إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سفر الروح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سفر الروح

    سفرة الروح
    الأخوة الأعزاء:
    السلام عليكم
    قرأت قبل مدة القصة التالية بعد أن أرشدني إليها أحد الأخوة الأعزاء معي في العمل، وتأثرت بها كثيراً كما تأثر بها كل من قرأها، فأعجبني أسلوبها الرائع المشتمل على الترغيب والترهيب في آن واحد والتذكير بالآخرة والحذر من المعاصي والخوف من الذنوب وغيرها الكثير من المعاني التي سوف تجدونها فيها، وقد ذُكرت في كتاب (مسير الأرواح في البرزخ) لمؤلفه: أصغر بهمني، فبحثت عن الكتاب في الكثير من مواقع الإنترنيت فلم أجده، إلا مقاطع منه، فاقتبست هذه القصة وقمت بإجراء بعض التعديلات الضرورية عليها من تصحيح وتشكيل وحذف، لكي تكون صالحة للنشر والنفع للمؤمنين...
    أخوكم
    منير الحزامي (الخفاجي)
    كربلاء المقدسة
    والقصة هي:
    شعرتُ ببعض الألم فأحسستُ بقرب الأجل فعلمتُ بأني أحتضر، وجهوني نحو القبلة وبدأوا يلقنونني الشهادتيـن.. وإذا برجل يلبس ملابس بيضاء قادم إليَّ من أطراف أصابع قدمي ويتجه نحوي، وكلما يتقدم يزداد معـه ألمي، وأشعر بالألم في العضو الذي يتحرك منه حتى وصل إلى حلقومي, ثقل لساني عن التلفظ بالشهادتين.. وهذا بسبب أصوات كنت أسمعها من جنبي تحاول إزعاجي ومنعي من التلفظ بالشهادتين.. وإذا بأنوار ساطعة من بعيد تقترب مني وباقترابها تبتعد الأصوات المزعجة, نطقتُ الشهادتين فارتاح قلبـي ومعه جسمي من تلك الآلام التي كنت أشعر بها.. سمعت في غرفـتي صياحاً ونحيباً والجميع يلتفون حول شيء ما.. تعجبتُ!!.. وما إن ذهبتُ لأرى الأمر حتى رأيتُ نفسي مُـمدداً!!.. إذن مــن أكون أنا، وها أنا أرى نفسي على الأرض؟!
    عند ذلك رأيتُ ذلك الرجل ذو الملابس البيضاء يقول لي: أنت روح ذلك الرجل... لقد ودّعتَ دنــياك، وانفصلتْ روحُـكَ عن بدنك، وبدأتَ حياةً جديدةً في البرزخ بجسدك البرزخي (الشفاف)! حاولتُ إسكاتَ الباكين والتخفيفَ عنهم إذ إنـني ما زلتُ موجوداً فلم يسمعوني لأنهم لا يرون سوى جسدي المادي، أما المعنوي فلا يراه إلا مَن هم مثلي الذين ودعوا دنياهم بلا عودة.. إذن أنا قد مُتُّ، فماذا بعد الموت؟
    لفوني بقمـاش ثم أخذوا بجسدي إلى المغتسل.. غسلوني ثم لفوني بكفـن وأدخلوني في صندوق ثم أخرجوني من المغتسل وهم ينادون بالصـلاة... خفتُ قليلاً.. كنتُ مستغرباً.. كيف سيوارون جسدي في التراب وأنــا أنظر؟ وهل ستدخل روحي التي لا يراها سواي مع جسدي في القبر؟؟
    بعد الصلاة ارتاحت نفسي قليـلاً ودخلت نفسي الطمأنينة.. كانوا أهلي وأصدقائي ومعارفـي يحملون التابوت الذي فيه جسمي وهم ينادون: (لا إله إلا الله).. كـان بعضهم حزيناً، وبعضهم عادياً، وبعضهم يتهامسـون في تجاراتهم، ومنهم من كان يفكر فيما امتلكه، فاستغربت في أني أستـطيع سماع ما يفكر به؟؟ رأيتُ حفرةً من بعيد وبجانبها قبور أخرى.. أعرف هذا المكان فطالما كنت آتي هنا لزيارة أهلي الموتى وأترحم عليـهم، وكثيراً ما تخيلت نفسي محـمولاً في يوم ما إلى هذا المكان وها قد أصبح الخيال حقيقة، كنت أظنها بعيدة عني في يوم ما... انتابني الرعب وأنا أتخيل نفـسي في هذه الحفرة الضيقة..
