إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ظاهر الدنيا وباطنها وطريق الكشف والمانع

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ظاهر الدنيا وباطنها وطريق الكشف والمانع

    بسم الله الرحمن الرحيم
    من المؤسف له حقا أن نكون نحن المسلمين الذين نؤمن بالله وأنبيائه على عمى حالنا وحال من لا يؤمن به سواء من هذه الناحية إلا القليل ممن سلك الطريق المستقيم الذي رُسم له.

    وأود في هذا الموضوع أن أبين بنظرة قرآنية-حسب ما ذكره العلماء- ظاهر الدنيا وباطنها ,و أمر القرآن الكريم لنا برؤية الباطن, والطريق الى ذلك, ومعرفة الحجب والموانع , وبذلك يتضح مانحن فيه من ضلالة وما وصل اليه الانبياء والأئمة واهل الصلاح من مقام,
    وعندها تُحل الكثير من القضايا الغير مفهومة والتي لا يتحملها العقل البشري العادي أحيانا.

    القرآن الكريم يوضح لنا بعدة الفاظ أن لهذا الوجود ظاهراً وباطناً, أو مُلك وملكوت فالمُلك الظاهر والملكوت الباطن, أو تنزيل وتأويل والتأويل هو الباطن, أو خلق و أمر والخلق ما يحتاج الى أسباب ومسببات و الأمر خلاف ذلك فهو كن فيكون.

    القرآن الكريم وهذه الحقيقة

    يمكننا أن نقسم الوجود المادي إلى ثلاثة اقسام:

    الأول- الكون الذي خلق للإنسان, والقرآن الذي نزل لهدايته , و الإنسان نفسه.
    ونحن لو نظرنا في القرآن الكريم لرأينا عجبا , فكل شيءٍ له ظاهر و باطن والله سبحانه وتعالى يريد منا أن نصل إلى الباطن (من عرف نفسه عرف ربه). ولكنا لا نزال في عمى ولا نرى الا هذا الظاهر الا من جاهد نفسه فرحمه الله (ومن تقرب إليَّ شبرا تقربت اليه ذراعا)
    نذكر أولا بعض الآيات ثم نوضح الموضوع
    1- فيما يخص الكون نذكر للمثال:
    قوله تعالى: (..له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع..)الكهف 26
    قوله تعالى: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) 7 الروم
    و يظهر من الآيتين أن الغيبَ تُقابله شهادةٌ، و أنَّ الظاهرَ يقابله باطنٌ
    وقال تعالى: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) الاسراء 44
    والتسبيح المذكور للسماوات و الأرض و بقية الموجودات من الباطن الذي لا يراه كل أحد
    2- و فيما يخص الكتاب العزيز
    قال تعالى: (إنه لقرآن كريم ( 77 ) في كتاب مكنون ( 78 ) لا يمسه إلا المطهرون .79) الواقعة
    وقال تعالى: ( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم )4 الزخرف .
    و قد بينت الآيتان أنَّ للقرآن حقيقتين، حقيقة ظاهرة، يمكن للناس التوصل إليها، فقد انزله الله الينا من مكانه العلي بهذا الشكل وبهذا المستوى كي نتعقله, و حقيقة باطنة لا يصل إليها إلا من وصل إلى منزلة عالية تؤهله لنيلها ، و هم المطهَّرون ,.
    3- و فيما يخص الانسان
    قال تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون)122 الانعام
    فهذا الموت ليس موت الجسد المعهود ، كما أنَّ الحياة في الآية المباركة ليس هذه الحياة الجسدية المادية التي نعهدها و نشهدها .
    ولذا يخاطب الله سبحانه الأحياء بقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)

    وقال تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى(11) أفتمارونه على ما يرى(12) )النجم
    وقال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)179الاعراف

