إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ميراثان في كتاب الله

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ميراثان في كتاب الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    في كتاب الله نجد ثلاثة أنواع من المواريث لعباد الله الصالحين : ميراثين في الدنيا ، وميراثاً في الآخرة .
    أمّا الميراث في الآخرة فهو الجنّة ، يورثها عباده الصالحين والمتّقين من عباده بما عملوا . وإنّما يسمّيه القرآن ( إرثاً ) لأنّ الله تعالى خَلَق الجنّة لعباده جميعاً إذا آمنوا وعملوا صالحاً .
    ولَمّا حُرم الكفّار والمشركون من الجنّة ؛ بكفرهم وإفسادهم في الأرض ، فإنّ الله تعالى خصّ المؤمنين فقط بالجنّة ، دون الكفّار المشركين ، وأورثهم الجنّة التي كان يستحقّها أولئك لو كانوا يؤمنون ويعملون صالحاً .
    وقد روي عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( ما منكم مِن أحدٍ إلاّ وله منزِلان : منزلٌ في الجنّة ، ومنزلٌ في النار، فإن مات ودخل النار ، ورث أهل الجنّة منزِله ) ، والإرث هو الجنّة ، والوارثون هم المؤمنون الذي يرثون الفِردوس .
    والآيات المباركة ، في بداية سورة ( المؤمنون ) ، تعطي صورةً واضحةً للوارثين الذين يرثون الجنّة ، يقول تعالى :
    ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِلزّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاّ عَلَى‏ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى‏ وَرَاءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَلَى‏ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ) . [ المؤمنون : 1 - 11 ]
    إذن ، وِراثة الجنّة لا تتم إلاّ بالخشوع في الصلاة ، والإعراض عن اللغو ، والزكاة ، والصلاة ، وحفظ الفروج عن الحرام ، وأداء الأمانات والعهود .
    وفي سورة ( مريم : 63 ) ورد ذكر التقوى في الأسباب التي تورث الجنّة : ( تِلْكَ الجنّة الّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ) . وفي مواضع أُخرى يقرّر القرآن الكريم أنّ الجنّة يرثها المؤمنون بأعمالهم : ( وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الجنّة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الأعراف : 43 ] ، ( وَتِلْكَ الجنّة الّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) . [ الزخرف : 72
    فلا ينال المؤمنون الجنّة إلاّ بما قدّموا من عملٍ صالحٍ في الدنيا ، والعمل الصالح هو الذي يورث المؤمنين الجنّة ، وهذا هو ميراث الصالحين في الآخرة ، أمّا في الدنيا فقد جعل الله تعالى للصالحين ميراثين : ميراثاً من الظالمين والجبابرة الطغاة ، وميراثاً من الأنبياء المرسلين ، والصالحين من عباد الله .
    وفي كتاب الله تعالى إيضاحٌ وتفصيل لهذين الميراثين اللذين يرثهما الصالحون من عباد الله في الدنيا ، وفي هذه الرسالة نتحدّث عن هذين الميراثين في كتاب الله .


    يتبــــــــع


    منقــــــــــول


  • #2


    احسنت بارك الله فيك
    جزيت خيرا

    حسين منجل العكيلي

    تعليق


    • #3
      الميراث الأوّل : هو ميراث الصالحين من المستكبرين ، وهذا الميراث هو السلطان والمال والأرض ، يقول تعالى :
      ( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ) . [ القصص : 5 ]
      ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ ) . [ الأنبياء : 105 ]
      ( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لّمْ تَطَؤُوها ) . [ الأحزاب : 27 ]
      ( قَالَ مُوسَى‏ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنّ الأَرْضَ للّهِ‏ِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ ) . [ الأعراف : 128 ]
      ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الْحُسْنَى‏ عَلَى‏ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) . [ الأعراف : 137 ]