    وبالفعل، ما هي إلا دقائق إلا وهم يخرجون جثـتي من الجنازة ويدخلونها إلى اللحد، وفجأة رأيـت نفسي داخل اللحد والناس تنظر إليَّ وأحدهم يدنو مني ويناديـني باسمـي ويلقنني ببعـض كلمات طالما قرأتُها في الكتب... كنتُ أسمعه وأردد ما يقول، وبعد لحظات رموا الصخور والتراب علـيَّ.. فتـألمتُ كثيراً.. وقررتُ الهروبَ من القبـر حتى لا أُدفنَ في ذلك المكان الضيق، ولكني لم أتمكن من ذلك.. كنتُ أصرخُ: ويلكم، لا ترموا عليَّ الصخور والتراب.. إنني أتألم.. لكن لم يسمع صرختي أحد.. وجدت نفسي في الظلام، وأصوات أقدام المشيعين تبتعد عن القبر، وأنا أصرخ فيهم: يا قومي لا تتركوني وحيداً في الظـلام! هلموا إليَّ.. لا تبتعدوا ندمتُ ندماً شديداً على ما جمعته في دنـياي من أجل دنيا فانـية.. ندمت على كل لحظة ضيعتـها في غير عبادة الله..
    وخشيت من رؤية منكر ونكير.. فحتماً هـما قادمان لمسائلتي.. وأنّى لي الجواب.. بماذا أجيبهم؟ وهل لي من الأعمال ما تكفيني على تحمّل ما سأواجهه الآن؟ كل شيء انتهى وجاء وعد الرحمن. إنه الموت الذي كنت منه أحيد وها هو بصري الآن حديد... وبينما أنا غارق في أفكاري.. وإذا بصوت يخاطبني وكأنه سمــع ما يدور في مخيــــلتي: لن تعود أبداً فقد اُغلقتْ صحيفةُ حياتك.. ستمكثُ هنا في البرزخ إلى قيام الساعة.. أنا (رومان) من ملائكة الرحمن، جئتُ لأحصــي أعمالَك الصالحة والسيئة لأدوّنها في صحيفة، أعلقها على رقبتك حتى تستقبل خالقك وصحيفتك في عنقك..
    وباشر (رومان) بأداء مهمته التي جاء من أجلها ورحل بعد أن علق صحيفة أعمالي في رقبتي.. فأحسستُ بثقلها.. ثم جاء بعـدها شبحان أدركتُ أنهما منكر ونكير... تقدما مني وصاحا صيحةً لو سمعها أهلُ الدنيا لماتوا، ثم باشـرا بالسؤال وفي يد أحدهم عموداً من حديد: مَن ربُّكَ؟ ومَن نبيُّكَ؟ من إمامُك؟ تلكأ لساني من شدة الرعب، وتوقفتْ حواســـي عن العمل، وأغمضتُ عيني وأطرقتُ برأسي وأنا أنتظر نزول العمود الحديدي على رأسي.. أحسستُ أني سأموتُ من جديد.. توسلتُ بمحمدٍ وآله الأطهار (ع) كما كنتُ أفعلُ في دنياي... فإذا بلساني ينفتح ويردد: (الله ربي، ومحمد نبيي، وعلي إمامي، والقـرآن كتابي، والكعبة قبلتي، و... إلخ).. وإذا ببابٍ ينفتح من أعلى رأسي يخبُّ منه نسيمُ الجنة... تنوّرَ قبري واتسع لحدي ومضى الملكان من حيث أتيا.... يالَـله.. ماذا أفعل الآن؟ وماذا بعد هذا؟ ما الذي ينتظرني يا ترى؟ وما هي لحظات حتى أتاني شابٌّ جميلٌ طيبُ الأخلاق.. فتهللتْ سريرتي بعض الشي إذ إنني لن أكـون وحيداً في هذه الوحشة... تقدم نحوي وكأنه عَلِم ما يدور في خاطري عن هويته، فبادرني قائلاً: اسمي (حَسَن)، وأنا ثمرةُ عملِكَ الطيب في حياتك الدنيا، وظيفتي هي إيصالك إلى (وادي السلام)، حيث تستقر فيها الأرواح المؤمنة حتى قيام الساعة وحتى تستقر روحك - إذا شاء الله - في وادي السلام، فلا بد لك من عبور (وادي برهوت) حيث تستقر فيه الأرواح الكافرة والظالمة إلى قيام الساعة.. ولكن في طريقنا سيحاول شخص اسمه (ذنب) اعتراض طريقنا، وذلك ليجعل روحك تستقر عنده في وادي برهوت، و (ذنب) هذا هو نتاج أعمالك الدنيوية القبيحة. وسنخوض أنا والقبيح حروباً ومناورات كثيرة من أجل أن ينتصـر كل مـنا على الآخـر.. ولكن انتصاري عليه يعتمد كليــاً عليك وعلى أعـمالك الدنيوية، فإذا ما كانت أعمالُك الصالحة في دنياك أكثر من أعمالك السيئة فلي الغلبة، وماعدا ذلك فستمـــكث مع الأرواح الشريرة إلى أن ينظر الله إليك أو يشفع لك النبي (ص) والأئمة الأطهار (ع) عند قيام الساعة...
