إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نقد كتاب (سر الاعجاز القراني) لاحمد القبنجي - متجدد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نقد كتاب (سر الاعجاز القراني) لاحمد القبنجي - متجدد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    مقدمة
    ذكر علماء العقيدة والكلام ان الاساس في تصديق دعوة النبوة هو المعجزة وذلك بأن يظهر مدعي النبوة افعالا خارقة للعادة ويتحدى قومه ان يأتوا بمثلها فإذا عجزوا كان ذلك دليل صدقه، ولذا قرروا ان المعجزة دليل على صدق المدعي.
    لذا فأن أوّل ما كان الأنبياء يُطالَبون به كوثيقة تثبت صحّة مدعاهم، وصحة انتسابهم إلى الله تعالى هو الإتيان بالبيّنات والمعجزات. وهذا هو القرآن يحدّثنا أنّ صالحاً عليه السَّلام عندما حَذّر قومه من سخط الله، وأخبرهم بأنّه رسولُهُ إِليهم، طالبوه بالمعجزة قائلين: ﴿مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
    [1]لذا نجد ان سيرة جميع الانبياء التي حكتها جميع الكتب السماوية هي اظهار المعاجز لأقوامهم، فقد أخبرت عن وقوع معاجز على أيدي الرسل والأنبياء، فنقل في شأن موسى قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات﴾[2].


    كما تحدّث عن المسيح ودعوته، وبيّناته فقال: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[3].
    وقد جرت سيرة الناس مع النبي الأكرم صلى الله عليه واله على ذلك، حيث طالبوه بالإتيان بالمعاجز في بدء دعوته، وكان الرسول العظيم يلبّي طلباتهم. فأظهر صلوات الله عليه الكثير من المعاجز كانشقاق القمر قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَر﴾[4]. والاسراء والعراج حيث قال تبارك من قائل: ﴿سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُو السَّمِيعُ الْبَصِير﴾[5]. وتسبيح الحصى في يده الشريفة وغير ذلك كثير[6]، الا ان معجزة القران لها خصوصيتها واهميتها البالغة وذلك لخصوصية في نبوة النبي الاكرم محمد صلى الله عليه واله.
    فجميع المعاجز التي قام بها الانبياء كانت مرتبطة بزمان معين واطلع عليها اقوامهم ولم يتسن للأخرين الاطلاع عليها والتصديق بمدلولاتها وبما ان نبوة النبي محمد صلى الله عليه واله نبوة خاتمة تستمر الى قيام يوم الدين، فلابد من ان تكون له معجزة تواكب وتعاصر جميع الازمان الى يوم القيامة لكي لا ينبري البعض ويشكك في نبوته صلى الله عليه واله، فهذا هو "فندر" القسيس الألماني يقول في كتابه "ميزان الحق": "إنّ محمداً لم يأت بآية معجزة قط"[7]. وتبعه سائر القساوسة، ولاكوه بين أشداقهم.


    [1]الشعراء:154.

    [2]الإسراء:101.


    [3]آل عمران:49.

    [4]القمر:1-4.

    [5]الإسراء:1.

    [6]وقد ذكر الشيخ الجليل ابن شهر آشوب السروي المازندراني في المناقب ج1 ص106 ـ 144 باب معجزات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « أنّه كانت له أربعة آلاف وأربعمائة وأربع وأربعون معجزة ، ذكرت منها ثلاثة آلاف ، والمشهور منها التي ذكرها المؤرخّون ألف معجزة ، وقد تواتر منها الكثير الوفير ».

    [7]ميزان الحق، ص 277. وقد كتبه حول حياة الرسول.




  • #2
    بل ان معاجز الانبياء على قسمين:
    1. حسي: وهي المعاجز التكوينية التي تدرك بالبصر، كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وأحياء الموتى ونحوها.
    2. عقلي: وهي ما تدرك بالعقل ولا طريق اخر لإدراكها كالإخبار بالغيب.

    ولا قياس بين القسمين فأن الاول مناسب للسذج وبسطاء العامة بخلاف الثاني الذي هو من شأن علماء الامة وافذاذها.
    يقول الراغب الاصفهاني في هذا المجال: المعجزات التي أتى بها الأنبياء عليهم‏ السلام ضربان: حسّي وعقلي:

    فالحسّي: ما يدرك بالبصر، كناقة صالح، وطوفان نوح، ونار إبراهيم وعصا موسى عليهم‏ السلام .

