إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المنهج القرآني في أثبات الامامه والخلافه/آية الامامه الابراهيميه

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المنهج القرآني في أثبات الامامه والخلافه/آية الامامه الابراهيميه

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم.
    بعد أن قدمنا سابقا المرحله الأولى من المنهج القرآني في أثبات الامامه والخلافه/آية الخلافه.نبدأ بعون الله المرحله الثانيه منه/آية الأمامه الأبراهيميه.
    بسم الله الرحمن الرحيم(واذ أبتلى أبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال أني جاعلك للناس أماما قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين)
    أنطوت هذه الآيه الكريمه على بيان جوانب مهمه من نظرية الامامه ,وقبل التعرض لهذه الجوانب يحسن بنا بيان بعض المفردات الأساسيه التي وردت في الأيه المباركه.
    فقد ورد فيها الأبتلاء (واذ أبتلى أبراهيم ربه),وهو والبلاء بمعنى واحد,يقال بلوته وأبتليته بكذا.أي أوقعته في أمر ليظهر مايخفي من صفاته,وغالبا ما تكون الغايه من الأبتلاء هي أكتشاف الجهات الكامنه من حقيقة الشيء,ويقرب من معناه الأختبار والامتحان والفتنه,الا أن الغايه المذكوره لاتصدق على الله سبحانه,فما يقوم به من الأبتلاءات لعباده ليس لغرض أكتشاف حقيقة العبد,لأن الله سبحانه لايخفى عليه شيء,ولاتخفى عليه خافيه في الارض ولافي السماء,وأنما لغرض ابراز حال العبد واظهار ماكمن في نفسه وكشف الستار عنها.وهذه هي غاية النشأة الأنسانيه.حيث قال تعالى(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا).وقال تعالى(انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا),وقال تعالى(ونبلوكم بالشر والخير فتنه والينا ترجعون).
    والكلمات جمع كلمه ,وهي ما يتكلم به,وتطلق على اللفظ المفرد,وعلى الجمله,وعلى ما هو أكثر منها ,فيقال "كلمة رئيس الجمهوريه"ويراد بها الخطاب الذي يلقيه,وكما تطلق على اللفظ الحاكي للمعنى كذلك تطلق على المعنى المحكي باللفظ أيضا,وقد أستعملت في القرآن الكريم في كليهما ,فمن الأستعمال في الحاكي قوله تعالى(كبرت كلمة تخرج من أفواههم)ومن الأستعمال في المحكي قوله تعالى(الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمه طيبه كشجرة طيبه),وأطلقها القرآن الكريم على بعض الموجودات الخارجيه بغض النظر عن كونها مدلوله لالفاظ معينه كما في قوله تعالى(انما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم).ويوجد في توجيه ذلك الأطلاق والأستعمال أحتمالان,
    الاول/ان كل موجود ممكن بما أنه مخلوق له تعالى ليس الا نفس كلمة "كن"الأيجاديه,كما قال تعالى (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون).
    الثاني/ان الممكنات والمخلوقات مظاهر وجود الله سبحانه وتعالى,فهيه معربه وحاكيه عنه كما يحكي ويعرب اللفظ عن المعنى,وبالتالي فهيه بمثابة الكلمه من هذه الجهة.
    وورد في الآيه أيضا لفظ الأمام "وهو من يؤتم به",يقال أم القوم أذا تقدمهم,وكأنه مأخوذ من الامام-بالفتح-بمعنى القدام,فالأصل في معناه ما يكون أمام الشيء وقدامه,ومن هنا أستعمله القرآن الكريم في معنى الطريق كما في قوله تعالى (وانهما لبأمام مبين) .كما أطلقه على الكتاب التكويني كما في قوله تعالى (وكل شيء أحصيناه في امام مبين).والكتاب التشريعي السماوي كما في قوله تعالى(ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمه),وأيضا اطلقه على قائد القوم في الهدى أوالضلال,ومثال الهدى قوله تعالى(وجعلناهم أئمه يهدون بامرنا),ومثال الضلال قوله تعالى(وجعلناهم أئمه يدعون الى النار).
    وبد بيان معنى المردات الاساسيه التي وردت في الآيه,نستطلع الحقيقه الأمامه الأبراهيميه من جهات ثلاث
    .الجهه الاولى:دور الابتلاء في الامامه.
