
إن تلك النقطة التي هي أشرف الموجودات في دائرة (نحن) هي القرآن ففي القرآن تجلى الله الى خلقه ، فهو مظهر إسمه الأعظم الجامع لأسمائه الحسنى وأمثاله العلي أما النقطة التي أشرف ما في قوس (أنا) حيث يبدأ الفيض ، فهي الذي جاء بالقرآن(صلى الله عليه وآله ) هذه هي المقدمة روى الحاكم في المستدرك وصححه:3/124: (عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال: كنت مع علي رضي الله عنه يوم الجمل ، فلما رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس! فكشف الله عني ذلك عند صلاة الظهر ، فقاتلت مع أمير المؤمنين ، فلما فرغ ذهبت إلى المدينة فأتيت أم سلمة فقلت: إني والله ماجئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكني مولى لأبي ذر فقالت مرحباً ، فقصصت عليها قصتي فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها ؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عني عند زوال الشمس! قالت: أحسنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله )يقول: علي مع القرآن مع والقرآن مع علي، لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) روى هذا الحديث الحاكم وصححه على شرط مسلم أما الذهبي كبير نقادهم ، والذي لايترك حديثاً في فضل أمير المؤمنين(عليه السلام )إلا وسعى بكل قوته لتضعيفه ! فقال عن هذا الحديث: (حديث صحيح) ! لكن غرضنا هنا ليس البحث في سنده ، بل لمحة من فقهه ، فما معنى هذه الجملة النبوية:علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض؟
لايمكننا فهم ما قاله النبي(صلى الله عليه وآله )حتى نفهم معنى القرآن الذي حكم(صلى الله عليه وآله ) بوجود معيَّةٍ بينه وبين علي(عليه السلام )
فعليٌّ مع القرآن الذي قال تعالى عنه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَئٍْ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ( سورة النحل: 89 )
القرآن الذي قال عنه: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لايَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ( سورة الواقعة: 77-79 )وقال عنه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ( سورة الفرقان: 1 )
وقال عنه: لايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ( سورة فصلت: 42 )فعليٌّ في رتبة المعية مع هذا القرآن ! فهو في رتبة عبارات قرآن ، ورتبة إشارات القرآن ، ورتبة لطائف القرآن ، ورتبة حقائق القرآن ، ورتبة بطون القرآن السبعة !وعلي في رتبة مقامات القرآن الذي لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، له تخوم ، وعلى تخومه تخوم !!والمسألة لاتنتهي بأن علياً مع القرآن ، فالقرآن مع علي أيضاً ! نحن نعرف أن المعية نسبة تقوم بطرفين ويستحيل أن تقوم بطرف واحد ، وعندما قال النبي(صلى الله عليه وآله ): علي مع القرآن فقد أثبتها بينهما ، فلماذا أعاد إثباتها بصيغة أخرى فقال: والقرآن مع علي؟!
حاشا أفصح من نطق بالضاد من اللغو في كلامه ، وحاشا أفصح من نطق بالضاد من التكرار في كلامه بل أراد أن يفهمنا أن مسألة معيتهما معية من نوع خاص، ويشير الى أبعادها العميقة ، ذلك أن المعية بين شيئين أو أكثر عندما تطلق فيقال: زيد مع عمرو ، فهي أعم من أن يكون هذا الطرف في الإضافة متقدماً رتبة على ذاك أو متأخراً عنه ، بل تدل على أنهما معاً بقطع النظر عن رتبة كل منهما ، وربما كان فيها إشارة الى أن المقرون أقل رتبة من المقرون به لهذا أعاد النبي(صلى الله عليه وآله )صياغة هذه المعية ، ليقول للمفكرين لاينبغي أن تفهموا من قولي: عليٌّ من القرآن، أن علياً أقل رتبة من القرآن ، بل القرآن مع علي أيضاً ، فهما وجودان متعادلان !علي مع القرآن فيها بحوث وبحوث! فعلي مع القرآن من ****أول: ألم كهيعص حمعسق طسم ق ص
وعلي مع القرآن ، فقد وصل عليٌّ الى حيث وصلت كل رموز الإسم الأعظم! بل وصل الى آخر تخوم القرآن !