    والعقلي: ما يدرك بالبصيرة، كالإخبار عن الغيب تعريضا وتصريحا، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلّم.

    فأمّا الحسي: فيشترك في إدراكه العامّة والخاصّة، وهو أوقع عند طبقات العامّة، وآخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلاّ أنّه لا يكاد يفرق بين ما يكون معجزة في الحقيقة، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرا، أو سببا اتفاقيا، أو مواطأة، أو احتيالاً هندسيا، أو تمويها وافتعالاً إلاّ ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء.

    وأمّا العقلي: فيختصّ بإدراكه كملة الخواصّ من ذي العقول الراجحة، والأفهام الثاقبة، والروية المتناهية، الذين يغنيهم، إدراك الحق.

    وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسيّا لبلادتهم، وقلّة بصيرتهم، وأكثرمعجزات هذه الأُمّة عقليا لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء. ولذلك قال صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏ آله :
    «كادت أُمّتي تكون أنبياء»[1]. ولأنّ هذه الشريعة لمّا كانت باقية على وجه الدهر غير معرّضة للنسخ، وكانت العقليات باقية غير متبدّلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية. وما أتى به النبي صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏ آله من معجزاته الحسيّة، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجيء الشجرة إليه، فقد حواها وأحصاها أصحاب الحديث.

    وأمّا العقليات: فمن تفكّر فيما أورده عليه‏ السلام من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأُمم بأوجز عبارة اطلع على أشياء عجيبة.

    وممّا خصّه اللّه‏ تعالى به من المعجزات القرآن: وهو آية حسيّة عقليّة صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض، ولذلك قال تعالى: «وَقالوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآيات عِنْدَ اللّه‏ِ وإنَّما أنا نَذيرٌ مُبينٌ. أوَ لَم يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَليْهِم»[2] ودعاهم ليلاً ونهارا مع كونهم أُولي بسطة في البيان إلى معارضته، بنحو قوله: «وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه. وادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّه‏»[3] وفي موضع آخر: «وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُون اللّه‏ إنْ كُنْتُمْ صادِقين»[4] وقال: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاْءنْسُ وَالجِنُّ عَلى أنْ يَأتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كان بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيرا» [5]. فجعل عجزهم علما للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلمّا رأيناهم تارة يقولون: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فيهِ»[6] وتارة يقولون: «لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا»[7] ،وتارة يصفونه ‏بأنّه «أساطيرُ الأوَّلين»[8] وتارة يقولون:
    «لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً»[9] وتارة يقولون: «إئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أوْ بَدِّلْهُ»[10] كلّ ذلك عجزا عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، ومحال أن يقال: إنّه عورض فلم ينقل فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ وجلّ. وقد رأينا كتبا كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت[11].

    ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ إلى جانب كونه معجزا جانب كونه كتاب تشريع، فقد قُرن التشريع بإعجاز و وُحّد بينهما، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها، دلّ على ذاته بذاته.


    [1]مسند أحمد، ج 1، ص 296.

    [2]العنكبوت 29: 50-51.

    [3]البقرة 2: 23.

    [4]يونس 10: 38.

    [5]الإسراء 17: 88.

    [6]فصّلت 41: 26.

    [7]الأنفال 8: 31.

    [8]النحل 16: 24.

    [9]الفرقان 25: 32.

    [10]يونس 10: 15.

    [11]عن مقدّمته على التفسير، ص 102-104.


    تعليق


    • #3
      قال العلامة ابن ‏خلدون: اعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمّد صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏ آله .. فإنّ الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقّاه النبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه، والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعى، وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة، لاتّحاد الدليل والمدلول فيه.

      قال: وهذا معنى قوله صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏ آله : «ما من نبيّ من الأنبياء إلاّ وأُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أُوتيتُه وحيا اُوحي إليّ، فأنا أرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». يشير إلى أنّ المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوّة الدلالة، وهو كونها نفس الوحي، كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدّق المؤمن وهو التابع والاُمّة[1].