    فهذا التعقل غير مانعرفه وكذا البصر و السماع المعهود والا فهم يتعقلون ويرون ويسمعون
    وقد وضح الله سبحانه هذا في سورة الحج: قال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) 46
    ولعل ذكر القلب كونه ينبض بالحياة ويغذي الجسم فهو كناية عن التعقل الروحي الغير مادي ولم يقصد به القلب الحقيقي وقد وضحت الاية في سورة طة ذلك قال تعالى:
    (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى(126)
    والنسيان وظيفة النفس لا العين ولا القلب المادي
    وقال تعالى: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) الاسراء72
    وهذا هو عمى الروح.
    وبهذه الجولة السريعة في القرآن الكريم اتضح لنا ان لهذا الوجود ظاهراً وباطناً, و أن الله يريد منّا أن نرى باطن الأشياء لا ظاهرها فقط
    ولذا من يتعامى عن الغيب بالجملة فجزاؤه العمى في الآخرة
    ومن الآيات التي تأمرنا بالوصول الى رؤية الباطن قوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) 99 الحجرات
    والوصول الى اليقين يلازمه الكشف ورؤية الباطن كما سيأتي .
    مثال للتوضيح
    ذكرنا أنَّ لكل شيءٍ باطناً، فللقرآن الكريم باطن بل بطون وكذا للكون ولتقريب المعنى نقول:
    إننا نرى في هذا الكون هذه الكائنات من جماد ونبات وحيوان ونشاهده بأعيننا متناسقاً بهذا الشكل, ولكن هناك عالماً آخر مخفيٌ، عنا وهو عالم الجراثيم والمكروبات وما شابه وحينما نسلط المجهر يخرج لنا هذا العالم الغير مرئي.

    وهناك عالم آخر وهو عالم الذبذبات والقوة الكهربائية والبث وما شابهه , فنحن نرى سلكا كهربائيا هادئا ولكنه طافح بالقوة الكهربائية بمجرد أن تلمسه يصعقك صعقة قاتلة, ومثل هذه الذبذبات والبث لا نراه ولكن حينما نضع اللاقط (Receiver) والتلفزيون تظهر لنا هذه الأصوات والصور
    وهناك عالم الجن والملائكة والشياطين وهكذا.
    وبما يخص الرؤية والسمع والتعقل القلبي يمكننا أن نمثل له بالاحلام والرؤى، فنحن في عالم الأحلام نشاهد ونتعقل ونسمع ونركض وغير ذلك، بينما أعضاءنا الخارجية في معزل عن ذلك، أي أننا نرى بغير البصر ونسمع بغير الأذن وهكذا. أما اذا وصل الانسان الى اليقين فهو يرى بقلبه حقائق الاشياء من غير شك ولا شبهة.

    فإن كان عالم المكروبات لانراه الا بالمجهر، وعالم البث لانراه إلا بالأجهزة الملائمة فعالم الباطن وارتباط الموجودات بالله سبحانه وحقيقة قبح الذنوب لانراها الا بأدوات خاصة و إليك البيان .

    يتبع ان شاء الله
    التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 21-05-2011, 05:32 PM.

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الطريق الموصِل إلى رؤية الباطن:
    لقد بيَّن لنا القرآن الكريم أن لهذا الكون باطناً، و بيَّن لنا أيضا الطرق الموصلة إليه، و بيَّن كذلك الموانع التي تمنع العبد من الوصول إلى الباطن.

    فما هو المانع الذي يجعلنا بمعزل عن حقائق الاشياء؟
    وما هو الحاجب الذي يحجبنا عن رؤية الملكوت؟

    يجيبنا سبحانه على ذلك بقوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( 14 ) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( 15 )... كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ( 18 ) وما أدراك ما عليون ( 19 ) كتاب مرقوم ( 20 ) يشهده المقربون )22 المطففين
    تبين الايات الكريمة-وهي تتكلم عن الفجار والأبرار والمقربين - أنَّ اكتساب الذنوب يسبب ريناً على قلب الإنسان فيمنعه من الرؤية.
    والرين في اللغة هو صدأ يعلو الشيء الجليل والنفيس، وقبال هؤلاء يكون الأبرار وكتابهم في عليين في ذلك المكان العال، ولكن المقربين الذين طهروا قلوبهم من الرين ورجاسة الذنوب يُكشف لهم فيرون كتاب الأبرار والذي هو في العالم العلوي و قد فسِّر الكتاب بالقضاء الذي فيه أعمالهم .