ومن جهة أخرى ، فالقرآن من أين ما فتحته أو قرأته فهو مع علي(عليه السلام )!فعلى ماذا يدل هذا التعادل والتوازن بين هذا الإنسان والقرآن؟!وهل يستيقظ المفكرون السنيون من نوم الغفلة؟!
وهل يدركون أنه عندما يقول النبي(صلى الله عليه وآله ): علي مع القرآن ، والقرآن مع علي، ويقرؤون معه وصف الله للقرآن بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه فإن معناه بمقتضى هذا الحديث الصحيح عند الجميع، أن العصمة الكبرى التي ثبتت للنبي(صلى الله عليه وآله )هي ثابتة لعلي(عليه السلام )! وأن منكر ذلك خارج عن التسنن وعن التشيع ؟!
علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ومعنى ذلك أن كل ماهناك من علم ، فهو في القرآن ، وهو في صدر علي عديل القرآن !
نعم كل ماهناك من علم! لايستثنى منه إلا علم الله تعالى المختص به فهو العلم الربوبي الوحيد المستثنى من ذلك ، أما ما دونه فهو في صدر علي ! وبما أن القرآن تبيان كل شئ ، فإنه فيه علم الأولين والآخرين ، وعلم ما كان وما يكون ، وكل علوم نظام التكوين ونظام التشريع فكلها في القرآن ، وكلها في قلب علي(عليه السلام )!
ليس كلامنا هذا تعصباً للتشيع ، بل هو مُرُّ الحق ، وخالص منطوق نبينا الذي لا ينطق عن الهوى(صلى الله عليه وآله )فلا بد أن نحني رؤوسنا ونخضع لهذا الحق شئنا أم أبينا !
فهذا مقام علي(عليه السلام )ونسبته الى القرآن ، ونسبته الى قوس ما في الوجود أما نسبته الى من في الوجود ، والى من جاء بالقرآن ، فلا بد أن نتذكر قول النبي(صلى الله عليه وآله ): علي مني وأنا من علي ! (1)
والحديث متواتر، والمتواتر لايحتاج الى بحث سنده ، لاعند الشيعة ولا عند السنة ، ولاحتى عند الجهال! ومع ذلك فقد شهد بصحته نقادهم في الحديث والمشككون في الأسانيد، ورواه البخاري في:3/168 بلفظ: وقال لعلي أنت مني وأنا منك ، (وكذا في:4/207، و:5/85) مضافاً الى اتفاق أصحاب الصحاح والمسانيد والتفسير على روايته علي مني تعبير نبوي يحدد نسبة علي(عليه السلام )من النبي(صلى الله عليه وآله )، ويجري فيه ما قلناه في قوله: علي مع القرآن ! ولكنه جزء من نسبة علي من رسول الله(صلى الله عليه وآله )، وليس كلها ! فتكملته: وأنا من علي وهي جملة كبيرة ، عظيمة ، يقول فيها النبي(صلى الله عليه وآله ): في نفس الوقت الذي علي مني ، فأنا في كل مكان مع علي!! فهل عرف البخاري ماذا كتب؟ لماذا لم تفكر أيها البخاري ماذا يعني قول النبي: وأنا من علي؟! إن فهم ذلك يتوقف على نقل هذه القصة:بعد أن قتل المسلمون عثمان بن عفان ، وهتفوا باسم أمير المؤمنين(عليه السلام ) وجاؤوه الى منزله فاستخرجوه منه وبايعوه ، صعد المنبر وكان أبو بكر لما صعد منبر النبي(صلى الله عليه وآله )نزل مرقاة ، فلما صعد عمر نزل مرقاة، فلما صعد عثمان نزل مرقاة ، فلما صعد علي صعد الى الموضع الذي كان يجلس عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله )! فسمع من الناس ضوضاء فقال: ما هذه التي أسمعها ؟ قالوا لصعودك الى موضع رسول الله(صلى الله عليه وآله )الذي لم يصعده الذي تقدمك فقال(عليه السلام ): سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله )يقول: من قام مقامي ولم يعمل بعملي أكبه الله في النار، وأنا والله العامل بعمله ، الممتثل قوله ، الحاكم بحكمه فلذلك قمت هن ثم قال في خطبته: معاشر الناس قمت مقام أخي وابن عمي لأنه أعلمني بسري وما يكون مني ! فكأنه قال: أنا الذي وضعت قدمي على خاتم النبوة فما هذه الأعواد ؟! أنا من محمد ومحمد مني) ! (2)
فكروا في هذه الكلمات: أنا كسرت الأصنام ، أنا رفعت الأعلام ، أنا بنيت الإسلام !! أي صاحب فمٍ ولسان له جرأة على أن ينطق بذلك ؟!صلوات الله عليك يا مظلوم العالم ، نعم هكذا كنت !