      وقال الجاحظ: بعث اللّه‏ محمّدا صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏ آله أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشدّ ما كانت عدّة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه‏ وتصديق رسالته،فدعاهم بالحجّة، فلمّا قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار، الهوى والحميّة دون الجهل والحيرة، حملهم على حظّهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا، وقتل من عليّهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا، بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها، تكشّف من نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجّة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأُمم مالا نعرف، فلذلك يمكنك مالا يمكننا. قال: فهاتوها مفتريات، فلم يَرُمْ ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلّفه، ولو تكلّفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنّه قد عارض وقابل وناقض، فدلّ ذلك العاقل على عجز القوم، مع كثرة كلامهم، واستجابة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء اُمّته، لأنّ سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال.

      وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثمّ تحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال ـ أكرمك اللّه‏ ـ أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البيّن مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشدّ الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيّد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنّه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة (مدّة رسالته صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏ آله ) على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه[2].



      [1]المقدّمة (السادسة)، ص 95.

      [2]الإتقان، ج 4، ص 5-6. وله كلام تفصيلي آخر في إثبات إعجاز القرآن، ذكره في رسالته (حجج النبوّة)، ص 144 فما بعدها. وقد نقله صاحب الإعجاز في دراسات السابقين، ص 158-162.



      تعليق


      • #4
        تعريف الاعجاز
        الإعجاز: مصدر مزيد فيه من «عجز» إذا لم يستطع أمرا، ضدّ «قدر» إذا تمكّن منه. يقال: أعجزه الأمر، إذا حاول القيام به فلم تسعه قدرته، وأعجزتُ فلانا: إذا وجدتَه عاجزا أو جعلتَه عاجزا[1].

        والمُعجزة ـ في مصطلحهم ـ تطلق على كلّ أمر خارق للعادة، إذا قرن بالتحدّي وسلم عن المعارضة، يظهره اللّه‏ على يد أنبيائه ليكون دليلاً على صدق رسالتهم. المعجز هو الذي يأتي به مدعي النبوة بعناية الله الخاصة خارقاً للعادة وخارجاً عن حدود القدرة البشرية وقوانين العلم والتعلم ليكون بذلك دليلاً على صدق النبي وحجيته في دعواه النبوة ودعوته[2].
        لا ريب في أن القرآن يتحدى بالإعجاز في آيات كثيرة مختلفة مكية و مدنية تدل جميعها على أن القرآن آية معجزة خارقة حتى أن الآية السابقة أعني قوله تعالى: "و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله" الآية، أي من مثل النبي " (صلى الله عليه وآله وسلم)" استدلال على كون القرآن معجزة بالتحدي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا أنه استدلال على النبوة مستقيما و بلا واسطة، و الدليل عليه قوله تعالى في أولها: "و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا" و لم يقل و إن كنتم في ريب من رسالة عبدنا، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله، و الآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم و الخصوص و من أعمها تحديا قوله تعالى: "قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا": الإسراء - 88، و الآية مكية و فيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة.
        فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن و جزالة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا و هم العرب العرباء من الجاهليين و المخضرمين قبل اختلاط اللسان و فساده، و قد قرع بالآية أسماع الإنس و الجن.
        و كذا غير البلاغة و الجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية و الأخلاق الفاضلة و الأحكام التشريعية و الأخبار المغيبة و معارف أخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات.
        فالقرآن آية للبليغ في بلاغته و فصاحته، و للحكيم في حكمته، و للعالم في علمه و للاجتماعي في اجتماعه، و للمقننين في تقنينهم و للسياسيين في سياستهم، و للحكام في حكومتهم، و لجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب و الاختلاف في الحكم و العلم، و البيان.




        [1] التمهيد في علوم القران ج4 ص23.

        [2] تفسير الاء الرحمن لمحمد جواد البلاغي النجفي ج1 ص3.

        تعليق


        • #5
          شهادة المعجزة على صدق المدعي
          لا يختلف احد على ان المعجزة دليل على صدق المدعي وهذا اصل تفرع على القول بالعدل، فيعد ثبوت حكمة الله تبارك وتعالى واستحالة فعله للقبيح، نقول:

          لو جاز إظهار المعجزة على يد الكاذب لكان ذلك اغراء منه تعالى في اتباع هذا الشخص وهو مخالف لحكمته، لأنه من الواضح اغراء الناس بأتباع الكاذب قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح.