    قمتُ من قبري وتركتُ جسدي طريحَ التراب وأنا أستعد لبدء رحلتنا إلى (وادي السلام).. قطعنا طريقاً طويلاً ووعراً ومظلماً.. سألته إن كان لديــه مصباحاً لينور علينا طريقنا فهو موحش ومظلم.. فأجابني: نوري هو نتاجُ أعمالك الدنيوية ونظراً لقلة زادك، فنـوري خافت.. فخجلتُ من نفسي... كنا نعبر الأوديةَ الصغيرةَ والطويلة ونصعد أعلى القمم.. كنتُ مجهَداً وتعباً لكن (حسـن) كان يمشي ويركض وكنت أخشى أن أقف فأفقده لذا اضــطررتُ اللحاق به أينما ذهب.
    بعد وقت طويل من المسير طلبت من (حسن) التوقـف للراحة، كما طلبتُ منه أن يســلكَ طريقاً آخر غير هذا الطريق الوعر المحيط بالنيران والأودية السحيقة، فاعتذر وقال لي: وراءنا طـــريقٌ طويلٌ وشاقٌّ.. وبينما نحن نتحدث ومستمرين في المشي مـــن أعلى الوادي، فإذا برجل يسقط في قعر الوادي العمـــيق المليء بالنيران... وهنا استـحوذ عليّ الخوفُ، وقلتُ لحســن: مَن هذا!؟ فأجابني: لقد تغلبتْ سيـئاتُه على حسناتِه، فألقتْ به في الوادي الذي سيمكث فيه إلى قيام الساعة، ولعل الأئمة (ع) يشفعون له إن كان من مواليهم!!
    كنتُ خائفاً جـداً من أن يأتيني (الذنب) ويقطع على (حسن) طريقه وأهوي إلى الوادي نفسه، فدعوتُ اللهَ أن تكون أعمالي الحــــسنة أكثر من القبيحة، وتمنيتَ لحظتها أن أرجع إلى الدنيا لأعمل عملاً حسناً واحداً يخفف ويقصر عليَّ هذا الطريق ولكن هيهات.. وفجأةً نظرتُ أمامي وإذا أنا أمام وادٍ خطير للغاية إذ إنني إذا مشيتُ فيه فسأهوى، فحاولتْ أن أتحرك نحو الأسفل بكل حذر وأنا أتخيل نفسي ساقطاً فيه بسبب الذنب الذي يلاحقني ليأخذني من (حسن).
    كنت سأفقد توازني لولا أن جاء طائرٌ إلى (حسن) وسلمه رسالة ثم رحل.. فتح حسن الرسالة ثم أمرني بتغيير المسار.. سُررتُ مــن ذلك وسألته: ما الخبر؟ فقال: لقد أمر الله بأن لا تعبر هذا الوادي الخطير، وتغير مسارك نتيجةً لعملٍ أهدى أهلُك ثوابَه إليك.. وهو قراءة القرآن ومجلس مصيبة الإمام الحسين (ع).. شكراً لكم يا أهلي المخلصين؛ إذ مازلتم تذكروني بأعمالكم التي تنفعني في اجتياز هذا الطريق الطويل.
    بعد جهد كبير وطريق موحش.. وصلت إلى مكان يشبه المستنقع وما أن وضعت قدمي فيه حتى بدأت المياه تسحبني إلى الأسفل.. كنت أصرخ مستنجداً بحسن، وعرفت بأنَّ مَن يسحبني هو الذنب التعيس, فخشيت المكوث في هذا المكان حتى قيام الساعة.. فصرخت وتعالت صرخاتي في أرجاء المكان، وإذا بحسن يمدُّ لي حبلاً ليخلصني من المستنقع.. أمسكت بالحبل واستطعت النفاذ.. فسألته: ماذا جرى؟ فأجابني: سحبكَ الذنبُ، وكنتَ ستمكث لولا أنك ساهمتَ في تزويج شخصين بمبلغ بسيط، فترحّـموا عليكَ لِتَوّهِمْ، فأنقذكَ اللهُ من هذه الحفرة...
    فأجبته: أتذكر بأني قد ساهمتُ في تشييد مسجدٍ أيضاً، فأين خيراته؟؟ فأجابني حسن: وصلك ثوابُه في الدنيا، لقد شيدتَه برياء فمدحك الناسُ وطاب عطرُ ذكرِك في المجالس، فقدّمتَ رضاهم على رضا الله تعالى، فأجازك الله في دنياك..