    وإذا عرفنا من خلال هذه الآيات الكريمة أن قسما من الناس يكتسبون الذنوب فتسبب حجاباً بينهم وبين الله، وأنَّ قسما آخر -بسبب ابتعاده عن المعاصي واكتسابه الطاعة- يُقرَّبُ منه سبحانه، فيُكشف له، و يرى كتاب الأبرار الذي هو في عليين, نعرف أن الذنوب حاجبة عن رؤية الباطن و أن الطاعة كاشفة ورافعة للحجب

    الآية الثانية التي نذكرها قوله تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)الحجر 99
    في هذه الآية يأمرنا الله بالعبادة والعبودية لله حتى يأتينا اليقين
    واذا جمعنا بين هذه الآية وقوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين ( 5 ) لتروُّن الجحيم ( 6 ) ثم لتروُّنها عين اليقين)التكاثر 7
    يتبين أن الذي يصل إلى اليقين يكشف له ويرى الجحيم, قبل الآخرة كون الاية اللاحقة تذكر: ثم لترونها، أي أن هذه الرؤية غير الرؤية الأخروية, ففي الآخرة لا تختص رؤية الجحيم بأهل اليقين.
    وهو نظير قوله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) الانعام 75
    فإبراهيم عليه السلام كُشف له ملكوت السموات والأرض حتى يكون في زمرة الموقنين
    واذا كانت السماء الدنيا المزينة بزينة الكواكب تقاس بالسنين الضوئية لسعتها نعلم عند اذ عظمة رؤية ملكوت السموات.
    وبهذا يتضح أن الذي يصل إلى اليقين برفع حجب المعاصي و الإخلاص في العبادة، يُكشف له ويرى باطن الأشياء، كلٌ حسب درجته , ولنذكر جوانب أخرى للإيضاح:
    قال تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). الكهف 65
    الاية الكريمة تتحدث عن الخضر و أن علمه ليس علما عاديا بالتعلم بل هو (من لدنا) علمٌ لدنّي
    يهبه الله لمن عشقه واتقاه.
    قال تعالى: (..واتقوا الله ويعلمكم الله..)البقرة 282
    هذه الآية تقرر لنا أمراً غير عادي وهو: إن لتعلم العلوم الظاهرية طرقاً معروفة، و هي التي بنيت لأجلها المدارس والجامعات , ولكن هناك طريقاً آخر للتعلم و لرؤية الباطن وحقائق الاشياء وهو طريق التقوى باجتناب المحرمات و إقامة الواجبات و إليه أشار الحديث المنسوب الى النبي(صلى الله عليه و آله):
    (ليس العلم بكثرة التعلم ، إنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه ) فكلما تقرب العبد إلى مولاه، فتح الله له بابا من معرفته (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) العنكبوت69
    وهكذا خطوة خطوة (ومن عمل بما علم علمه الله ما لا يعلم) حتى يكشف الله له الباطن حسب درجته
    فبالتقوى يعلمنا الله –كما تشير الآية والحديث –و إليه يشير الإمام زين العابدين(ع) فيما روي عنه في مناجاة العارفين:
    (..إلهي فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم ، وأخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون، وشرائع المصافاة يردون. قد كُشف الغطاء عن أبصارهم، وانجلت ظلمة الريب عن عقائدهم وضمائرهم، وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم، وانشرحت بتحقيق المعرفة صدورُهم..)

    وهناك قصص كثيرة لمكاشفات العرفاء - حتى من غير أهل العلم - ولكنهم عادة يتكتمون، فقد كان لي قريب صغيرٌ مع أبيه في الأهوار، وبعد الانتفاضة انتقل الى إيران فأدخله أبوه في الحوزة، فهو جاء من صفاء الهور قبيل بلوغه ثم دخل الحوزة وكان والده متدينا فساعده ذلك على الابتعاد عن الذنوب وأخذ العلم –وخصوصا علم الأخلاق –مثل كتاب جامع السعادات، بصدق وتطبيق فكان ينقل لي بعض ما يفيض الله عليه في تلك الفترة .
    وصديقٌ آخر أعدم صدام أباه و أعمامه الثلاثة، وكان هو في المتوسطة، فوجد من يرشده إلى الطاعة و حب الله, نقل لي امراً عجيبا من هذا النوع من العلم حصل له في ليلة كان هو قد نذر أن يصلي فيها خمسين ركعة, وآخر كشف له قبل النوم وهو يهلل الله أن الموجودات بأجمعها تهلل معه من لحافه المتدثر به إلى عنان السماء ومثل هذا كثير.