    .لقد بينت الآيه ان للابتلاء دورا في الامامه (وأذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس اماما)والمراد بالكلمات وان أحتمل أن يكون اما هوالأوامر الالهيه الموجهه لأبراهيم عليه السلام والحاويه لتكاليف هامه,أو متعلقات تلك التكاليف.وقد اطلق عليها القرآن تسمية "الكلمات"بأعتبار أنها محكيه لكلام الله تعالى أو أنها أمور وجدت بكلة "كن "الأيجاديه.الا أن الاظهر هو أن المراد بها هو البلايا والمحن التي تعرض لها ابراهيم عليه السلام في حياته كألقائه في النار والاضطرار للهجره والأمر بذبح أبنه وما أخذ عليه من العهود في الصبر على ذلك ,يقول تعالى في قصة ذبح اسماعيل(أن هذا لهو البلاء المبين).فالمراد بأتمام الكلمات في قوله تعالى (فأتمهن)هو الأتيان على الوجه التام .حيث أن الكلمات بمثابة حوادث ناقصه قام ابراهيم عليه السلام بأتمامها عندما طبقها وعمل بمقتضاها,فيكون ضمير "أتمهن"راجعا الى ا ابراهيم عليه السلام.وأذا جعلنا الضمير راجعا الى "ربه"فيكون معنى الأتمام هو اكمال الامتحان والاختبار .أو منح التوفيق لأبراهيم عليه السلام للعمل بمقتضى الاراده الألهيه.ولكن على ما أستظهرناه من تفسير الكلمات بالبلايا والمحن التي عاشها ابراهيم عليه السلام يكون معنى الاتمام هو الصبر على ذلك والعمل بمقتضى الأراده الالهيه,قال تعالى (وجعلنا منهم أئمه يهدون بامرنا لما صبروا).
    ويتحصل مما مضى أن الابتلاء هو عملية تأهيل لمقام الامامه السامي ,وأن العمل بما يلزم في البليه كان شرطا ضروريا للفوز بهذه الكرامه العظمى.
    الجهه الثانيه:مكانة الامامه بالقياس الى النبوه.
    بعد أن أتضح لنا دور الابتلاء في الامامه وفوز ابراهيم عليه السلام بهذا المقام الرفيع وأنه أنما نال ابراهيم عليه السلام تلك الخطوره الكبرى بعد أن نجح في أمتحانه الرائع الذي أثبت أهليته عليه السلام لها وأنه كان الصبر على كلفة الأمتحان مقدمه للصبر على تحمل أعباء الامامه .نحاول أن نستوحي من الآيه المباركه ما يبين لنا حقيقة الامامه ومكانتها بالقياس الى النبوه,وأذا أردنا التحقق في المساله ,وجدنا أحتمالات خمسه متصوره في المساله .
    الاحتمال الاول:أن تكون الامامه هي نفس النبوه.
    الثاني:أن تكون مقاما تشريعيا دون مقام النبوه.
    الثالث:أن تكون مقاما تشريعيا فوق مقام النبوه.
    الرابع:أن تكون مقاما تكوينيا من مراتب القرب الى الله تعالى كالصلاح والاخلاص وماأشبههما.
    الخامس:أن تكون مقاما تكوينيا فوق مقام النبوه,وهو القدره على تكميل النفوس وايصالها الى غاياتها ,وهو في الحقيقه نوع من الوساطه في الفيض والعطاء الألهي.
    وناتي الآن لدراسة وتمحيص هذه الاحتمالات ,واختيار الاحتمال الذي تؤيده الادله اكثر من غيره.
    الاحتمال الاول :لايساعد عليه الاعتبار,ذلك اذا عرفنا أن ابراهيم عليه السلام منح الامامه بعدما حصل له من الاختبار والامتحان والابتلاء الذي تبين عبارة "فأتمهن"مدى شدته وصعوبته ويؤيد ذلك من أنه المقرر في علم النحو أن اسم الفاعل لايعمل في المفعول الا أذا كان بمعنى الحال أو الأستقبال,وأسم الفاعل في الآيه هو"جاعل"ومفعوله"اماما"والزمن الذي تتحدث عنه الآيه هو ما بعد أتمام الكلمات والابتلاءات,فلابد وأن يكون زمن الجعل بعد ذلك وليس من المعقول أن يكون جعل الأمامه قبل الابتلاء ,أذ يصبح الأبتلاء لاغيا لامعنى له حينئذ ,هذا كله من جهه.