    وبينما نحن نمشي فإذا نحن نمر على أنوار خافتة وأخرى قوية نسبياً، ثم مر بنا رجلٌ يمشي بطيئاً جداً على ضوء نور خافت وهو يقول متأففاً: لقد تعبتُ، فأنا أمشي منذ مدة طويلة، إلا إنني لا زلت في بداية الطريق. فأجابه حسن: هذا من قلة إيمانك.. وفجأة هوى في إحدى الحفر... فانتابني الخوف، وسألت حسن: ماذا جرى!؟ فقال لي: لقد تأخر عن مقصدة وسقط.. وسينقذه الحسن الخاص به وذلك بعد صراع من ذنبه.. سيصل إلى مقصدة ولكن بعد وقت طويل.
    وبعد لحظات.. رأيتُ شخصاً يركض بسرعة، فسألت حسن: ومن هذا!؟ قال لي: إنه شهيداً للتو... وصل اجتاز الطريق بشهادته ووصل لتوه إلى وادي السلام.. فغبطتُه، وتحسرتُ على نفسي.. واستكملت مشواري... لاحظت بعد ذلك ذنبي الذي بات يطاردني من أول رحلتي وذلك ليوقعني في حباله وقد تغير حجمه وانكمش، فاستغربت وسألت حسن: ماذا جرى له؟ فقال لي: إن ما تجرعتَه في دنياك من المصائب وصبرك عليها والعذاب الذي تجرعته عند الموت هو الذي أنهك قواه. فسررت لسماع ذلك، بالرغم من أني كنت أتألم كثيراً في دنياي من تلك المصائب..
    بعد ذلك دخلنا صحراء مترامية الأطراف، فقال لي حسن: هذه الصحراء وسيرنا المستقيم فيها سيوصلنا إلى وادي السلام، ولكن هناك طرق متفرعة ومتفرقة سينجرف إليها كل ما انحرف في دنياه.. فاحذر الانحراف وذنبك الذي ينتظرك عند أطرافها.. انتابني رعب شديد من الانجراف إلى الذنب... كنت أحاول أن أخطّ قدمي على نفس الموضع الذي يخط فيه حسن قدمه، وذلك حتى لا أنجرف.. كان حسن يمشي وهو يشير إلى الطرق الفرعية التي انجرف إليها أهلها كلٌّ حسب ذنبه.. فهناك المتكبرون، وهناك النمامون، وهناك آكلي الربا، وهناك الظَلَمة، وكل هؤلاء يتعذبون بذنوبهم إلى قيام الساعة...
    وبعد ساعات، وصلنا نفقاً، وحتى نعبره كان هناك كمٌّ من الملائكة يقفون عند مدخله، وهنا التفت إلى حسن سائلاً: ماذا هناك؟ فأجابني: هذا هو المرصاد. قلت: وما المرصاد؟
    قال: إنه مكان التحقيق حول حقوق الناس.. وهل في عنقك أدنى حق للناس ابتداءً من الصفعة وانتهاءً بالقتل أو أي دين آخر.. فإن هذا سيمنعك من استكمال الطريق ويصبح سبباً في بؤسك.... رأيتُ عالَـمـاً غير العالَـم.. أناساً محمّلين بالهموم والأحزان وقد افترشوا الأرض ولم يكونوا قادرين علـى التحرك من ثقل السلاسل وحقوق الناس.. سألت حسن: وإلى متى سيجلس هؤلاء الناس؟
    فقال لي: البعض يبقون أشهراً وآخرين سنوات، كلٌّ على حسب ذنبه ومقدار حقوق الناس التي في ذمتهم, لأن الله قد يتنازل عن حقه، ولكنه عادلٌ لا يعفو عن حقوق الناس أبداً إلا أن يعفو المظلوم عن حقه، وإلا سيؤخذ من حسنات الظالم وتضاف إلى ميزان المظلوم حتى يرضى، وإذا لم تكن للظالم حسنات فستؤخذ من سيئات المظـلوم وتضاف إلى سيئات الظالم وهــذا قصاصاً من الظالم..
    خفتُ كثيراً، وخشيتُ أن يكون لأحدهم حقٌّ عليّ.. إلا أنني لم أجد فراراً من الدخول في النفــق، وما أن وقفتُ أمام الملائكة حتى أشار أحدهم إلى أن يطوقوني بالسلاسل, توسلتُ بحسن لكنه اقترب مني وقال لي: يجب أن تعلم بأنهم هنا لا يعذبون أحداً دون علة، فاعترفت لحسن، وقلت: أذكر بأنني قد رفعتُ يدي على خادمي لأنه أغضبني.
    فقال لي: سأساعدك لزيارة أهلك في عالم الرؤيا لتطلبَ منهم أن يطلبوا العفوَ من الخادم.. زرتُ أحدَهم في المنام لأخبره عن حالي.. وبقيت أنتظر الفرج عن طريقهم... وبينما أنا أنظر لأولئك المعذبين بديونهم وحقوق الآخرين.. وبعد فترة طويلة.. أمروا بفتح الأغلال عن عنقي فقال لي حسن مسروراً: لقد عفا عنك خادمُك، فهنيئاً لك..