    الغفلة:

    قال تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد )ق 22
    والغفلة لا تكون إلا عن شيءٍ موجودٍ قابلٍ للالتفات إليه, و سبب الغفلة انشغال القلب بأمرٍ، يجعله لا يلتفت مع هذا الانشغال إلى الأمر الآخر، حتى لو كان هذا الأخير أهمَّ من الأول، فمن اشتغل بالذنوب يغفل عن الله سبحانه، و الطريق إلى رفع هذه الغفلة هو تخلية القلب من الذنوب وتحليته بالطاعة والحب الإلهي، فقد روي عن الصادق(ع) :
    (وهل الدين الا الحب). و هذه التخلية و التحلية، تجعل المرء واعياً لما غفل عنه العصاة ولم يروه الا بعد كشف الغطاء بالموت وقد روي عن النبي(ص): (موتوا قبل أن تموتوا)
    و قد روي عن الصادق عليه السلام : (لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لرأوا ملكوت السماوات والأرض)
    يتبع ان شاء الله

    تعليق


    • #3
      بسم الله الرحمن الرحيم

      حقيقة الذنوب
      للذنوب حقيقة تراها الملائكة ويراها أهل التقوى الحقيقية الذين أزاحوا الحجب المظلمة و جلَوا قلوبهم من رين الذنوب:
      و قد ضرب الله سبحانه أمثلة عدَّة لحقيقة الذنوب في الكتاب العزيز، نكتفي بإيراد مثالٍ واحدٍ منها، و هو قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا).10 النساء

      فقد أخبرت الآية عن حقيقة أكل مال اليتيم بغير حق -وهو طيب ظاهراً- أنه نارٌ واقعاً في الدنيا، إلا أنه لا يرى هذه النار و لا يحس بها، و لعل ذلك راجع إلى أن العيش في الدنيا يشبه التخدير، فحينما يخدر عضوٌ من الانسان، يقوم الطبيب بشقه وقطعه ورتقه وهو لا يحس بذلك .

      وللذنوب أيضا روائح كريهة يشمها العارفون، ونحن عنها غافلون، وهي أنتن من الجيفة.
      ففي الحديث: قال رجل لصاحبه: "هذا اقعص كما يقعص الكلب فمر النبي معهما بجيفة فقال: ( إِنهشا منها فقالا: يا رسول الله ننهش جيفة؟ فقال: ما أصبتما من أخيكما أنتنُ من هذه).

      روي عن امير المؤمنين(ع): (تعطروا بالاستغفار لا تفضحكم روائح الذنوب)
      فالنبي(ص) يحسُّ نتانتها الباطنية كونه مطهراً و أنه سيد الموقنين
      وكيف لا تكون الغيبة كذلك وقد بين الله سبحانه قبحها بقوله تعالى: (...ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم )الحجرات 12
      وقبال ذلك طيب العمل الصالح والذي يكون أحيانا شاقاً وسيئاً في الظاهر ولكن حقيقته مبطنة بالرحمة والريحان:
      فعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال: ( إن العبد ليقوم يقرأ الحواميم فيخرج من فيه أطيب من المسك الأذفر والعنبر) . وهي السور التي تبدأ بـ(حم)
      و روي عن النبي(ص): (..والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)
      بيد أنا نراه في الظاهر ريحا كريهة

      رؤية الأنبياء والأئمة(ع)