    ومن جهه آخرى نجد أن الأمتحان والأختبار جاء في زمن نبوئة ابراهيم ,أي انه كان نبيا ثم جرت عليه تلك الأمتحانات ,فلما أتمهن منح الامامه ,والدليل على ذلك هو الفرق الزمني بين الآيات التي تحدثت عن نبوة ابراهيم علي السلام ,والآيات التي تحدثت عن امامته ففي زمن نبوته كان فتى يافعا قال تعالى(قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم)وكان له أب,قال تعالى(واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا ......ياأبت اني قد جائني من العلم ما لم يأتك ....)بينما أشارت آيات امامته الى كبر سنه وما كان لديه من الأبناء,فحينما منح الامامه تسائل عن أستمرارها في ذريته بقوله(ومن ذريتي)مما يدل على وجود أبناء له أنذاك,واذا جمعنا بين هذا القول والقول الآخر (الحمد لله الذي وهبني على الكبر اسماعيل واسحاق )تبين انه منح الأمامه في أواخر عمره,بل أن آيه أخرى أشارت الى أن البشاره بالأبناء جائت في زمن متأخر من حياته فحينما دخلت عليه الملائكه وهي في طريقها الى قوم لوط –حينما جائت لأهلاكهم –وبشرته بحصول الأبناء له تعجب من هذه البشاره قائلا(ابشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون)وكانت هذه البشاره بعد رسالته وايمان لوط به,أذ قال تعالى(فآمن له لوط وقال أني مهاجر الى ربي)وقال تعالى(وقال أني ذاهب الى ربي سيهدين،رب هب لي من الصالحين،فبشرناه بغلام حليم)وتأكد هذا المعنى روايات كثيره تدل على ذلك بصراحه ووضوح.من كل ذلك يتحصل أن الامامه حصلت لابراهيم عليه السلام بعدأتمام الامتحان من جهه,وأن الامتحان حصل في زمن النبوه من جهه اخرى ونتيجة الجمع بين الجهتين ان الامامه منحت له بعد النبوه وهذا يعني ان النبوه غير الامامه وليست نفسها.
    الاحتمال الثاني:لايتم ايضا ,لان منح الامامه بعد النبوه يكشف عن كون الامامه مقاما أرفع من النبوه,خاصة مع وضوح انها اعطيت له بعد تعرضه لأنواع الأختبارات والامتحانات والابتلاءات,فلو لم تكن مقاما أرفع مكن النبوه لما كان لهذه الابتلاءات حكمه ومعنى.
    الاحتمال الثالث:لايصح,لان الآيه صرحت بوجود غرض اجتماعي من الامامه ,وذلك قوله تعالى(قال اني جاعلك للناس اماما) فيفهم من أن الامامه ليست شأنا روحيا عباديا فرديا خاصا,وانما هو شأن اجتماعي ومقام مدني "جاعلك للناس" ,فينحصر الأمر في الأحتمالين الرابع والخامس.
    وللموضوع تتمه
    sigpic

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم.....تتمة الموضوع
    الأحتمال الرابع:وهو أن تكون الامامه مقاما تشريعيا فوق مقام النبوه,
    الأحتمال الخامس:وهو أن تكون الامامه مقاما تكوينيا فوق النبوه,ومعنى المقام التشريعي المذكور وجوب أتباع النبي في جميع أقواله وأفعاله,ذلك أن النبوه والرساله لاتتطلبان في ذاتهما الأقتداء بالنبي والرسول في جميع الحركات والاعمال,وغاية ما تفرضانه هي الطاعه والأستماع لما يبلغ للناس من دعوه ورساله,اللهم الا أن يأتي دليل آخر غير الدال على النبوه والرساله فيدل على وجوب الأتباع العملي.مثل قوله تعالى(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه)فدليل النبوه يثبت وجوب امتثال بلاغات النبوه وأوامرها,ولايتعدى الى وجوب متابعة النبي في كل أفعاله وأقواله,وهذا الوجوب الثاني يحتاج الى أدله خاصه ومقام خاص وهو مقام الامامه,وحينئذ فالآيات الداله على لزوم طاعة النبي صلى الله عليه وآله تكون داله في الوقت نفسه على حيازته على مقام الامامه.