      تعليق


      • #4
        وأمّا ميراث المؤمنين من سلفهم ؛ من الأنبياء ، والصدّيقين ، والصالحين ، فهو : العبودية ، ومنطلقاتها ، وأحكامها ، وقيمها ، وأخلاقها ، وهذا الميراث ينتقل من جيل ليسلّمه إلى الجيل الذي يأتي من بعده ، والقرآن الكريم يشير في أكثر من موضع إلى هذا الميراث الحضاري ، يقول تعالى :
        ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، [ فاطر : 32 ] .
        ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى‏ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) ، [ غافر : 53 ] .
        إنّ هذا الميراث ليس ميراث المال والسلطان ، وإنّما هو ميراث الهدى ، والبيّنات ، والكتاب ، والعبودية ، والقيم ، والأخلاق ، ميراثٌ يحفظه قوم ويضيّعه قوم آخرون ، وليس بقليل الأقوام الذين ضيّعوا هذا الميراث واستبدلوا بالصلاة الشهوات ، يقول تعالى :
        ( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ مِن ذُرّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى‏ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصّلاَةَ وَاتّبَعُوا الشّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ) ، [ مريم : 58 - 59 ] .
        وحدة المسيرة الربّانية على وجه الأرض :
        ولا يتكوّن هذا الميراث الحضاري مرّة واحدة ، وإنّما يتكوّن ويقوى ويتسع تيارها ، ويتأصّل أكثر في الأرض ، وفي نفوس المؤمنين ، كلّما يمرّ به جيل أو يمتدّ به الزمن .
        وهذا الميراث العقائدي والحضاري الكبير يشمل الإيمان بالله ، والرسول ، والقيم ، والولاء لله وللرسول ولأوليائه ، والأخلاق ، والقيم ، والسلوك ، والحبّ ، والبغض ، والأعراف والتقاليد ، وحتى المصطلحات ، والشعارات ... وهي تنتظم في حقول من حياة الإنسان .
        وليس من الممكن ـ إطلاقاً ـ أن تتكوّن كل هذه الكنوز العقائدية والحضارية في حياة الجيل مرّة واحدة ، وإنّما تتحوّل من جيل إلى جيل ، يستلّمها كل جيل ليسلّمها إلى الجيل اللاحق ، وخلال هذا الانتقال والعبور عبر الأجيال يزداد هذا الميراث عمقاً وأصالةً ورسوخاً ووضوحاً.
        ونحن نلاحظ في القرآن هذا التماسك والارتباط بين أجزاء ومراحل هذه المسيرة العقائدية والحضارية الكبرى ، ونلاحظ تأكيد القرآن على الارتباط بهذه المسيرة ، بشكل عام ومن دون تفرقة ، وأنّ هذه المسيرة بمجموعها هي الإسلام، ولن يقبل الله تعالى غيره من الإنسان .
        ( قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْناَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى‏ وَعِيسَى‏ وَالنّبِيّونَ مِن رَبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، [ آل عمران : 84-85 ] .
        ( قُولُوا آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى‏ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى‏ وَعِيسَى‏ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن
        منه شيء ، ولا يصيبانه بسوء .
        فقد يلتبس أمر الطريق على الإنسان إذا كان يسير وحده ، أمّا حينما يشعر أنّه يقتدي بهدي الأنبياء ، ويسير على طريقهم ، يضع خطاه بثقةٍ ، واطمئنانٍ ، على طريق ذات الشوكة .
        فقد أُخطئ أنا الطريق لوحدي ، ولكن لا يمكن أن يُخطئ الطريق هذا الحشد الهائل ، والمسير الطويل من الصفوة الصالحة من عباد الله ، من الأنبياء والمرسلين ، والصدِّيقين والشهداء ؛ فهم المعالم على الطريق ، وعندما تحتفّ الطريق بمثل هذه المعالم والإشارات فلا يمكن أن يضيع الإنسان ، أو يلتبس عليه الأمر .