    واصلنا الطريق.. وبعد أن عبرنا النفق، لاح لي هواء كريه الرائحة.. فقال لي حسن: استعد للصراع.. فقلت له: صراع مع مَن!؟ فقال لي: مع الذنب، لابد لك من القضاء عليه حتى تستطيع استكمال طريقك.. فانتابني رعبٌ شديدٌ.. كيف لي أن أقاتله وأنا لم أمسك بسلاح في حياتي؟ ولا أملكه الآن وهو مدرع؟
    وبينما نحن نتحاور، لمحتُ من بعيد مَلَكاً جاء وأعطى (حسن) سيفاً وثوباً قتالياً ودرعاً وخنجراً ثم رحل.. ثم تقدم إليَّ حسن وأعطاني السيف قائلاً: هذه ثمرةُ دعائِك ومناجاتِك في الدنيا. ثم ألبسني الثوبَ وهو يقول: وهذه علامةُ تقواك في دنياك. ثم ناولني الدرعَ وقال: وهذه ثمارُ صيامك.. ثم قبّلني حسن وقال: امضِ إلى طريقك، فإنَّ أولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.. واعلم، أنك لن تدخل (وادي السلام) حتى تقضي عليه؛ لأن وادي السلام لا يدخله أبداً من هو مُثقلاً بذنبه، فيجب أن تقضي عليه.
    بدأنا القتال.. وكانت معركة حامية.. وكانت كلمات حسن تبعث الطمأنينة في قلبي وتشجيعه لي يمدني بطاقة تدفعني إلى القتال.. كان الذنب يتضاءل كلما أضربه، حتى أصيب بالإرهاق، وسقط على رأسه، إلا أنه لا يزال يقاومني وقد تعبتُ تعباً شديداً حتى أوشكتُ على السقوط فإذا بحسن قادمٌ إليَّ بخنجر لأقتل الذنب به، فناولني الخنجر وهو يقول: إنه نتاجُ صلواتك على محمد وآل محمد.. فقوتها ستمكنك من قتل عدوك اللدود.. طعنتُه في بدنه وأرديتُه قتيلاً.
    وبعد أن قُتل.. أحسستُ براحة لم أحس بها من قبل.. ونسيت كل جراحاتي في المعركة.. ثم واصلنا الطريق وكنت أركض فرحاً لأصل إلى وادي السلام.. ولاح لي من بعيد بابٌ أقتربُ منه شيئاً فشيئاً، فخمّنتُ بأنه الباب المؤدي إلى وادي السلام، وكدت أسقط من شدة الفرح.. دخلت الباب وإذا بزمرة من المؤمنين يقفون عند مدخل الباب يرحبون بي ويحتضنونني، ثم بدأوا يسألونني عن ذويهم.. فأخبرتهم بأن هذا ما يزال في الحياة الدنيا، وهذا مات، وذاك مريض، فتعجب أحدهم عندما علم بأن أخيه قد مات قبلي ولم يصل لحد الآن إلى وادي السلام، فقلت له: يبدو إنه لا يزال ممتحناً في وسط الطريق أو استقر في وادي العذاب إلى يوم القيامة..
    تجولت بعدها في وادي السلام.. ويا له من مكان رائع لم تر عيني مثله في دنياي أبداً.. فحمدتُ الله على أنه جعلني من أهل وادي السلام.. طلبت من (حسن) بعدها أن أزور أهلي في المنام لأخبرهم عن حالي.. فأخبرني بأن لا إذن لي بأن أخبرهم عما جرى لي، ولكن أستطيع زيارتهم على هيئة طائر.. فذهبت إلى بيوتهم محلقاً وأنا فرحٌ.. أراهم منهمكين في أعمالهم غير مرتكبين للمعاصي.. كنت في وادي السلام أتنعم بهدايا أهلي من الصلوات والدعاء وزيارتهم لي في قبري.. لكنهم لا يدركون هذه الحقيقة ولا أستطيع إخبارهم بها.. وها نحن أهل البرزخ نواصل حياتنا في وادي السلام بعيداً عن الحسد والتخاصم والضغينة والحرص نحيا بسلام... حياةٌ ملؤها السعادة والنشاط وننتظر القائم المهدي المنتظر (ع) وقيام الساعة لكي نرى ما وعدنا ربُّنا حقاً، بعد أن نجتاز صراط القيامة كما اجتزنا صراط البرزخ (وادي برهوت)..لذا لابد من يوم تعود الأرواح فيه إلى الأبدان.
    التعديل الأخير تم بواسطة منير الخفاجي; الساعة 26-12-2011, 05:01 PM.
    sigpic