    والامامه التكوينيه تعني أن الامام واسطه لايصال الهدايه لمن هو أهل لها,فهناك هدايه تشريعيه موجهه للمؤمن والكافر معا,وهناك هدايه تكوينيه يختص بها المؤمن ويكون الامام واسطه في ايصالها اليه,وقد تبين بعد هذا أن امر الامامه يدور بين أن تكون مقاما تشريعيا فقط ,أو مقاما تكوينيا بعد الفراغ من كونها مقاما فوق النبوه.
    ومما يؤيد الاحتمال الأخير أن في سورة الانبياء جعل الهدايه التكوينيه من آثار الامامه,حيث قال تعالى(وجعلناهم أئمه يهدون بأمرنا) فأن الالهدايه في هذه الآيه ليست من قبيل أراءة الطريق وايضاح الهدف لاتمام الحجه كما هو شأن النبي المنذر ,وذلك لان الأمر هو قوله تعالى "كن"الذي لايتخلف عنه وجود المأمور ,فالهدايه بالأمر هدايه موصله الى المطلوب لاتتخلف عنه,فهي أمر فوق النبوه ومقتضياتها التشريعيه,ومن هنا نفهم أن من خصائص الامامه الهدايه التكوينيه ,التي تعني ايصال النفوس المستعده الى الهدايه التي تنشدها,وأن الأئمه وسائط تأثر أثرها في النفوس بأمر الله سبحانه,كما هو عمل الملائكه الذي يكون بأمره تعالى ,يقول تعالى(وهم بأمره يعملون).
    وبتعبير آخر:أن الامامه مقام ظاهره التشريع وباطنه التكوين,بمعنى أن ظاهر الآيه الشريفه (وهم بأمره يعملون) هو اثبات مقام تشريعي للامام يستلزم أن يكون قوله وفعله وتقريره حجه مطلقا على الخلق,وباطنها اثبات مقام تكويني للامام,ومن خواص هذا المقام التكويني جريان الهدايه الالهيه على يديه,ولايوجد أي تناف بين المعنيين التشريعي والتكويني,لانهما مترتبان طوليان,أي أحدهما يقصد ويراد به الآخر,كما هو الشأن في استفاده المعاني من الآيات وبطونها المتعدده ذات الوجوه المتنوعه التي لايؤدي الأخذ بأحدها الى بطلان الوجوه الأخرى.
    وهكذا يقودنا البحث الى اختيار الاحتمال الخامس ,وخلاصته أن الامامه مقام فوق النبوهوأنه مقام تشريعي وتكويني معا,ويكفي لاثبات صفته التشريعيه اطلاق عنوان ووصف الامامه على على شخص,فأن معنى هذا العنوان هو حجية أفعال وأقوال وتقريرات ذلك الشخص في جميع الامور التشريعيه مما يتعلق باتلانسان ومسيرته الكماليه,والا أصبح عنوان الامام بالنسبه له فاقدا لمعناه,بخلاف عنوان النبوه الذي لايستلزم في ذاته هذا المعنى ,وأنما قد يظاف اليه بأدله أخرى كما مر,أما الصفه التكوينيه فقد مر معناها واثباتها بآيه(وجعلناهم أئمه يهدون بأمرنا).
    الجهه الثالثه:شرط العصمه في الامامه.
    وهو المستفاد من ذيل الآيه(قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين),وهذا المقطع من الآيه يعد من الموارد القرآنيه التي بينت مدى اهتمام ابراهيم عليه السلام بأبنائه وعنايته الشديده بهم,فتاره نجده يستوهب الله سبحانه ذرية صالحه(رب هب لي من الصالحين),وأخرى يدعو أن تكون ذريته أمة مسلمه لله,وذلك في دعاء مشترك له مع ولده اسماعيل عند بناء البيت العتيق(ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمه لك),وثالثه يطلب منه سبحانه أن يجنبه وبنيه عبادة الاصنام (واجنبني وبني أن نعبد الاصنام).
