إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

منهج تحليلي في دراسة القِصّة القرآنيّة (2 )

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • منهج تحليلي في دراسة القِصّة القرآنيّة (2 )

    منهج تحليلي في دراسة القِصّة القرآنيّة ( 2 )

    ج_ البعد السياسي:

    وعلى مستوى العلاقات السياسية نجد بني إسرائيل كانوا قد وضعوا أُمور حياتهم وشؤونهم ‏الاجتماعية والسياسية بيد أحبارهم ورهبانهم الذين حرفوا التوراة والكتب الإلهيّة ، فاتخذوا هؤلاء ‏الأحبار أرباباً لهم من دون اللَّه يسمعون لهم ويطيعونهم ، ولا يسمعون كلام اللَّه ولا يطيعونه .‏
    وكان هؤلاء الأحبار قد تحولوا إلى الدنيا والرئاسة - وأصبحوا يمثلون (علماء السوء) في ‏المصطلح الإسلامي - حتى أصبحت الدنيا مبلغ همهم ، وتحولت هذه المقامات من مواقع للهداية ‏والاصلاح إلى مناصب لأكل أموال الناس بالباطل يجمعونهاويكنزونها ، ولا ينفقونها في سبيل اللَّه ‏

    بل أخذوا من خلال هذه المواقع يصدون عن سبيل اللَّه ، ويمنعون الناس من سماع كلمة الحق ‏والهدى أو اتباعه خوفاً منهم على مواقعهم وسلطانهم(1) .‏
    {اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللَّه والمسيح ابن مريم وما اُمرُوا الّا ليعبدوا إلهاً واحداً ‏لا إله إلّا هو سبحانه عمّا يُشركون}(2) .‏
    {يا ايها الذين آمنوا إنّ كثيراً من الأخبار والرّهبان ليأكلوا أموال الناس بالباطل ويصدّون عن ‏سبيل اللَّه والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه فبشّرهم بعذاب أليم* يوم يُحمى ‏عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم ‏تكنزون}(3) .‏
    كلّ ذلك وهم يعيشون تحت سلطة الرومان ، وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة بذلك ، كما ذكرنا .‏
    وقد سرت هذه الحالة بعد ذلك في النصارى من اتباع عيسى‏عليه السلام بعده ، كما يشير القرآن ‏الكريم إلى ذلك .



    " وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبّك فَتَرْضَى "

  • #2
    د_ البعد الأخلاقي

    لقد تحدّث القرآن الكريم عن جوانب من البعد الأخلاقي لبني إسرائيل بشي‏ء من التفصيل لم ‏يتحدّث به عن الأقوام الآخرين .‏
    والسبب في ذلك :‏

    أوّلاً : أنّ البعد الأخلاقي يمثل القاعدة الأساسية للمجتمع الإنساني بعد العقيدة والإيمان باللَّه تعالى .‏
    ثانياً : أنّ أصل المشكلة في جماعة بني إسرائيل ترتبط بهذا البعد الأخلاقي ، ويمكن أن تكون بقية ‏الأبعاد الاُخرى نتائج لهذا البعد الأخلاقي ، كما يفهم ذلك من القرآن الكريم - كما شرحنا ذلك في ‏أبحاث تفسير القرآن الكريم - وبقيت هذه المشكلة قائمة ومؤثرة إلى حدّ كبير في هذه الجماعة حتى ‏نزول القرآن الكريم .‏
    ويمكن تلخيص أهم الجوانب الأخلاقية لهذه الجماعة التي أكّدها القرآن الكريم بالاُمور التالية :‏
    1 - قسوة القلب إلى حدّ الطبع والختم عليه ، وهذا ما كانوا يتحدّثون به عندما يقولون : {وقالوا ‏قلوبنا غلفٌ بل لعنهم اللَّه بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون}(4) .‏
    ثمّ {لقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً كلّما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم فريقاً ‏كذّبوا وفريقاً يقتلون* وحسبوا ألّا تكون فتنةٌ فعموا وصمّوا ثمّ تاب اللَّه عليهم ثُمّ عموا وصمّوا كثيرٌ ‏منهم واللَّه بصيرٌ بما يعملون* لقد كفر الّذين قالوا إنّ اللَّه هو المسيحُ ابنُ مريم وقال المسيحُ يا بني ‏إسرائيل اعبدوا اللَّه ربّي وربّكم...}(5) .‏