          توضيح ذلك:
          ان تكليف عامة البشر واجب على الله سبحانه ، وهذا الحكم قطعي قد ثبتبالبراهين الصحيحة ، والادلة العقلية الواضحة ، فإنهم محتاجون إلى التكليف فيطريق تكاملهم ، وحصولهم على السعادة الكبرى ، والتجارة الرابحة .
          ومن الضروري أن التكليف يحتاج إلى مبلغ من نوع البشر يوقفهم علىخفي التكليف وجليه :
          " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة" ومن الضروري أيضا أن السفارة الالهية من المناصب العظيمة التى يكثر لهاالمدعون ، ويرغب في الحصول عليها الراغبون ، ونتيجة هذا أن يشتبه الصادقبالكاذب ، ويختلط المضل بالهادي . وإذن فلا بد لمدعي السفارة أن يقيم شاهدا واضحا يدل على صدقه في الدعوى ، وأمانته في التبليغ ، ولا يكون هذاالشاهد من الافعال العادية التي يمكن غيره أن يأتي بنظيرها ، فينحصر الطريقبما يخرق النواميس الطبيعية .
          وإنما يكون الاعجاز دليلا على صدق المدعي ، لان المعجز فيه خرق للنواميسالطبيعية ، فلا يمكن أن يقع من أحد إلا بعناية من الله تعالى ، وإقدار منه ، فلوكان مدعي النبوة كاذبا في دعواه ، كان إقداره على المعجز من قبل الله تعالى
          إغراء بالجهل وإشادة بالباطل ، وذلك محال على الحكيم تعالى . فإذا ظهرتالمعجزة على يده كانت دالة على صدقه ، وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته .

          يقول العلامة البلاغي في تفسيره:

          ودلالته على صدق النبي في دعواه ودعوته ليس الا ان مدعي النبوة اذا كان ظاهر الصلاح موصوفاً بالأمانة معروفاً بصدق اللهجة والاستقامة لا يخالف العقل في دعوته وأساسياتها لم يجز عقلا اظهار المعجز على يده الا اذا كان صادقاً في دعوى النبوة ودعوتها. الا ترى انه لو كان مع صفاته المذكورة كاذباً في دعواه لكان اظهار المعجز على يده وتخصيص الله له بالعناية اغراء للناس بالجهل وتوريطاً لهم في متاهات الضلال وهذا قبيح ممتنع على جلال الله وقدسه[1].




          [1] نفس المصدر ج1 ص 3.


          تعليق


          • #6
            لماذا المعجزة؟
            لقد كانت دعوة الأنبياء تهدف إلى إيقاظ الفطرة وإثارة دفائن العقول[1]، ودعوة إلى ما يتجاوب مع الفطرة السليمة وتتجاذبه العقول الرشيدة! لذا فأن رسالة الأنبياء جميعا، على وضح من الحقّ الصريح، لا غُبار عليها ولا كانت حاجة إلى إقامة برهان. «لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ»[2]. «لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقّ» [3].
            «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه‏ِ إنّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبينِ» [4]. أي فلتكن على ثقة من أمرك، فإنّ لديك الحقّ ساطعا كالشمس اللائحة، تسطو بأنوارها على الآفاق!

            والحقّ لا يلتبس بالباطل أبدا! تلك سنّة اللّه‏ جرت في الخلق، كما قال الإمام الصادق عليه‏ السلام قال: «ولو لم يُجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل»[5]. أي: الحقّ بذاته واضح، والباطل بنفسه فاضح. وهو أمر فطريٌّ مجبول عليه الناس في فطرتهم الأُولى... ولو لم يكن تمييز الحقّ عن الباطل فطريّا ـ في بداهة العقول ـ لم يكن هناك معيار آخر لهذا التمييز، إذ أيّ معيار يجعل مقياسا لتمييز الحقّ غير الحقّ نفسه؟!

            قال الصادق عليه ‏السلام : «كلّ قوم يعملون على ريبةٍ من أمرهم، ومشكلةٍ من رأيهم، وزارئمنهم على من سواهم. وقد تبيّن الحقّ من ذلك، بمقايسة العدل عند ذوي الألباب»[6]. أي الفئات المحايدة للحقّ، ليسوا على طمأنينة من أمرهم، بل في ريبهم يتردّدون. فهناك زارئ ـ أي عاتب ـ منهم عليهم، حيث وميض النور لا يبقى منطفئ أبدا.