  • #2
    أحسنتم أخي الفاضل / منير الخفاجي

    على هذا التذكير وهذه الموعظة

    حيث انها قصة معبّرة فيها كثير من المواعظ




    منها : أن علينا اللاستعداد للموت ، فلا ندري متى سيحلّث بنا

    ومنها : أن علينا أن نلتزم بالعبادات ولا نتهاون بالاعمال الصالحة ولو كانت بسيطة جداً، كالسلام والذكر والصلاة على النبي وآله( صلوات الله عليهم أجمعين ) ، كما أن علينا أن نعمل أعمال نقصد بها وجه الله (سبحانه) ولها آثار تستمر حتى بعد موتنا كتزويج العزاب والمساهمة في طباعة الكتب الدينية ، ونشر علوم أهل البيت( عليهم السلام) ، ومحاولة تعليم من لا يعلم أمور دينه وأحكامه ، واستمرار دفع الصدقات ولو شيئاً يسيراً يومياً والنصيحة للآخرين ، وغيرها من الأمور

    ومنها : أن علينا أن نتحاشى الذنوب قدر ما نستطيع ، ونسرع بالاستغفار عند ارتكابها .

    ومن مواعظ هذه القصة هي : أنها تحثنا على ذكر موتانا دائماً ولو بقراءة سورة الفاتحة أو بالصلاة على النبي وآله ولو مرة واحدة
    (.... الآن في هذه اللحظة واهداء ثوابها الى جميع موتى المؤمنين المؤمنات ....) لأنهم محتاجون لنا في كل أحوالهم ، ولهم فضل علينا في وجودنا في الحياة وفي تربيتنا وتعليمنا وبذلوا أعمارهم لأجلنا أو لأجل آباءنا وأمهاتنا

    فلهم علينا فضلاً جليلاً ، ولايجدر بنا أن ننسى فضلهم

    ثم أن الدنيا مزرعة الآخرة فما عملناه في الدنيا سنجده في الآخرة ، فكما نذكر موتانا ، سيهيئ الله تعالى لنا إن شاء سبحانه من يذكرنا عند موتنا ..