    {ثُمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوةً وإنّ من الحجارة لما يتفجّرُ منهُ الأنهارُ ‏وإنّ منها لما يشقّقُ فيخرُجُ منهُ الماءُ وإنّ منها لما يهبط من خشيةِ اللَّه وما اللَّهُ بغافلٍ عمّا ‏تعملون}(6) .‏
    2 - نقض الميثاق والعهد ، وهي صفة عامة أكّدها القرآن في بني إسرائيل ، وهي أحد الأسباب ‏الأخلاقية والنفسية التي تنتهي إلى قسوة القلب ثمّ الطبع والختم وقتل الأنبياء .‏
    وقد تقدّمت الآيات (155 - 157) من سورة النساء في البعد العقائدي التي تربط بين نقض الميثاق ‏وغلف القلوب وقتل الأنبياء .
    ‏ 3 - العناد والجحود حيث أكّد القرآن هذه الصفة فيهم في عدّة موارد من خلال ما أشار إليه من ‏تكذيبهم لعيسى بن مريم‏عليه السلام بعد أن جاءهم بالبينات ، وقولهم بشأن : إنّه "... هذا سحرٌ ‏مبينٌ"(1) .‏
    ‏ 4 - المكر والخديعة ؛ إذ صرّح القرآن الكريم بذلك بشان قصّة عيسى عندما مكروا به في ‏محاولتهم لقتله وصلبه :‏
    ‏ "ومكرُوا ومكر اللَّه واللَّه خيرُ الماكرين* إذ قال اللَّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ‏ومطهّرك من الّذين كفروا..."(2) .‏
    ‏ 5 - البهتان والكذب والقول بغير علم ، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في بهتانهم العظيم ‏لمريم‏عليهما السلام وادعائهم قتل المسيح مع أنّهم لم يعرفوا ذلك باليقين ، وقد تقدّم ذلك :‏
    ‏ "وإنّ منهم لفريقاً يلوُون ألسنتهم بالكتاب لتحسبُوهُ من الكتابِ وما هو من الكتاب ويقولون هُو من ‏عند اللَّه وما هو من عند اللّه ويقولون على اللَّه الكذب وهم يعلمون"(3) .‏
    ‏ 6 - الغرور : الشعور بالامتياز من الآخرين والاختصاص باللَّه تعالى ، وإنّهم أحباء اللَّه ‏وأولياؤه ، وإنّ الدار الآخرة مختصّة بهم من دون الناس ، وإنّ اللَّه - تعالى - إذا كان يعذّبهم ‏بعصيانهم فإنّما هو لأيّام معدودة .‏
    ‏ "قل يا أيّها الّذين هادوا إن زعمتُم أنّكُم أولياءُ للَّه من دون النّاس فتمنّوا الموت إن كنتُم ‏صادقين"(4) .‏
    ‏ "قُل إن كانت لكُم الدّار الآخرة عند اللَّه خالصةً من دون النّاس فتمنّوا الموت إن كنتُم ‏صادقين"(5) .‏
    ‏ "وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللَّه وأحبّاؤُه قُل فلم يُعذّبُكُم بذنُوبكم بل أنتم بشرٌ ممّن خلق ‏يغفرُ لمن يشاء ويعذّبُ من يشاء..."(6) .‏
    ‏ "وقالوا لن تمسّنا النار إلّا أيّاماً معدودة..."(7) .‏
    ‏ ووصل بهم الغرور والجرأة على اللَّه - تعالى - حداً أن ادعوا أنّهم هم الأغنياء واللَّه هو الفقير ‏‏"لقد سمع اللَّه قول الّذين قالوا إنّ اللَّه فقيرٌ ونحنُ أغنياءُ سنكتُبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ ‏ونقول ذوقُوا عذاب الحريق"(8) .‏
    ‏ ومن هذا المنطلق الأخلاقي المتردّي وجدوا لأنفسهم الحق في استباحة أموال ودماء الناس ‏الآخرين من غير بني إسرائيل كما تحدّث عنهم القرآن الكريم : "ومن أهل الكتاب من إن تأمنهُ ‏بقنطارٍ يؤدّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينارٍ لا يؤدِهِ إليك إلّا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنّهم قالوا ‏ليس علينا في الاُمّيّين سبيلٌ ويقولون على اللَّه الكذب وهم يعلمون"(9). ‏
    ‏ وقد تحدّث القرآن الكريم عن قوم عيسى‏عليه السلام بعده أيضاً ، فأشار إلى كثير من الانحرافات ‏التي كان عليها الإسرائيليون أيّام عيسى‏عليه السلام ، مضافاً إلى نقطتين مهمتين :‏
    ‏ الاُولى : وجود الاختلاف بين المسيحيين في عيسى‏عليه السلام حتى أصبحوا أحزاباً وجماعات ‏بشأنه .‏
    ‏ "فاختلف الأحزاب من بينهم فويلٌ للّذين ظلمُوا من عذاب يومِ أليم"(10) .‏
    ‏ الثانية : وجود من يقول بالغو في عيسى‏عليه السلام بحيث يصعد به إلى درجة الاُلوهيّة فيقول : ‏إنّه ثالث ثلاثة أو إنّه هو اللَّه تعالى ، وكذلك في اُمّه .‏
    ‏ "يا أهل الكتاب لا تغلُوا في دينكُم ولا تقولوا على اللَّه إلّا الحقّ إنّما المسيحُ عيسى ابن مريم ‏رسول اللَّه وكلمتهُ ألقاها إلى مريم وروحُ منه فآمنوا باللَّه ورسله ولا تقولوا ثلاثةُ انتهوا خيراً لكم ‏إنّما اللَّه إلهٌ واحدٌ سبحانهُ أن يكون له ولدٌ لهُ ما في السّموات وما في الأرض وكفى باللَّه ‏وكيلاً"(11) . "وإذ قال اللَّه يا عيسى ابن مريم أأنت قُلت للنّاس اتّخذوني واُمّتي إلهين من دون ‏اللَّه قال سُبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كُنتُ قلتُهُ فقد علمتهُ تعلمُ ما في نفسي ‏ولا أعلمُ ما في نفسك إنّك أنت علّامُ الغيُوب"(12) .‏
    ‏ ومع كلّ ذلك فقد كان لرسالة عيسى‏(عليه السلام) ودعوته نتائج إيجابيّة مهمّة سوف نشير إليها ‏في الملاحظات العامّة حول القصّة إن شاء اللَّه .