            ومن ثَمَّ لا ترى الدعوة في سبيل رسالتها مشكلةً مع العلماء وأصحاب العقول النبهاء، إنّما مشكلتها مع الجهلة السفهاء «وَيَرَى الّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الّذي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ، وَيَهْدي إلى صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميد» [7]. «وَلِيَعْلَمَ الّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ» [8]. ولم يشهد التاريخ أنّ نبهاء الأُمم طالبوا أنبياءهم البرهان على صحّة دعواهم، كسلمان وأبي ذرّ والمقداد. نعم كانت السفلة الأدناس هم الّذين عارضوا رسلهم وطلبوا منهم البيّنات، وبعدُ لم ينتهوا عن سفههم على كلّ حال. «وَقالُوا لَوْلا يَأتينا بِآيةٍ مِنْ رَبِّه»[9] «وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْما وعُلُوّا» [10]. «لَقَدْ جِئْناكم بِالْحَقِّ ولكِنَّ أكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارِهون» [11]. أي كان جحودهم وارتيابهم في الحقّ ناشئا عن كراهيّته لا عن نكرانه واقعا[12]. نعم كانت مطالبة المعجزة أو إبداؤها، بعد مواجهة النكران أو إبداء الارتياب من قبل الملأ والسادة من أهل الترف، لا العامّة وأصحاب العقول الراجحة.

            فكما أنّ السيف لعب دور الدفاع عن كيان الإسلام في منابذة هجمات العدوّ عسكريّا، كذلك الآية المعجزة دافعت عن حريم الإسلام ونابذت هجمات العدوّ فكريّا.

            وهذا هو القرآن يتحدّى بإعجازه أُولئك المرتابين «وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه» [13]. وهكذا سائر آيات التحدّي موجّهة إلى الذين ارتابوا أوأبدوا ارتيابهم ـ ظاهريّا ـ في صحّة الدعوة[14].




            [1]راجع: نهج البلاغة، الخطبة 1.

            [2]الرعد 13: 14.

            [3]الأعراف 7: 43.

            [4]النمل 27: 79.

            [5]روى البرقي بإسناده إلى ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه‏ عليه ‏السلام قال: «أبى اللّه‏ أن يعرّف باطلاً حقّا، أبى اللّه‏ أن يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلاً لا شكّ فيه، وأبى اللّه‏ أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقّا لا شكّ فيه. ولو لم يجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل». وفي حديث آخر: «ليس من باطل يقوم بإزاء الحقّ إلاّ غلب الحقُّ الباطل. وذلك قوله تعالى: «بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْباطِل فَيَدْمَغُهُ فإذا هُوَ زاهِقٌ». الأنبياء 21: 18. راجع: كتاب المحاسن ـ مصابيح الظلم، ج 1، ص 432، برقم 998 و 999.

            [6]المصدر، برقم 1000/402.

            [7]سبأ 34: 6.

            [8]الحج 22: 54.

            [9]طه 20: 133.

            [10]النمل 27: 14.

            [11]الزخرف 43: 78.

            [12]راجع في ذلك محاورة دارت بين موسى وفرعون ذكرها القرآن في ظرافة بيان. الشعراء 26: 16 فما بعد والأعراف 7: 103-110.

            [13]البقرة 2: 23.

            [14]راجع: طه 20: 133؛ هود 11: 13؛ يونس 10: 38؛ الأنفال 8: 31 و غيرهنّ.