      نوضح أولا دليل رؤية الباطن لمن تلبس بالامامة الإلهية:
      قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة 24
      أوضحنا أن من يصل الى اليقين يرى الباطن وهذه الاية الكريمة توضح ان الامام لاينال مقام الامامة الا بعد الصبر واليقين ومن وصل الى اليقين يمس الباطن كما بينا.
      وقد ذكر الله سبحانه كما مر ان القرآن الذي هو في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون وهو بمكان رفيع غير هذه الالفاظ وهو من الباطن، والمطهرون بنص القرآن هم أهل البيت عليهم السلام. قال تعالى: (..إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) الاحزاب 33
      اذا عرفنا ذلك نقول:
      لقد تبين مما سبق أن لهذا الكون ظاهراً وباطناً, و أن الباطن هو مسُّ حقيقة الأشياء, و أنَّ من يصل إلى اليقين يرى ملكوت وباطن الاشياء كل حسب درجته, وعرفنا أيضا أن للذنوب باطناً مرعباً من أكل النار وما شابه و أن لها رائحة كريهة منفرة و أن للطاعات حقيقة عكس ذلك.
      فإذا كان النبي والامام يرى حقيقة الذنب من جانب هول العقاب ومن جانب قذارته فهل يمكن أن نتصور منه ذنبا أو همّاً بمعصية؟
      عصمتنا الجزئية:
      وهنا أمرٌ مهمٌ بودّي أن ألفت النظر إليه، وهو أن للعصمة مراتب، يسلكها الإنسان إلى أن يصل الى العصمة المطلقة، فنحن حينما نقف على شاهق لا نرمي بأنفسنا منه، وحينما نرى سَمّا لا نتناوله، كوننا وصلنا إلى اليقين بعاقبة هذه الأفعال–العاقبة التكوينيَّة-، بل ولا نهمُّ بذلك، لمعرفتنا أن من سقط تكسرت عظامه ومن تناول السمَّ تمزقت أحشاؤه
      وكذلك وصل الكثير منا الى العصمة في كثير من الذنوب ورأينا قذارتها –كل حسب مرتبته- فقد عصمنا انفسنا من أكل الغائط، كوننا رأينا قذارته وعصمنا انفسنا مثلا من اكل الفأر والجرذ وما شابه بل ولا نفكر بها ولا تهم انفسنا بذلك.

      أما من يرى الباطن فهو يرى قذارة الذنب الواقعية، تمامأ كما نرى نحن قذارة أكل الغائط أو شرب البول، بل أشد, ناهيك عن حبه لله وتعلقه بجماله وجلاله وبعلمه بحضور الحق عنده .

      عالم الخلق وعالم الامر:

      واذا وصل الانسان الى اليقين وكشف الله له الباطن تمكن من عالم الامر حسب مقامه و هو غير عالم الخلق فالخلق يحتاج الى مقدمات و سبب ومسبب، أما عالم الامر فدفعي واقع بين الكاف و النون (كن فيكون) قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون )يس 82
      هناك حديث شريف اتفق عليه الفريقان وجاء في أمهات الكتب عند السنة كالبخاري وعند الشيعة كالكافي: (قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قال الله عز وجل : من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي وما تقرب إلي عبد بشئ أحب إلي مما افترضت عليه وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته ..)
      واذا وصل الانسان الى تلك المنزلة ونظر بنور الله فهل يكون حاله وحالنا –نحن الغافلين-سواء؟
      نقل لي بعض الاصدقاء انه عندما كان في مقتبل العمر، و كان على صفاء ومحبة مع الله، ألهمه الله في إحدى الليالي وهو في الصلاة أنه هيمن على الموجودات و أن باستطاعته أن يفعل ما يريد ولكن من أدوات هذا المقام الاستهانة بالدنيا.

      يقول وانا في هذه الحالة ازددت حياءً من الله وبكاءً، فلم يقم الا بأمر واحد وهو شفاء أحد المرضى، فبمجرد المسح عليه وذكر الصلاة على محمد وال محمد بنية الشفاء سكن من ساعته, وكانت هذه الحالة فقط في تلك الليلة وانتهت.
      ومن عالم الأمر ما ذكره لنا القرآن من قصة آصف بن برخيا، وصيِّ نبيِّ الله سليمان عليه السلام، قال تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده..)النمل 40
      وعلم هذا الكتاب واستعماله لم يكن بالتعلم والذكاء بل بسلوك طريق التقوى. و لنقف على أمير المؤمنين (ع) ويكون ختامنا مسكاً:
      يتبع

      تعليق


      • #4
        من المتابعين
        سيدنا العزيز
        في ميزان حسناتكم
        sigpic

        تعليق


        • #5

          بسم الله الرحمن الرحيم
          ولله الحمد والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

          لقد شدّني بحثكم الرائع لأن أتابعه وبشغف لما فيه من الانسيابية والتدرج، ولكن لم أتمالك نفسي من أن أدخل وأدرج مداخلة بسيطة..