    أسأل الله تعالى أن يخفف عنا وعنكم وجميع المؤمنين سكرات والموت ويدفع عنا أهوال البرزخ ويوم القيامة
    بحق محمد وآله الطاهرين



    عن سويد بن غفلة، عن طاووس اليماني قال: مررت بالحجر فإذا أنا بشخص راكع وساجد فتأملته فإذا هو علي بن الحسين (عليهما السلام )فقلت: يا نفس رجل صالح من أهل بيت النبوة والله لاغتنمن دعاءه فجعلت أرقبه حتى فرغ من صلاته ورفع باطن كفيه إلى السماء وجعل يقول:

    " سيدي سيدي هذه يداي قد مددتهما إليك بالذنوب مملوءة، وعيناي بالرجاء ممدودة، وحق لمن دعاك بالندم تذللا أن تجيبه بالكرم تفضلا، سيدي أمن أهل الشقاء فاطيل بكائي ؟ أم من أهل السعادة خلقتني فابشر رجائي ، سيدي أ لضرب المقامع خلقت أعضائي ؟ أم لشرب الحميم خلقت أمعائي ؟ سيدي لو أن عبدا استطاع الهرب من مولاه لكنت أول الهاربين منك، لكني أعلم أني لا أفوتك، سيدي لو أن عذابي مما يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه، غير أني أعلم أنه لا يزيد في ملكك طاعة المطيعين، ولا ينقص منه معصية العاصين، سيدي ما أنا وما خطري ؟ هب لي بفضلك، وجللني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم وجهلك، إلهي وسيدي ارحمني مصروعاً على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وارحمني مطروحاً على المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وارحمني محمولاً قد تناول الاقرباء أطراف جنازتي، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي "

    . قال طاووس: فبكيت حتى علا نحيبي فالتفت(عليه السلام) إلي فقال:
    " ما يبكيك يا يماني أو ليس هذا مقام المذنبين ؟ "

    فقلت: حبيبي حقيق على الله أن لا يردك، وجدك محمد صلى الله عليه وآله، قال: فبينا نحن كذلك إذ أقبل نفر من أصحابه فالتفت إليهم فقال(عليه السلام):
    " معاشر أصحابي اوصيكم بالاخرة، ولست اوصيكم بالدنيا، فإنكم بها مستوصون، وعليها حريصون ، وبها مستمسكون .
    معاشر أصحابي إن الدنيا دار ممر، والاخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، أما رأيتم وسمعتم ما استدرج به من كان قبلكم من الامم السالفة والقرون الماضية، لم تروا كيف فضح مستورهم، وأمطر مواطر الهوان عليهم بتبديل سرورهم بعد خفض عيشهم، ولين رفاهيتهم، صاروا حصائد النقم، ومدارج المثلات
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم "



    بحار الأنوار - العلامة المجلسي - (ج 75 / ص 146)




    عن عبد السلام بن صالح الهروي قال :
    سمعتُ أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقول
    :


    " رَحِمَ اللهُ عَبداً أَحيا أمرَنا "

    فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟

    قال (عليه السلام) :

    " يَتَعَلَّمُ عُلومَنا وَيُعَلِّمُها النّاسَ ، فإنَّ النّاسَ لوَ عَلِموا مَحاسِنَ كَلامِنا لاتَّبَعونا "


    المصدر : عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - للشيخ الصدوق (رحمه الله) - (2 / 276)


    تعليق


    • #3
      السلام عليكم
      أيها الأخ العزيز شيخنا الفاضل الصدوق

      جزيل الشكر والتقدير لمرورك المبارك
      وأحسنتم على هذه المواعظ والملاحظات المهمة جداً
      التي نورت بها عقولنا وبصائرنا

      دمت مؤيداً ومسدداً

      أخوك
      منير الحزامي (الخفاجي)

      sigpic

      تعليق

      يعمل...
      X