إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التفكير خارج الخوف داخل الامل

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التفكير خارج الخوف داخل الامل

    التفكير خارج الخوف داخل الامل

    ميثم العتابي

    وصف الإنسان العربي على مدى عقود كثيرة على إنه قابع وخانع بالشكل السلبي أو القمعي الذي يمارسه الاختزال السلطوي، أو منظومة جاز لنا ان نسميها بـ (منظومة تسيير الأعمال)، فهي التي تفكر وتقرر بدلا عنه، وإذ ما كانت الحال هذه فما حاجته للتفكير والتأمل والإبداع، خاصة إذ كان هنالك من يكتب ويبدع ويفكر دونه، شريطة ان يحتفظ برأسه فوق كتفيه، لذا عزف عن مواصلة النتاج الإبداعي ورفد الساحة الإنسانية بكل ما من شأنه ان تكون لبنة بناء له ولمجتمعه ولأجيال تتعاقب بعده.
    من جانب آخر تناسل وتكاثر النكسات، ساعد وإلى حد كبير في تعميق الهوة والشعور بالإحباط واليأس خاصة فيما يسمى بالقضايا المصيرية للأمة والتي منيت بفشل ذريع، فلا فلسطين رجعت للعرب ولا وحدة عربية تحققت ولاشيء من هذا القبيل. حيث ربطت السلطة هذه الأحداث بالفكر الجمعي العربي وجعلت العمل عليه هو مجاز للحياة الواقعية اليومية وخلافه لايستحق ان تكون هناك مواصلة فعلية، فكان هذا الإحباط من شأنه ان يضع اللمسات الأخيرة في لوحة هذا التراجع المخيف إلى الداخل والانحسار الكلي والأخير.
    وعلى هذا التصور جمد الفرد العربي نفسه داخل ذاته مكيفا ومكتفيا بدور السابقين له أمثال أبن سينا والرازي وابن حيان وابن رشد والمتنبي وغيرهم كثير، وهذا التجميد الخوفي هو طائلة ونتاج الاختزال الفكري أولا، كربط المصير الفردي بالجمعي وتهميش الفردنة والخصوصية تحت الشعارات السياسية التي لم تأتي أوكلها ولو بعد حين، ومنع أو قمع التفكير خارج الذات ثانيا.
    لذا كان في كلا الحالتين منع قسري جبري لا اختياري، فهو بمعنى خارجي، رغم مساعدة وعي المتلقي في تنامي حالة الإنغلاق على الذات ليكون مبتعدا عن الإبداع وعن الحقيقة الواقعية التي تكمن خارج حدود هذه الذات، وعدَّ بعضهم هذا الانحسار والتراجع عن ممارسة الدور الحقيقي هو نرجسية المثقف العربي التي يمارس فيها طقوسه في برجه العاجي. بيد إنها وان صدقت أحيانا، لكن هنالك عوامل أوسع من هذه التسمية أو حصرها بانزواء المثقف على ذاته، وهو بالتالي لا يتحكم بأدواتها بل إنها واقعة خارج حدود سيطرته، إنها ترسيخ لمفاهيم الإنغلاق الكلي والتقوقع على (الأنا) ليكون الخروج إلى الشمس الحياتية عملية شبه مستحيلة إن لم تكن كذلك أصلا.
    فالمنظومة القمعية التي وضعها النظام العربي طيلة قرون لا عقود، من شأنها ان تبعد المرء عن الجهر بالتفكير، فأصبح ذلك تقليد ومنهجية في التعامل مع القرار الفكري، وفي الشق الآخر معرفة بواطن التفكير لقمعها والقضاء عليها نهائيا. فالتفكير آفة تهدد العروش، لأنه خطوة نحو التجدد والتحرر والبناء والتغيير، وكل تغيير من شأنه ان يأتي بجديد، ويبدو ان كلمة جديد هذه وحدها تكفي لتسبب لهم صداع طويل.
    بدائل التصحر الفكري: الخروج من التيه
    يتطلب خروج الإنسان من التيه الداخلي المختمر في نفسه إلى النور، خاصة ذلك المتغلغل على مدى أجيال متوارثة ومتعاقبة، عوامل استثنائية:
    1) قول الحقيقة المطلقة بكل جوانبها ومحتوياتها، والمجازفة بقولها، كما فعل جاليلو حين أثبت أن الأرض كروية داخل المجمع الكنائسي آنذاك.
    2) اعتبار التفكير الفردي هو أساس الحياة في العملية الإنتاجية الإبداعية، فنحن نلتقي في التكوين الجمعي باعتبارات مهمة منها ان الإنسان كائن يستأنس بوجود غيره، وانه اجتماعي، لكن على هذا ان لا يصهر أو يستلب الهوية الفردية، وان يكون لكل منا تفكيره الخاص وقراره المنفرد فيما يخص النتاج والتفكير والإبداع.
    3) الاستناد إلى الحقائق العلمية الدامغة، والتفكير المنطقي وفق الاصول الاكاديمية الدراسية منها أو غيرذلك، ولا بأس لو مازجه الحلمي أو الإيقاع الإيهامي الإستباقي لبعض الإنجازات الإبداعية.
    4) عامل الإصرار سواء نجح هذا العمل أو لا. والإصرار عنصر من شأنه ان يثمر كل نجاح فيما بعد. فالاصرار مواصلة والمواصلة من شأنها تذليل كل الاخطاء الناجمة من التجربة الأولى والاستفادة منها في باقي التجارب التالية.
    5) الشعور التام بالمسؤولية إتجاه الإنسانية ككل، بغض النظر عن ماهيتها السياسية الآيدلوجية، أو الدينية المتطرفة، أو العصبية القبلية، ومحاولة الرقي بها ودفع عجلتها كما فعل السابقون من العلماء والمبدعين والمفكرين.
    من خلال هذه الاستنتاجات يمكن للمرء ان يدفع عجلة البناء التقدمي الحضاري، غير متناسيا لمسألة مهمة جدا وهي الحضور الفردي في الامتياز الشخصي، فهنا لا نبحث عن مثالية محضة، بل العكس إنها وصولا إلى تحقيق رغبات الذات، ولكن بكسر الطوق والخروج إلى النور.
    وبعد زوال كابوس الهيمنة من على مساحة الجسد العراقي العربي، الذي قد يكون مقدمة لزوال بعض الأنظمة العربية المتسلطة، أو على أقل تقدير تهديدا لعروشها، بات من الملح والمهم خروجنا إلى السطح، والاتجاه إلى تعميق الرؤيا في الخلق، والعبور من الرقعة الهامشية أو تفكير العلبة المغلقة التي وضعنا فيها قسرا، إلى التصدي لخلق المساحة الخاصة بالتفكير والإبداع وصنع حالة شبه متوازية عالميا، حتى يتسنى لمن يأتوا بعدنا التفكير والنهوض برؤى أو لنقل يفهمون الواقع كما هو لا كما يصاغ ويساق إليهم.
    وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً

  • #2

    الموضوع في غاية الروعة والأهمية في آن واحد، وهو مما تعودناه من ثقافة وأسلوب الأديب الشاعر ميثم العتابي في رفد الساحة الفكرية والثقافية بكل ما هو جديد ومعاصر..
    وبالنسبة للموضوع لعله - وبرأيي القاصر - أن المسألة برمتها تعتمد على الإجابة عن التساؤل المطروح في الساحة الثقافية، وهو أن الدور الذي يلعبه المثقف في المجتمع هل يعتمد على إعطائه ذلك الدور في صياغة التغيير المجتمعي بقرار أو نصّ دستوري أم أن تكون تلك المساحة هي أصلاً في تفكيره، وجزء لاينفصل من المنظومة العامة لثقافة البلد بشكل عام؟

    ومن خلال هذا المعيار يمكن الحكم على صبغة الأمم والمجتمعات بعد معرفة أيهما يعلو هل صوت المثقف أم بقية الأصوات السياسية كأن تكون، أو غيرها..

    حفظكم الله من كل سوء
    ودمتم بأمان الله تعالى

    تعليق


    • #3
      الاخ العتابي بارك الله بك لهذا المقال الجميل وبرايي البسيط ان المثقف العربي والعراقي خصوصا يجب ان يفهم اولا كيف يصبح فاعلا في مجتمعه لان هنالك فجوة عميقة بين المجتمع الذي ارجعه صدام الى مرحلة الروضة بعدما كان على مشارف الجامعة قبل ذلك والمثقف الذي يستعمل في كلامه المصطلحات الاكاديمية (وانت منهم مع فائق احترامي وتقديري) ولايمكن ان نطلب من مجتمعنا والحالة هذه ان يرتقي الى مستوى المثقف بل العكس هو المطلوب وهو ما نراه واضحا في دور رجال الدين هذه الايام حيث استطاعوا ان يبسطوا الدين ومصطلحات الحوزة ليفهمها الانسان البسيط والنتيجة ما نراه من كثافة المتابعة للمجالس الحسينية حضورا او خلف التلفاز,ولو شبهنا رجل الدين والمثقف بالاب للمجتمع فان الشعب العراقي بعدما مر به عاد صبيا ومن اجمل كلمات المعصومين عليهم السلام وكلها جميلة:من كان له صبي فليتصابى له.
      (الهي ماذا فقد من وجدك! وما الذي وجد من فقدك!)
      مدونتي على النت: مدونة ضياء الطالقاني

      تعليق


      • #4
        الأخ المبدع ميثم العتابي

        موضوع في غاية الأهمية لما يمتلكه من قراءة مستفيضة للواقع بحرفية عالية
        ويضع النقاط على الحروف في كثير من الإشكالات التي تنتاب الذهنية العربية

        وبالنسبة لطرح الأستاذ ضياء الطالقاني

        أعتقد أن مقولة (كلِّم الناسَ على قدر عقولهم) هي منوطة بنوع الموضوع المراد للكاتب سرده وتبيانه، فلو كان يخاطب المسؤولين للنهوض بالواقع الخدمي للبلد فهي لاتحتاج إلى كثير من المصطلحات الصعبة والمعقدة، بل هي عبارة عن مطالبة بلغة إعلامية مبسطة يفهمها المواطن قبل المسؤول.. وكذلك الحال إذا كان الموضوع ساخراً ينتقد ظواهر إجتماعية غير محببة، فاللغة تنتابها الكثير من المفردات الشعبية الملائمة، واستخدام الحكم والأمثال الشعبية، وربط الماضي بالحاضر بلغة جميلة..

        أما إذا كان المخاطَب – بفتح الطاء - نخبة من المثقفين بقصد الوقوف على فهم بعض المتعلقات والمفاهيم الآنية المستحدثة أو تفسير المستورد منها، فهي تحتاج بالتأكيد للغة وتعابير مفعمة بالتنظير العالي الغني بالمصطلحات المهمة، والتي تحدد سياقات عامة تزيح الكثير من اللبس، وتدعو لتقريب الرؤى والمضامين المجتمعية في الحياة والأدب..

        شكراً للموضوع ولكل من شارك فيه

        محبتي الدائمة



        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X