            تعليق


            • #7
              لماذا تتنوع المعاجز؟
              لا يخفى ان حصول الفائدة المذكورة من تنوع المعجز يختلف كثيراً بسب اختلاف الناس في اطوارهم ومعارفهم.
              فرب خارق للعادة يعرفه بعض الاقوام ولا يعرفه اقوام اخرون ويكون معرضا للشك والجحود.
              فقد كان الرائج في عصر موسى عليه السلام بين المصريين صناعة السحر المبنية على قواعد وقوانين عادية . فكانوا يعرفون ما هو جار على قواعد هذه الصناعة وما هو خارج عن حدود القدرة البشرية. ولاجل ذلك اقتضت الحكمة ان يحتج عليهم بمعجزة العصا التي القاها موسى عليه السلام امام اعينهم فصارت ثعبانا تلقف ما يأفكون ويسحرون به اعين الناس من الحبال والعصي ثم رجعت من بعد ذلك عصا كحالها الاول ولم يبق لحبالهم وعصيهم عين ولا اثر فأنهم لمعرفته بحدود السحر عرفوا ان امر العصا خارج عن صناعة السحر وعن حدود القدرة البشرية ولذا امن السحرة بانه امرها من الله تعالى.
              وكانت فلسطين وسوريا في عصر المسيح مستعمرة لليونان وفيها منهم نزلاء كثيرون. فكان للطب فيها رواج كبير[1]
              لذا كانت معجزات المسيح عليه السلام شفاء الابرص والاعمى والاكمه مما يعرفون انه خارج عن حدود الطب ومراغم الكهنة وقدرة البشر.
              من هنا نعلم وجه ان المعجزة الكبرى للنبي محمد صلى الله عليه واله هي القران فقد كانت اهم معارف العرب منحصرة بالأدب العربي وكانوا خالين من سائر العلوم والصنائع الخاضعة للعلم والتعلم. فلم يكونوا يميزون حدودها العادية والخارج منها عن طاقة البشر.
              فكل عمل معجز من غير الادب العربي بمجرد مشاهدتهم له او سماعهم به يسبق الى اذهانهم انه من السحر او من مهارة اهل البلاد الاجنبية في الصنائع وتقدمهم في العلوم. ولا يذعنون بانه معجز الهي بل يسوقهم شك الجهل الى الجحود خصوصا اذا كان ذلك يحتج به النبي تفضح ضلالتهم وتنتقد اهوائهم الوحشية وجهلهم المظلم.
              نعم برعوا في الادب العربي وبلاغة الكلام التي تقدموا فيها تقدما باهرا حتى قد زهى في عصر الدعوة روضه الخميل واينعت حدائقه وفاق بحده وقرروا له المواسم وعقدوا المحافل للمفاخرة بالرقي فيه. فرقت بينهم صناعته الى اوج مجدها وزهرت بأجمل مظاهرها واحاطوا بأطرافها وحددوا مقدورها. فعاد احدهم خبير بما هو تحت طائلة قدرة البشر وما هو خارج عنها خارق لها.
              ولذا اقتضت الحكمة الالهية (ولله الحكمة البالغة) ان يكون القران الكريم هو المعجز المعنون والذي عليه المدار في الحجة لرسالة خاتم النبيين وصفوة المرسلين صلوات الله عليهم اجمعين.
              وهناك سبب اخر لجعل معجزة النبي صلى الله عليه واله هي القران الكريم فجميع المعاجز التي قام بها الانبياء كانت مرتبطة بزمان معين واطلع عليها اقوامهم ولم يتسن للأخرين الاطلاع عليها والتصديق بمدلولاتها وبما ان نبوة النبي محمد صلى الله عليه واله نبوة خاتمة تستمر الى قيام يوم الدين، فلابد من ان تكون له معجزة تواكب وتعاصر جميع الازمان الى يوم القيامة لكي لا ينبري البعض ويشكك في نبوته صلى الله عليه واله، وما كان هذا حاله يمتنع ان يكون امرا حسيا بل لابد ان يكون صالحا للبقاء ليتسنى للاحقين ادراكه.

              ويدل على هذه الحقيقة ما روي عن ابن السكيت أنه قال لابي الحسن الرضا عليه السلام :
              " لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ، ويده البيضاء ، وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب ؟
              وبعث محمدا - صلى الله عليه واله وسلم وعلى جميع الانبياء – بالكلام والخطب ؟ .
              فقال أبو الحسن عليه السلام : إن الله لما بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من
              عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم . وإن الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات ، واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيى لهم الموتى ، وأبرأ الاكمه والابرص بإذن الله ، وأثبت به الحجة عليهم .
              وإن الله بعث محمدا صلى الله عليه واله وسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال :
              الشعر - فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجة عليهم [2]".





              [1] كما يظهر ذلك في الفصل الثالث عشر والرابع عشر من سفر اللاويين من التوراة الرائجة تعليم طويل في تعليم القرع والبرص والقوبا بنحو يختص بروحانية الكهنوت ويوهم انه من بركات الكهنة

              [2]اصول الكافي " كتاب العقل والجهل " الرواية 20 .