فأي أيام رأيت بعد النبي(صلى الله عليه وآله )حتى قلت مثل هذه الكلمات التي تهز الدنيا وتذهل العقل! أنا الذي وضعت قدمي على خاتم النبوة فما هذه الأعواد؟ أنا من محمد ومحمد مني ! يقصد بذلك عندما صعد إلى سطح الكعبة ليكسر الأصنام ثم لنقرأ هذه التكملة: ( فلما سقط ضحك ، فقال النبي(صلى الله عليه وآله ): ما يضحكك يا علي أضحك الله سنك؟ قال: ضحكت يا رسول الله تعجباً من أني رميت بنفسي من فوق البيت الى الأرض فما ألمت ولا أصابني وجع؟! فقال:كيف تألم يا أبا الحسن أو يصيبك وجع؟ إنما رفعك محمد وأنزلك جبرئيل) (نفس المصدر ص403) كذلك أنت يا علي صلوات الله عليك !
والآن: اتضح معنى قول النبي(صلى الله عليه وآله )لعمر: يا عمر إن هذه المرأة كانت أمي التي ولدتني فعلي أنا وأنا علي !
ونختم بهذه الكلمة من السنة الصحيحة: علي مع القرآن والقرآن مع علي فهذا موقع علي من من أول نقطة (نحن) وقالت السنة الصحيحة: علي مني وأنا من علي ، وهذا موقع علي من من أول نقطة (أنا) أما الكتاب وهو فصل الخطاب فيقول: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ( سورة آل عمران: 61) إن علياً لم يُعرف الى الآن !
عن ابن عباس قال: (كنا جلوساً عند رسول الله(صلى الله عليه وآله )فقال: من أراد أن ينظر الى آدم في علمه،وإلى نوح في سلمه، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في فطانته ، وإلى داود في زهده ، فلينظر إلى هذا قال: فنظرنا فإذا علي بن أبي طالب قد أقبل كأنما ينحدر من صبب)! (كمال الدين ص25) ولماذا لم يقل النبي عن شَبَهِ عليٍ بهِ؟ لأن الله تعالى قال عنه إنه نفس النبي(صلى الله عليه وآله ): وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ !
سبحان الله أي ظلامة ارتكبتها الأمة في حق أمير المؤمنين(عليه السلام )؟! والى الآن تراهم يَغُطُّونَ في غفلتهم ، ويدَّعون العلم والفقه والحديث ، ويَقْبلون أن يكون مكان رسول الله(صلى الله عليه وآله )شخص كان يقول باتفاق رواتهم: وليتكم ولست بخيركم ويفضلونه علىمن كان يقول: سلوني قبل أن تفقدوني! ومن قال فيه النبي(صلى الله عليه وآله ): علي مع القرآن والقرآن مع علي ! وقال فيه: علي مني وأنا من علي ! بل من قال فيه الله تعالى: وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ! (3)
أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ، أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟! ( سورة يونس: 35 )
ما لكم كيف تحكمون ، ما لكم كيف تحكمون ؟!!
****في علي(عليه السلام )سنن الأنبياء(عليه السلام )
لقد تتابعت الألسن والأقلام على الحديث والبحث حوله لكن كل ما قيل وماكتب، وما سوف يقال أو يكتب نسبته الى مقامه كنسبة جناح الذبابة الى النسر! وهذا ما ينبغي إثباته بالبرهان لا بالخطابة نحن نعرف أن الله تعالى لايدرك ولايوصف ، بل إن عبده المخلوق الذي فيه سر اسمه الأعظم ، يجل عن الوصف والإدراك !