    وفي آية الامامه التي نحن بصددها نجده يؤكد هذه السيره,فما أن تلقى البشاره بجعله اماما حتى بادر الى التسائل عن امكانية اعطائها لذريته,أو بتعبير آخر تسائل عن مدى أستحقاقهم له,وهل أنهم سيبلغون هذه الرتبه أم لا,فجاءه الجواب (لاينال عهدي الظالمين) بصيغة قانون سماوي صارم يدل على أن الامامه عهد الاهي ,الغرض أقرار الحق والعداله في الارض ,ولذا فانه لاينال الظالمين وليس بأمكانهم الوصول اليه ,اذ كيف يطلب من الظالم اقرار الحق والعداله,ومن الطبيعي أن يبلغ الأحتياط والتحفظ لحرمة الامامه ووضيفتها الالهيه والأخلاقيه درجه عاليه بحيث يمتد مفهوم الظالم المذكور في الآيه الى كل من أرتكب ظلما ولو بحق نفسه فقط ولم يتعد على حدود الآخرين وحقوقهم,والملاحظ في جواب الله سبحانه على سؤال ابراهيم عليه السلام أنه جاؤ اما ردا على بعض ما سأل ,أو تعينا لما أهمل أوتنبيها له على ما أغفل,ولعل الأحتمال الثاني هو أقرب للأعتبار وهو أن ابراهيم عليه السلام أهمل تخصيص السؤال بالصالحين من ذريته ,فجاؤ الجواب بتعين الامامة فيهم دون غيرهم,ويمكن ارجاع هذه الأحتمالات بعضها الى بعض ,وحينئذ لاتبقى ثمره لهذا التشقيق.
    وتبعا للأئمه عليهم السلام تمسك الاماميه منذ العهد الأول بهذه الآيه لاثبات عصمة الأمام كشرط لازم لامامته ,لصراحتها في عدم أهلية الظالم لهذا المقام السامي,ولا ريب أن من أظهر مصاديق الظلم الشرك بالله وعبادة غيره,حيث قال تعالى (أن الشرك لظلم عظيم) وأن أطلاق (الظالمين) شامل لكل ظلم سواء كان على الغير أو على النفس,وكل معصيه صغيرة أوكبيره ظلم لا يصلح مرتكبه لهذا المقام الشامخ,وقد ذكر أعلام الاماميه وجوها وتقريبات عديده لتوضيح دلالة الآيه على لزوم أن يكون الامام معصوما قبل أن يناله عهد الامامه ,وفيما يلي بعض هذه الوجوه.
    1/ان سؤال ابراهيم عليه السلام الامامه لبعض ذريته لابد وأن يقبل واحد من أربعه احتمالات :فالمقصود بالامامه اما ان يكون ظالما طيلة حياته,أو في الفصل الأخير منها ,أوأنها تلبس بالظلم فتره من حياته ثم تاب ,أو أنه رجل منزه عن الظلم طيلة حياته,والأحتمال الاول لايتوقع صدوره من شيخ الانبياء ابراهيم عليه السلام بحيث يطلب الامامه لفرد ظالم طيلة حياته,وكذا الأحتمال الثاني لما فيه من أنحراف الأمم والاجيال وضلالهم ونقض الفرض,فيبقى الأمر مرددا بين الأحتمالين الثالث والرابع,فجاءت آية الأمامه لتنفي الاحتمال الثالث ,فيبقى الأمر محصورا في الأحتمال الرابع,وهو خلو الامام من الظلم طيلة حياته,وهو معنى العصمه.
    2/أن قانون (لاينال عهدي الظالمين)جاء جوابا على سؤال ابراهيم الامامه لبعض ذريته ليؤكد أن دعاء ابراهيم لن يستجاب في الظالمين منهم ومن الواضح أن القانون المذكور يتحدث عن المستقبل وأن أطلاق وصف الظالم انما هو بملاحظة حال تلبسه وقيامه بالظلم لاخصوص حال صدور هذا الخطاب لابراهيم عليه السلام,وأن الامامه عهد ينزل من الله تعالى فيجري فيمن كان قابلا له ,ويلحق من كان لائقا به,من أرتكب الظلم في بعض حالات حياته فقد أنطبق عليه عنوان الظالم ومن أنطبق عليه عنوان الظالم فقد فقد بذلك صلاحية نيل عهده تعالى له وهو مقام الامامه.
    3/ان بالأمكان تقسيم الأوصاف الى قسمين :قسم لايكفي حصولها في وقت ما لبقاء صدقها على صاحبها بل يجب استمرارها وتواصلها كوصف العالم والعادل,وقسم آخريكفي في صدقها على صاحبها حصولها فيه وصدورها منه ولو في آن من الحياة كوصف القاتل والوالد .