          لنعلم بادئ ذي بدء انّ هناك إرتباطاً وثيقاً بين الظاهر والباطن، فلا غنى لأحد عن الآخر، فكل منهما مؤثر بغيره ومتأثر به..
          فمثلاً لو تصدّق الانسان بصدقة ما، فان كانت وفق الشروط العبادية الاستحبابية فستؤثر بقلبه وهذا بدوره سيؤثر على سماحة الوجه مثلاً ويكون محبوباً لدى الناس بالاضافة الى الدفع الداخلي النفسي ليحث الجسم على تكرار العمل، لذا فقد تأثر الجسم بهذا العمل، فصارت العملية تبادلية كأنها عملية أفيدك وتفيدني..
          وانّ للمعرفة والعلم مدخلية كبيرة في هذا الجانب إذا كان يُستقى من منبعه الصافي..

          على العكس من إرتكاب المحرم فانّه وان كانت هناك نفس أمارة بالسوء ولكن في حقيقة الأمر هناك نفس لوّامة أو مايدعى بوخز الضمير وصوت داخلي ينهره عن فعل الحرام، ولكن لظروف معينة نوّم وخُدّر بحيث لا يستطيع أن يغير شيئاً..


          بانتظار بقية البحث ولنا عودة ان شاء الله تعالى...

          تعليق


          • #6
            بسم الله الرحمن الرحيم


            الاخ الكريم الطائي شيخي المفيد اشكركم على التعليق والاهتمام


            وحبذا لو اظفتم ما يدعم البحث من مصاديق اخرى لحقيقة الذنوب مثلا


            نكمل الموضوع ونتمه



            بخاتمة في علم امير المؤمنين:



            ذكرت الآية المتقدمة أنَّ الذي عنده علم من الكتاب( أي بعض علم الكتاب) تصرَّف بعالم الأمر (كن فيكون) - لا بعالم الخلق و السب و المسبب المادّي - و أتى بعرش بلقيس من اليمن إلى الشام في أقلَّ من لحظة.


            و هناك آية اخرى تذكر أن هناك من عنده علم الكتاب كلِّه، و ليس بعضه، قال تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)الرعد 43



            فقد جعل الله هذا الشاهد الذي عنده علم الكتاب بمنزلة عظيمة فالله يشهد بصدق الرسالة ومن عنده علم الكتاب, فهو شاهد وعنده علم الكتاب.


            و لننظر إلى آية أخرى:


            قال تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه..)هود17


            في الآية الأولى إثبات أن الشاهد هو الذي عنده علم الكتاب, وفي هذه الآية أن الشاهد منه أي من النبي(صلى الله عليه و آله)،


            وحينما نرجع الى الروايات الصحيحة في كتب السنة والشيعة نجد النبي(صلى الله عليه و آله) يثبت أن علياً (ع) منه.


            ففي صحيح البخاري كتاب الصلح باب كيف يكتب: (وقال (صلى الله عليه و آله) لعلي أنت مني وأنا منك)


            وقد نقل السيوطي و غيره في تفسير الآية أكثر من رواية تثبت أن الشاهد أميرُ المؤمنين، منها كما في تفسير السيوطي قال: ( أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي الله عنه في الآية قال رسول الله على بينة من ربه وأنا شاهد منه.


            بهذا العرض تبين أن آصف أتى بعرش بلقيس بقدرة غيبية يعني بعالم الأمر كونُه أعطيَ علما من الكتاب لكونه تقياً، وهذا العلم ليس من علم الظاهر كما بينا .


            وتبين أنَّ أمير المؤمنين(ع) أُعطيَ علم الكتاب كله لا بعضه. و محصلة ذلك أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام له من العلم الّلدنّي ما يستطيع معه أن يتصرف بعالم الإمكان بإذن الله ما الله أعلم به منا.


            وبهذا يتضح بطلان بعض الروايات التي جاءت من طرق السنة بكون الذي عنده علم الكتاب هو عبد الله بن سلام وقد كذبوا ذلك هم انفسهم فقد جاء في تفسير السيوطي وغيره


            عن أبي بشر قال سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى * ( ومن عنده علم الكتاب ) * أهو عبد الله بن سلام فقال كيف وهذه السورة مكية).


            و فيما قدمناه من دليل قرآني كفاية للدلالة على بطلان هذا القول والحمد لله رب العالمين.
            التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 26-05-2011, 05:05 PM.