وتعقل هذه المسألة لايتيسر إلا للراسخين في العلم ، فهؤلاء فقط يفهمون لماذا كان أمير المؤمنين(عليه السلام )فوق الوصف وإدراك البشر؟
قال في بصائر الدرجات ص134: (عن أبي جعفر(عليه السلام )قال: (كانت في علي سنة ألف نبي) ! وسند الرواية في مرتبة عالية من الإعتبار، فيه بعض أصحاب الإجماع وأما متنها فهو جملةٌ تحير الكمَّل من أصحاب العقول !
تأمل فيها جيداً فهي تقول إن فهم علي(عليه السلام )يتوقف على فهم النبوة ، لكن ليس أي نبوة ، بل على فهم ألف نبي ، وأحد هؤلاء الألف آدم ، وأحدهم ابراهيم الخليل ، وأحدهم موسى بن عمران، وأحدهم عيسى بن مريم ، وبقية أولي العزم(عليه السلام )، فعلي عصارة هؤلاء الألف نبي ، فكيف يمكن لنا التقرير والتحرير ؟!
بل كيف لنا أن ندرك مقام النبي مطلق النبي(عليه السلام )هذا الموجود ذو الجنبتين ، جنبة ملكوتية وجنبة بشرية؟! واحدة للحق بها يتلقى الوحي ، وواحدة للخلق بها يبلغ الوحي ، فبهذا يكون النبي نبياً !
فكيف يمكننا نحن الغارقين في جنبة الخلق أن ندرك جنبة الحق في النبي، مهما بلغنا من العلم والمعرفة؟!
إن الذين يتخيلون أنهم فهموا أو عرفوا ، يقدمون بذلك دليلاً على أنهم ما فهموا ولا عرفوا ! فعندما نتعمق في علم هذا الموضوع وحكمته ونبدأ بتحليل مسألة واحدة منه ، يتضح لنا أن القضية أكبر من فهمنا !
هذا كله في فهم الحد الأدنى للنبوة ، فكيف بمستوياتها العليا ؟!
لابد لنا أن نعترف بأننا وكل من كان من نوعنا من الأولين والآخرين، لا يمكننا أن ندرك حتى مقاماً شبيهاً بمقام النبوة، لأنها حقيقة من عالم الملكوت أعلىمن متناولنا نحن المنفصلين عن ذلك العالم، المنغمرين في عالم الملك! وأنى لنا أن نعرف معنى اتصال شخص بالملكوت؟!
إن النبي إنسان من هذا النوع الذي يقول عنه تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (سورة الأنعام:75 ) وحقيقة اتصال النبي بعالم الملكوت ، مقولة متفاوتة ، تبدأ مستوياتها من أول درجة الإرتباط بذلك العالم، الى أعلى الدرجات!
فأين ابتداؤها ، وأين الوسط ، والإنتهاء؟!
وإذا كنا عاجزين عن إدراك أدنى درجة منها ، فكيف لنا بأوسطها ، فضلاً عن أعلاها التي هي نقطة نهاية قوس الصعود والنزول؟!
النقطة التي يبدأ منها هرم الوجود وينتهي اليها كمال كل موجود ، درجة وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيماً ( سورة الأحزاب: 40 ) وحيث تصورنا دائره عالم النبوة، بدرجاتها الواسعة الشاسعة، العظيمة كلها، من أدناها الى أعلاها! نأتي الى معنى (السنة)
فما معنى: (كانت في علي سنة ألف نبي) ؟ السنة هنا بمعنى أبرز الأعمال والصفات في النبي(عليه السلام )مثلاً العلم في آدم وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا (سورة البقرة:31) والصبر والتقوى في نوح، والخلة في إبراهيم، والمناجاة في موسى بن عمران، والإعراض عن عالم الطبيعة والمادة والإستغراق في العبادة والسياحة، في عيسى فهذا معنى سنة النبي(عليه السلام )!
وعلى هذا ، لو اجتمع عطر ألف نبي وسننهم في شخصية واحدة ، فماذا ستكون درجة صاحبها؟ وأي مقام سيكون مقامه؟!