        ولأمر ما ، إذا دعونا الله تعالى في الصلاة أن يرزقنا الهداية إلى الصراط المستقيم : ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، نعقّب ذلك مباشرة بتشخيص الصراط المستقيم تشخيصاً عينيّاً خارجاً ، فهؤلاء الذين أنعم الله عليهم من عباده الصالحين ، ولم يغضب عليهم ، ولم يضلّوا : ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ ) .
        وفي سورة الأنعام بعد ما تستعرض السورة المباركة ذكر عدد من الأنبياء ( عليهم السّلام ) ، منذ عهد إبراهيم أبي الأنبياء ( سلام الله عليه ) إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، يخاطب الله تعالى نبيه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بقوله : ( أُولئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) ، [ الأنعام : 90 ] .
        العقبة الثانية ( العوائق ) :
        ولا تَقلّ خطورة العقبة الثانية عن العقبة الأولى ، ولا تقلّ ضحاياها عنها .
        إنّ قضية هذه العقبة هي العوائق التي تعيق حركة العاملين ، وتسبّب لهم التخلّف عن الحركة والتساقط أثناء الطريق ، وهذه العوائق على قسمين : منها ، عوائق موضوعية مبثوثة على الطريق .
        ومنها ، عوائق ذاتيّة كامنة في نفوس الناس ، وكلتاهما تعيقان حركة العاملين في سبيل الله ، وإذا التقتا كان تأثيرهما تأثيراً قوياً بالغاً في نفوس العاملين .
        فمن العوائق الموضوعية : طول الطريق ، وبعد الشقّة والمتاعب التي يحفل بها هذا الطريق من البأساء والضرّاء ، والدعاة إلى الله يعجبهم أن يكون الطريق قصيراً مُريحاً ، آمناً من المخاوف والأخطار ، ولكن الله تعالى يريد لعباده أن يسلكوا إليه طريق ذات الشوكة : ( وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) ، [ الأنفال : 7 ] .
        فالطريق إلى الله إذا كان قصيراً مُريحاً ، آمناً ، سهلاً ، لن يحقّق الحقّ ، ولن يقطع دابر الكافرين ، ولن تتمّ السيادة والسلطان لدين الله على وجه الأرض إلاّ حينما يسلك الدعاة طريق ذات الشوكة إلى الله
        وليست هذه البأساء والضراء خاصّة بهذه الأمّة ، فهي سنة الله في حياة العاملين جميعاً ، لم يشذّ منهم أحدٌ عن هذه السنّة الإلهية الصعبة : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ ) ، [ البقرة : 214 ] .
        ولو كان أمر هذا الطريق يسير ، والمسافة قريبة ، لم يتخلّف عن الطريق أحدٌ من الناس ، ولكن طول المسافة ، وبُعد الشقّة ، جعل الناس يتفرّقون من حول الدعوة ، ويتخلّفون عن المسيرة : ( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتّبَعُوكَ وَلكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّقّةُ ) ، [ التوبة : 42 ] .
        وهناك عوائق ذاتية في داخل النفوس ، وهي أخطر بكثير وأكثر بكثير من العوائق الموضوعية القائمة على الطريق ، ومن خصائص هذه العوائق أنّها تختفي ساعات اليسر وتبرز ساعات العسر والشدّة ، ولنقرأ هذه الآيات المباركات من سورة الأحزاب عن العوائق الكامنة في نفوس المؤمنين ، والتي تبرز في ساعات الشدّة ولحظات العسر :
        ( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) ، [ الأحزاب : 9-11 ] .
        وفي نفس السياق :
        ( قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً * أَشِحّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالّذِي يُغْشَى‏ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ) ، [ الأحزاب : 18-19 ] .
        ولا تخصّ هذه العوائق ونقاط الضعف نفوس المنافقين والصغار من المؤمنين فقط ، وإنّما تشمل المؤمنين الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان أحياناً .
        فقد أثَّرت نكسة ( أُحُد ) في نفوس المؤمنين الأشدّاء الذين امتحن الله قلوبهم ونصرهم الله ببدر ، إلاّ القليل منهم ، الذين ثبتت نفوسهم في نكسة ( أُحد ) ولم يضعفوا ولم يتزلزلوا ، وعن هؤلاء يقول تعالى بعد معركة أُحد :
        ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ ) ، [ آل عمران : 139-140 ] .
        وهذه بعض الأمثلة والشواهد من نقاط الضعف والعوائق الكامنة في نفوس الناس ، والتي تختفي ساعات اليسر والإقبال ، وتبرز بروزاً قوياً ساعات العسر والشدّة .
        وإنّ هذه العوائق لتحيط الدعاة إلى الله ، تعيق سيرهم ، وتدفعهم إلى صفوف المتخلّفين والمنافقين والضعفاء ، ولابدّ للدعاة من أن يروّضوا أنفسهم كثيراً لاجتياز هذه العوائق ، ما كان منها على الطريق أو في داخل نفوسهم ، وأن يدعوا الله تعالى ليمدّهم من عنده بقوّة وصبرٍ وثباتٍ ، يستطيعون به أن يواجهوا هذه العقبات والفتن على طريق ذات الشوكة .
        ( وَلَمّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) ، [ البقرة : 250 ] .
        كيف نعالج الخوف والضعف ؟
        تعميق الإحساس بوراثة الأنبياء والصديقين يمنح الإنسان مثل هذا الثبات والثقة والقوّة لمواجهة التحديات والنكسات التي تحدث أحياناً في صفوف المؤمنين ، ويَحول دون أن تتحوّل النكسة إلى هزيمة نفسية . وهذا إجمال لابدّ له من تفصيل ، وإشارة لابدّ لها من تحديد وتشخيص ، وإليك هذا التفصيل :
        1ـ قد تثير قوّة العدو وضخامة إمكاناته ، وكثرة عدده ، وضعف إمكانات القلّة المؤمنة إحساسا بالضعف والنقص في نفوس المؤمنين ، ولكن الأمر يختلف كثيراً عندما ينظر المؤمنين إلى أنفسهم من خلال موقعهم الحضاري من التاريخ ، ويعرفون أنّهم جزء لا يتجزّأ من هذه المسيرة الربانية الممتدّة على امتداد التاريخ كلّه .
        فإنّ هذا الخط هو الدين القيّم الذي قوّم مسيرة البشرية وحركة التاريخ منذ اليوم الأوّل إلى اليوم الحاضر ، ولم يزل هذا الخط منذ نشأته في عمق الفطرة البشرية ـ إلى أن تولاه أنبياء الله بالرعاية ـ قائماً في حياة البشرية ، وقيّماً على حياة الإنسان وسلوكه وتاريخه .
        وليست المعاناة ، والعذاب ، والتشريد ، والتهجير ، والقتل ، والضغينة ، التي يجدها الداعية في حياته الرسالية من جانب أئمّة الكفر وأتباعهم شيئاً جديداً في حياتهم ، بل هي جزء من ميراثهم الضخم الذي يرثونه كابراً عن كابر .
        ومن هذا التراث الكبير يجد المؤمن دعماً وسنداً روحياً يخرجه عن الشعور بالوحشة والانفراد والضعف ، ويجد في معاناة سلفه الذين سبقوه في الإيمان والدعوة عزاء وسلوة ، ويرى فيهم قدوة صالحة لنفسه .
        كلّ ذلك يبعث في نفوس المؤمنين العاملين الإحساس بالقوّة والعمق والامتداد ، ويشعرهم بالعزاء والسلوى فيما يلقَونه من عذاب ، ويشعرهم بتأييد الله تعالى للمسيرة كلِّها .
        رحلة الدعوة والمعاناة في سورة هود :
        وسورة هود سورة عجيبة ٌفي هذا المضمار ، ولقد وددت أن أتلو السورة كلّها على القرّاء ؛ ففي هذه السورة ينعكس خط الدعوة إلى الله : ( أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ اللّهَ إِنّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ) ، ممّا يعكس خط الإعراض والجحود : ( أَلاَ إِنّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخفُوا مِنْهُ ) .
        ثمّ تبين السورة المباركة استدراج الله تعالى لهؤلاء المعرضين والمشركين وإمهالهم وتماديهم في غيّهم وطغيانهم : ( وَلَئِنْ أَخّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى‏ أُمّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) .
        ولعل صدر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يضيق وسط هذا الإعراض والطغيان ، وتمادي القوم في غيّهم وضلالهم : ( فَلَعَلّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى‏ إِلَيْكَ وَضَائِقُ بِهِ صَدْرُكَ ) .