    وعندما نلاحظ خصوصيات مقام الامامه وجو الآيه نجد أن وصف الظالم يلحق بالقسم الثاني دون الاول ,وذلك لأستقرار سيرة العقلاء على التجفظ الشديد في مجال منح المناصب السياسيه والاجتماعيه الهامه .وعدم الاكتفاء بملاحظة الحاله الحاضره للأشخاص المرشحين لها,بل التأكيد أيضا على ملاحظة السوابق السلوكيه والفكريه لهم ,فمن ثبتت له سابقه سلوكيه أو فكريه سيئه منع من الوصول الى المناصب الحساسه ,حتى لو كانت سيرته الحاضره مقبوله ,وربما لوحظت الحاله السابقه في أغراض أقل من ذلك كالزواج ,كل ذلك بسبب الاعتقاد بأن الماضي يؤثر في الحاضر بطريق ما ,شعوري أولاشعوري ,كما هي الفكره السائده الأن في علم النفس الحديث.
    وحينئذ فمن الطبيعي أن يبلغ الأحتياط والتحفض الدرجه القصوى في موضوع كالامامه ,الذي هو من أخطر المناصب على الأطلاق,وهو الذي يحدد سعادة الامه أوشقاءها ,أستقامتها أوأنحرافها ,والدرجه القصوى هي العصمه
    4/أن الآيه كشفت عن سنه الهيه في مجال أعطاء العهود والمناصب الألهيه ,وهي تأكد أن هذه العهود لن تعطى الا لمن له رادع داخلي عن الظلم والطغيان ,وليست الامامه سلعه تعطى ثم تسترد عند ظهور عدم صلاحية حاملها وصدور الظلم والطغيان عنه وانما تعطى لمن هو مأمون عن ذلك بنحو حتمي مثلها في ذلك مثل النمبوه,ولايحصل الأمن والأطمأنان الأكيد الا اذا وجدت ملكه نفسيه عاصمه وقوه قلبيه فائقه ,وهي ما تحتاج الى بنيه خاصه وشرائط تكوينيه مساعده وملكات تصونه عن الخطأ والأنحراف,وليس ذلك الا العصمه.وبعد بيان هذه الوجوه الأربعه,نلاحظ أن نسبة العهد الى الله تؤكد على أنه أمر لادخل للناس فيه وأنه تعيين الهي لاأنتخاب ولا أختيار للأمة فيه.وهذه الوجوه الأربعه انما تقام لاثبات شرط العصمه في الامامه عن طريق القرآن لمن لايعتقد بأمامة أهل البيت عليهم السلام وحجية كلامهم,أما المذعن لامامتهم والمعتقد بحجية كلامهم فهو في غنى عن هذه الوجوه,لورود روايات كثيره عنهم سلام الله عليهم تفسر الآيه بما قلناه وتبطل امامة كل من عبد صنما ,وأنه لايمكن أن يكون السفيه الذي رغب عن ملة ابراهيم اماما للمتقين,فقد ورد في مصادر الأماميه مسندا عن الامام الصادق عليه السلام "أن الله تبارك وتعالى اتخذ ابراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا ,وأن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا وأن الله أتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا ,وأن الله أتخذه خليلا قبل أن يجعله أماما,فلما جمع له الأشياء قال(اني جاعلك للناس اماما )قال فمن عظمها في عين ابراهيم قال(ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين)قال لايكون السفيه امام المتقين"وورد عن الامام الباقر عليه السلام مثله ايضا.
    وقد ورد عن طريق أهل السنه ما يؤكد هذا المعنى الذي ذكرناه.فعن أبي الحسن الفقيه أبن المغازلي الشافعي مسندا عن عبد الله أبن مسعود ,قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أنا دعوة ابراهيم"قلنا :يارسول الله وكيف صرت دعوة ابيك ابراهيم ؟قال "اوحى الله عز وجل الى ابراهيم أني جاعلك للناس اماما :فأستخف ابراهيم الفرح ,قال ومن ذريتي أئمه مثلي ؟فأوحى الله عز وجل اليه أن يا ابراهيم اني لاأعطيك عهدا لاأفي لك به قال :يارب ما العهد الذي لاتفي لي به؟قال :لا أعطيك لظالم من ذريتك عهدا :قال ابراهيم عندها (واجنبني وبني أن نعبد الاصنام رب أنهن اضللن كثيرا من الناس)قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم"فانتهت الدعوة الي والى علي لم يسجد أحد منا لصنم قط فأتخذني الله نبيا وأتخذ علي وصيا"(مناقب علي بن أبي طالب ص276-277)
    sigpic

    تعليق

    عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
    يعمل...
    X