    1- تشبه هذه الحالة التي يصفها القرآن ما وصلت إليه حالة الكنيسة الكاثوليكية والارثوذكسية في ‏بلاد اُروبا في القرون الوسطى ؛ إذ كانت تقوم الكنيسة بهذا الدور حتى وقعت الثورة في بريطانيا ‏وفرنسا بعد ذلك ، وسقطت سلطة الكنيسة كلياً أو جزئياً ، ثم تحولت إلى جهاز تابع للسلطة ‏الاستعمارية
    2- التوبة(9) : 31 3- التوبة(9) : 34 - 35 4- البقرة(2) : 88 5- المائدة(5) : 70 - 72 . 6- البقرة(2) : 74‏
    1- الصف : 6 2- آل عمران : 54 - 55
    3- آل عمران : 78 ، وكذلك الآيات 156- 157 من سورة ‏النساء . 4- الجمعة : 6‏
    ‏ 5 - البقرة : 94 . 6- المائدة : 18 . 7- البقرة : 80 . 8- آل عمران : 181 .
    9- آل عمران : 75 ‏‏. 10- الزخرف : 65 ‏‏11 - النساء : 171 . 12 - المائدة : 116 .




    يتبــــــــــــــــــــــــع
    دمتم لي جميعا برعاية وحفظ أهل الكساء
    م/ن




    " وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبّك فَتَرْضَى "

    تعليق


    • #3
      جناب الاخت البارعة البادعة والمتفننه بالانتقاء الرائع بروعة كتابنا المقدس قراننا العظيم ودستورنا الكريم جناب اسماء المحترمة
      تحليل مبرمج وبأسلوب رفيع وعالي ، دراسة مستفيضة ، أحسنت وبوركت يا اختنا الجليلة ونحن لك من المتابعين ..... حفظك الله ورعاك وزادك نورا بنور القران ونور أهل البيت الكرام عليهم السلام .

      تعليق


      • #4
        أشرَقَ متصفحي بنور تواجدكم فيه
        سعدتُ كثيراً على عبوركم الزاهر لموضوعي

        فجزاكم ربي خيراً وأسعدَ قلوبكم بالخير والمسرة
        لاحرمني الله من نور تواجدكم القيِّم
        أعطر التحياات مع أجمل ألمُنى
        " وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبّك فَتَرْضَى "

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X