            تعليق


            • #7
              ذكر علماء الأخلاق في بيان مفهوم الذنوب وتقسيماتها إن الذنوب تنقسم إلى ما بين العبد وبين الله وإلى ما يتعلق بالعبد خاصة كتركه الصلاة والصوم والواجبات الخاصة به وما يتعلق بحقوق العباد كتركه الزكاة وقتله النفس وغصبه الأموال وشتمه الأعراض وكل متناول من حق الغير، فأما نفس أو طرف أو كمال أو عرض أو دين أو جاه وقد تناول الدين بالإغواء والدعاء إلى البدع والترغيب في المعاصي وتهيج أسباب الجرأة على الله كما يفعله بعض الوعاظ بتغليب جانب الرجاء على جانب الخوف وما يتعلق بالعباد والأمر فيه أغلظ وما بين العبد وربه إذا لم يكن شركاً فالعفو فيه أرجى وأقرب وقد جاء في الخبر:
              الدواوين ثلاثة: ديوان يغفر وديوان لا يترك وديوان لا يغفر، فالديوان الذي يغفر ذنوب العباد بينهم وبين الله، وأما الديوان الذي لا يغفر فالشرك، وأما الديوان الذي لا يترك فمظالم العباد أي لابد وأن يطالب بها حتى يتفصى عنها.
              فقد روي في الكافي أن أمير المؤمنين (ع) قال: الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور وذنب غير مغفور وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه، قيل: يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا، قال: نعم، أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله على ذنبه في الدنيا فالله تعالى أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرتين، وأما الذنب الذي لا يغفره الله فظلم العباد بعضهم لبعض إن الله إذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه، فقال: وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كف بكف ولو مسحة بكف ولو نطحة ما بين القرناء إلى الجماء فيقتص للعباد من بعضهم لبعض حتى لا تبقى لأحد على أحد مظلمة ثم يبعثهم الله للحساب وأما الذنب الثالث فذنب ستره الله على خلقه ورزقه التوبة منه فأصبح خائفاً من ذنبه راجياً لربه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب.
              وسئل أبو جعفر (ع) عن رجل أقيم عليه الحد في الرجم أيعاقب عليه في الآخرة؟ فقال: إن الله أكرم من ذلك.
              قال ( عليه السلام ) :
              ( لَيْسَ مِنْ عِرْقٍ يَضْرِبُ ، وَلاَ نَكْبَةٍ ، وَلاَ صُدَاعٍ ، وَلاَ مَرَضٍ ، إِلاَّ بِذَنْبٍ ، وَمَا يَعْفُو اللهُ أَكْثَرُ ) .

              أما فيما يتعلق بدور المعاصي في سلب الخشوع من قلب الانسان وأثرها في إبعاده عن العبادات والأعمال الصالحة، فان الروايات عن أهل البيت (ع) كثيرة جداً بهذا الصدد، فقد روي عن النبي الأعظم (ص)، أنه قال: (اتقوا الذنب فانها ممحقة للخيرات، أن العبد ليذنب الذنب فينسى به العلم الذي كان قد علمه، وان العبد ليذنب الذنب فيمنع به من قيام الليل، وان العبد ليذنب الذنب فيحرم به الرزق، وقد كان هنيئاً له).
              ومما يذكر في هذا الموضوع، ان رجلاً جاء إلى الإمام علي (ع) وقال له: (إني قد حرمت الصلاة بالليل، فقال له الإمام: أنت رجل قد قيدتك ذنوبك).


              الاخ والاستاذ القدير
              سيد معد
              بحث في غاية الروعة والاهمية
              تقبل مداخلتي البسيطة بالنسبة الى بحثكم القيم
              sigpic

              تعليق


              • #8
                أحسنتم كثيرا
                جزاكم الله عنا خير جزاء المحسنين
                sigpic

                تعليق


                • #9
                  بسم الله
                  الاخ عمار الاخت ام الفواطم
                  نشكر تعليقكم على الموضوع
                  ونسال الله ان ينفعنا واياكم بما نقرء وبما نقول

                  تعليق

                  المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
                  حفظ-تلقائي
                  Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
                  x
                  إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
                  x
                  يعمل...
                  X