ومع أن سند هذا الحديث الشريف قوي لايحتاج الى بحث ، فإن موضوعه واضحٌ أيضاً لمن اطلع على مصادر الاسلام للعامة والخاصة، وعرف منها مقام علي(عليه السلام ) فالروايات المشتملة على هذا المعنى موجودة في مصادر الجميع ، وردت بألسنة مختلفة أن النبي(صلى الله عليه وآله )تحدث عن شباهة علي(عليه السلام )بعدد من الأنبياء(عليه السلام )ولا يتسع المجال لبحثها كلها أو استعراضها، لذا اخترنا واحدة منها لكي تعملوا ما بوسعكم لإحقاق حق هذا المظلوم ، وتحفظوا كرامتكم عند ربكم ، وأنتم تعيشون على مائدة علي وتأملون أن تفوزوا غداً بشفاعته(عليه السلام ) وان ألإشارة الى شئ من فقه هذه الرواية الشريفة لتتأملوا فيها وتنصروا هذا الحق الضائع، الذي لا يوجد حقاً ضائعاً مثله ، ولا مظلوماً مثل صاحبه!لاحظوا قول أبي ذر&: بينما أنا ذات يوم من الأيام بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله )، إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى، ثم قالالخ (4) فعندما نقرأ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله )علينا أن نتوقف عند كل كلمة وحركة وسكنة، ونتأمل فيها فالشخص الذي ينزه الله تعالى نفسه لأنه أسرى به فيقول:سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ( سورة الإسراء: 1 ) صاحب مقام رفيع لايمكن معرفته إلا مجملاً، كما أجمل الله عنه القول بقوله: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى( سورة النجم: 10 ) فمثل هذا الشخص لايصح أن ينظر الى قوله وعمله كغيره ، فإن الحركة والسكنة منه لها حساب يقول أبو ذر كان النبي(صلى الله عليه وآله )جالساً مع أصحابه وفيهم أبو ذر ، فوقف في مجلسه فجأة ، ثم ركع ، ثم سجد !والقيام والركوع والسجود أعلى أوضاع العبادة لله تعالى، ثم قال: يا جندب من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه،وإلى إبراهيم في خلته، وإلى موسى في مناجاته وإلى عيسى في سياحته ، وإلى أيوب في صبره وبلائه ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل من أراد أن ينظر الى آدم في عطر وجوده الذي هو العلم
والى نوح في عطر وجوده الذي هو الفهم ، والى بقية هؤلاء الأنبياء العظام(عليه السلام )في أعلى صفاتهم ، فلينظر الى رجل سوف يأتي ! وهذا أيضاً من الإعجاز النبوي، فالله هو الذي أخبر النبي(صلى الله عليه وآله )بهذه الصفات أخبره بأن صاحبها آت في الطريق ، وأمره بأن يخبر المسلمين بمقامه العظيم قبل أن يأتي، ليستشرفوه وينتظروه، ويفكروا في أنفسهم من ترى سيكون هذا الشخص الرباني الذي يمدحه الله ورسوله بهذا المديح؟!
والذي يحير العقل أكثر أن النبي(صلى الله عليه وآله )مضافاً الى تلك الصفات الفريدة، التي وصف علياً(عليه السلام )بها، قال عنه أيضاً: (الذي هو كالشمس والقمر الساري، والكوكب الدري) ! ونحن نعرف أن منظومات الكون ثلاثة أنواع لاأكثر: شموس مضيئة بنفسها، وأقمار منيرة بغيرها، ونجوم وقد وصف النبي علياً بها ثلاثتها !
وهذا الكلام ليس كلاماً صادراً من عارف أوفيلسوف أو فلكي حتى نحمله على عالمه، ولا المتكلم به موسى وعيسى(صلى الله عليه وآله )، بل هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وعقل الكل، ونقطة الوصل بين الرب وجميع المربوبين، فهو (صلى الله عليه وآله )يقول لنا إن أردتم أن تنظروا الى شخص يحمل علم آدم وفهم نوح وخلة ابراهيم ومناجاة موسى وسياحة عيسى وصبر أيوب(عليه السلام ) فانظروا الى علي بن أبي طالب! ويقول: إن علياً فوق ذلك شمس مضيئة، وقمر منير، ونجم يتلألأ !