              تعليق


              • #8
                وجوه اعجاز القران
                اختلفت أنظار العلماء في وجه إعجاز القرآن سعة وضيقا، بين من أنهاه إلى عدّة وجوه ومن اقتصر على وجه واحد وقد كان البحث عن اعجاز القران دائرا من القرون الاسلامية الاولى فقد ذكر ابن‏ النديم لمحمد بن‏ زيد الواسطي (ت 307) كتابا في إعجاز القرآن. وهو من جلّة المتكلّمين وكبارهم صاحب كتاب «الإمامة»[1].
                وكذلك كان لأبي عمرو الباهلي (المتوفى سنة 300) رسالة في إعجاز القرآن، وكان أوّل من بحث في هذا الموضوع وكانت رسالته أُولى رسالة ظهرت في الوجود بهذا العنوان!

                غير أنّ الذي وصل إلينا من كتب المتقدّمين في إعجاز القرآن هي رسالة أبي سليمان حمد بن ‏محمّد بن ‏إبراهيم الخطّابي البُستي (317-388) «البيان في إعجاز القرآن» وطبعت مع رسالتين أُخريين في الإعجاز إحداهما للرماني والأُخرى للشيخ عبد القاهر الجرجاني، باسم ثَلاث رسائل في إعجاز القرآن[2]. واليك مجمل اقوالهم:
                1 ـ فذهب أرباب الأدب والبيان إلى أنّها الفصاحة البالغة والبلاغة الفائقة، في بديع نظمه أو في عجيب رصفه، الذي لم يسبق له نظير ولن يخلفه بديل...

                قد نُضّدت عباراته نضدا مؤتلفا، ونظّمت فرائده نظما متلائما، وُضعت كلّ لفظة منه في موضعها اللائق بها، ورصفت كلّ كلمة منه إلى كلمات تناسبها وتوائمها، وضعا دقيقا ورصفا تامّا، يجمع بين أناقة التعبير وسلاسة البيان، وجزالة اللفظ وفخامة الكلام، حلوارشيقا وعذبا سائغا، يستلذّه الذّوق ويستطيبه الطبع... ممّا يستشفّ عن إحاطة واسعة ومعرفة كاملة بأوضاع اللّغة ومزايا الألفاظ والكلمات والتعابير... ويقصر دونه طوق البشر المحدود!

                قالوا في دقّة هذا الرصف والنضد: لو انتزعت منه لفظة ثمّ اُدير بها لغة العرب كلّها على أن يوجد لها نظير في موضعها الخاصّ، لم توجد البتة...
                وقد ذهب الى هذا القول الاكثر قال الخطابي: " وزعم آخرون أنّ إعجازه من جهة البلاغة، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر"[3].
                وقال المفسر ابن عطية: "إنّ الذي عليه الجمهور والحذّاق، وهو الصحيح في نفسه، أنّ التحدّي إنّما وقع بنظمه، وصحّة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه"[4].

                ويقول أبو يعقوب، يوسف بن‏ محمد بن ‏علي السكاكي، صاحب مفتاح العلوم، (ت 567): " واعلم أنّ شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. ومدرك الإعجاز ـ عندي ـ هو الذوق ليس إلاّ، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العِلمين (المعاني والبيان)...[5]
                وقد ذهب الشيخ المفيد (ره) الى هذا القول حيث قال: لأنّ مراتب الفصاحة إنّما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها اللّه‏ في العباد، فلا يمتنع أن يجري اللّه‏ العادة بقدر من العلوم فيقع التمكين بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية، ويكون ما زاد على ذلك زيادة غير معتادة، معجزا خارقا للعادة[6].


                [1]الفهرست ص 63 و ص 256. وراجع: الذريعة إلى تصانيف الشيعة للطهراني، ج 2، ص 232، برقم 917.

                [2]دار المعارف بمصر: 1387هـ ـ 1968م الطبعة الثانية.

                [3]البيان في إعجاز القرآن للخطّابي، ص 21.

                [4]المحرّر الوجيز، المقدّمة، ج 1، ص 52-53. وراجع: الزركشي في البرهان، ج 2، ص 97.

                [5]مفتاح العلوم، ص 196.

                [6] التمهيد في علوم القران – محمد هادي معرفة: ج4 ص73.


                تعليق


                • #9
                  بسم الله الرحمن الرحيم
                  الحمد لله والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين

                  جناب الاستاذ العزيز والمشرف القدير محب الامام علي ، وفقكم الله لكل خير على نشر مثل هذه المواضيع القيمة جعله الله في ميزان حسناتكم

                  تعليق


                  • #10
                    الاخ حسن الجوادي (حفظه الله)
                    اشكر مروركم الكريم واسأل الله لكم دوام التوفيق.

                    تعليق

                    يعمل...
                    X