        لولا أن الله تعالى يذكِّر نبيه أنّ هؤلاء على كثرة عددهم وقوّتهم وطغيانهم لم يكونوا ليُعجزوا الله تعالى. ، وأنّ الله إن أمهلهم استدراجاً لهم فلن ينساهم ، ولن يفلتوا من قبضة قدرته وسلطانه تعالى : ( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ) .
        ثمّ ترسم السورة المباركة صورة حيّة لهذين الامتدادين والمعسكرين : الحضارة الإلهية ، والحضارة الجاهلية : ( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى‏ وَالأَصَمّ وَالْبَصيرِ وَالسّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) .
        فمهما كَثُر عددهم ، وزادت قوّتهم ، فلا يزيدون على أن يكونوا كتلةً مهملةً من العمى والصمّ في مسار التاريخ ، وأنّ الجبهة الأخرى هي الجبهة الواعية ذات الإحساس والإدراك ( السمع والبصر ) ومهما كانت قوّة هذه الكتلة وحجمها فلن يكون لها شأن ولن يكون لها قيمة في مضمار التاريخ .
        ثمّ تبدأ السورة باستعراض المسيرة الإلهية الكبيرة في التاريخ في مقاطع متعدّدة وبشيء من التفصيل ، وما لاقاه أنبياء الله ورسله خلال هذه المسيرة من عناءٍ ، وعذابٍ ، وجحودٍ ، وتكذيبٍ واستهزاء من أقوامهم .
        فتذكر السورة معاناة نوح ( عليه السّلام ) في دعوة قومه إلى الله ، وتذكّر السورة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) :
        بمعاناة هود ( عليه السّلام ) في دعوة ( عاد ) .
        بمعاناة صالح ( عليه السّلام ) في دعوة ( ثمود ) .
        بمعاناة إبراهيم ( عليه السّلام ) في دعوة قومه.
        ومعاناة لوط ومعاناة شعيب ( عليه السّلام ) في دعوة ( أهل مدين ) إلى الله .
        ومعاناة موسى ( عليه السّلام ) في دعوة قومه إلى الله .
        وتسترسل الآيات المباركة في شرح هذه المعاناة ورسمها .
        ثمّ بعد هذه الجولة في تاريخ الإنسان وحضارته ، ومعاناة الأنبياء وعذابهم ، وعناد المشركين ، ورفضهم وتعنتّهم ولجاجهم ، وصبر الأنبياء وجَلَدِهم واستقامتهم ، تخاطب السورة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، الذي قد كان يضيق صدره بما يراه من تعنّت قومه وعنادهم ، قوله تعالى : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .
        وتحذر الآية الكريمة المسلمين من أن يمسّهم ضعف في خضم الصراع ومرارته إلى الذين ظلموا ، فتقول لهم :
        ( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النّارُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمّ لاَ تُنصَرُونَ ) .
        يقول ابن عبّاس : ما نُزِّل على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) آيةٌ كانت أشدّ عليه ولا أشقّ من قوله تعالى : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) ، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له :
        ( أسرع إليك الشيب يا رسول الله ) ، قال : ( شيّبتني هودٌ والواقعة ) (1) .
        ثمّ يعلِّم الله تعالى نبيه أمرين يشدّان أزره ، ويربطان على قلبه ، ويثبِّتان فؤاده في هذه المسيرة الصعبة الشائكة ، وهما :
        ـــــــــــــــــــــ
        (1) بحار الأنوار 52 : 336 ، ح 71 .

        تعليق


        • #5
          وفقك الباري
          sigpic
          إحناغيرحسين *ماعدنا وسيلة*
          ولاطبعك بوجهي"بابك إ تسده"
          ياكاظم الغيظ"ويامحمدالجواد "
          لجن أبقه عبدكم وإنتم أسيادي

          تعليق


          • #6
            نقل موفق وقيم ورائع
            احسنت كثيرا كثيرا في ميزان أعمالك ان شاء
            الله
            تحياتي وفيض تقديري

            تعليق

            يعمل...
            X